الحوار على ضفتي الخليج ضرورة استراتيجية

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

كما تم التأكيد في عدد من المقالات وفي هذه الصفحة على ضرورة انطلاق الحوار على ضفتي الخليج بين إيران والسعودية تحديدا لإنهاء التوتر في منطقة حساسة كمنطقة الخليج من خلال مراجعة متأنية للسياسات والوصول الى تفاهمات مشتركة من خلال آلية الحوار والتي سوف تفتح آفاقا إيجابية للمنطقة وشعوبها.

هناك خطط تنموية طموحة لدول المنطقة وحتى إيران لتدعيم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والنهوض بطموحات الأجيال الجديدة نحو الحياة الكريمة المستقرة، وفي ظل صعود عدد من الدول النامية في آسيا وإفريقيا والتي تفتقر الى الموارد التي تتوفر لدول الخليج ومن هنا فإن الإشارات الأولى التي تم رصدها لانطلاق ذالك الحوار الإيراني-السعودي يعطي الأمل نحو إخراج المنطقة من حالة التوتر الشديد والذي كاد أن يهوي بالمنطقة الى أتون حرب مدمرة.
لقد بذلت السلطنة جهودا كبيرة في العقود الاخيرة ومن خلال الفكر المستنير لجلالة السلطان المعظم – حفظه الله ورعاه – في ضرورة أن يتعايش الجميع في المنطقة وفق منطق تبادل المصالح والمنافع وأن تحل الخلافات بالطرق الدبلوماسية وأن تستغل الموارد الهائلة لصالح شعوب المنطقة، وكان للسلطنة منذ عام 1976 مقاربة سياسية حول ايجاد منظومة تعاون إقليمية تشارك فيها إيران والعراق ودول مجلس التعاون وذلك من خلال بيان مسقط ولا تزال هذه المقاربة السياسية تطرح بين الحين والآخر كمشروع للسلام والأمن في المنطقة.
وسوف تواصل الدبلوماسية العمانية دورها الموضوعي لانطلاق ذلك الحوار على ضفتي الخليج وأيضا من خلال الجهود التي تبذل الآن من قبل باكستان والعراق حيث أن الهدف النهائي هو التوافق بين الفرقاء وعدم إهدار الثروات في صراعات وحروب لانهاية ولا أفق لحسمها كما في الحالة اليمنية، ويبدو لي ان الأحداث التي شهدتها المنطقة من حروب الناقلات والهجمات ضد عدد من الأهداف الحيوية واستمرار الحرب على اليمن وإهدار عشرات المليارات من الدولارات دون تحقيق أهداف تلك الحرب يستدعي المراجعة السياسية التي تهدف الى خيارات ومسارات تؤدي الى السلام والاستقرار في المنطقة.

الحوار هو الأساس

هناك زيارات متبادلة بين عدد من المسؤولين على ضفتي الخليج، وهذا ما كشف عنه الرئيس الإيراني حسن روحاني في المؤتمر الصحفي السنوي مؤخرا في طهران وهذا بلاشك تطور إيجابي يمهد لحوار إيراني- خليجي خاصة مع السعودية ذات الثقل الاقتصادي والديني في المنطقة ولا شك أن جهودا تتواصل بالدفع بانطلاق هذا الحوار وهناك قناعات بين الأطراف بأن الحوار هو السبيل الوحيد لإنهاء التوتر وإقامة علاقات طبيعية ووضع أي خلافات على طاولة الحوار.
ويبدو لي أن وقف الحرب على اليمن هو البوابة الأساسية نحو فتح بقية الملفات وهذا أمر ممكن حدوثه خاصة وأن جماعة أنصار الله تحدثوا عن مبادرة لوقف متبادل لوقف الحرب واطلاق عملية مفاوضات بين الفرقاء اليمنيين.
الحرب على اليمن تدخل عامها الخامس مخلفة مآس إنسانية كبيرة وتدمير للبنية الأساسية كما أن تلك الحرب أوقعت المنطقة في توتر شديد من خلال تفجير الناقلات وتهديد الملاحة الدولية وفتح المجال لحرب مفتوحة كارثية على المنطقة ومقدراتها ولا شك أن زيارة رئيس الوزراء الباكستاني عمران خان لطهران والرياض تعد جهود مقدرة من باكستان كما أن هناك جهودا عراقية متواصلة علاوة على الجهد السياسي العماني والذي يركز على ايجاد مخرج لوقف الحرب في اليمن ومن خلالها يمكن أن تكون هناك انفراجة سياسية لبقية الملفات الشائكة.

تراكمات معقدة

منذ قيام الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 وانتهاء حكم الشاه محمد رضا بهلوي وهناك علاقة عدم ثقة بين عدد من دول مجلس التعاون وإيران رغم حدوث تحسن في العلاقات بين طهران والرياض خلال رئاسة محمد خاتمي والذي زار السعودية كأول رئيس إيراني منذ قيام الثورة الإيرانية وقد تمت الزيارة عام 2002 وكانت هناك زيارات لمسؤولين سعوديين في تلك الفترة وكانت هناك آمال كبيرة بفتح صفحة جديدة من العلاقات الايجابيه بين البلدين.
وقد تداخلت الأمور بعد ذلك وأصبحت الأمور أكثر تعقيدا من خلال التوجهات المختلفة من خلال القضايا والملفات الشائكة في العراق ولبنان وسوريا وأخيرا اليمن ومن خلال المشهد الحالي في المنطقة فإن المصلحة الإسلامية تحتم لم الشمل ومواجهة التحديات التي تهدد المنطقة واستغلال مقدرات شعوبها من خلال دول المنطقة في أتون الصراعات والحروب.
الولايات المتحدة كدولة عظمى تبحث عن مصالحها ومن خلال إدارة ترامب الحالية فهي واضحة من خلال انعاش الاقتصاد الأمريكي عبر بيع المزيد من السلاح وأن يبقى المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة في حالة حركة لتأمين الوظائف والصرف على العاملين في هذا المجمع الكبير.
دول الخليج العربية الغنية أنفقت أكثر من 3 تريليونات دولار على مشتريات السلاح خلال نصف قرن وهو مبلغ ضخم كان بالإمكان استغلال جزء منه على التنمية والتحديث خاصة وأن تلك القدرات من السلاح كانت في كثير من الأحيان عبء اقتصادي وبشري وتقني وعلى ضوء تلك السياسات فإن المنطقة تحتاج الى فكر سياسي متجدد قوامه الحوار والإيمان بأن الجوار الجغرافي هو مسألة لا يمكن إدخال تغيير حاسم عليها، فالجغرافيا سوف تظل كما كانت قبل آلاف السنين وأن الشعوب تستطيع أن تتعايش وفق المصالح التجارية والتداخل الاجتماعي والشعور بالأخوة الإسلامية، وهو الحال الذي كانت عليه المنطقة منذ عقود طويلة.
ورغم التعقيد الذي يكتنف العلاقات بين إيران وعدد من دول الخليج العربية الا أن المؤشرات تبشر بانطلاق الحوار على ضفتي الخليج خاصة وأن هناك نموذجا ناجحا بكل المقاييس بين السلطنة وإيران حتى مع تغير الأنظمة من خلال الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والتعاون وتبادل المصالح وإذا كانت هناك خلافات وهذا أمر طبيعي في العلاقات بين الدول فإنها تحل من خلال الحوار والذي لا يتم الإعلان عنه إعلاميا بهدف أن ينجح ذلك الحوار البناء.

نحو مناخ جديد

بصرف النظر عن التعقيدات والتراكمات في ملف علاقات إيران مع عدد من دول الخليج العربية فإن الحوار الراهن قد يفتح الباب لانطلاق حوار أوسع، وفي حال نجاح ذلك الحوار فإن مناخا جديدا في المنطقة سوف ينطلق نحو بناء الثقة وإيجاد مقاربات سياسية بين دول المنطقة.
المنطقة بها قدرات وثروات كبيرة ومن هنا فإن الرؤى الاقتصادية لدول المنطقة لايمكن أن تنجح إلا من خلال مفاهيم السلام والعلاقات الطبيعية وإنهاء الخلافات على قاعدة لاضرر ولاضرار وان يتم انهاء التوتر وعدم الاستقرار والتخلص من الاستغلال من شركات السلاح وان يتم الاتفاق على منظومة امنية وسياسية ومن خلال دول المنطقة.
الجميع يتطلع الى مناخ سياسي جديد على ضفتي الخليج وهناك إشارات إيجابية بين طهران والرياض يمكن رصدها وقد تسفر تلك الإشارات عن انطلاق الحوار بصرف النظر عن مكان ذلك الحوار فالمهم هو إبعاد شبح الحروب والصراعات عن المنطقة تمهيدا لعلاقات أخوية ودية بين دول المنطقة والتفرغ للتنمية والتحديث وإطلاق الطاقات الواعدة وتنفيذ الرؤى الطموحة التي تستهدف الارتقاء بالأوطان الى المكانة المرموقة في كل المجالات، وهناك فرص واعدة للتعاون الإقليمي في منطقه استراتيجية واقتصاديات ملهمة من خلال التعاون المثمر وإبعاد شبح الكراهية بين شعوب المنطقة، وهذا سوف يكون إنجازا سياسيا لقيادات المنطقة للانطلاق الى آفاق أرحب لخدمة الشعوب والتي تحتاج المزيد من الاهتمام والرعاية خاصة الأجيال الجديدة والتي لابد من استغلال طاقاتها وإبداعها لإيجاد التحول المنشود الذي حدث في دول عديدة خاصة النمور الآسيوية في جنوب شرق آسيا، وبالطبع العملاق الآسيوي الصين والذي تحدثنا عن تجربتها الفريدة بالأمس، وهذه دروس لابد من أخذها في الاعتبار لان الصراعات والحروب هي استنزاف كبير لمقدرات الدول وإفقار شعوبها في ظل افق مسدود لا نهاية له.
ومن هنا فإن الحوار على ضفتي الخليج هو الخيار الأوحد لانتشال المنطقة من مشاكلها وتراكماتها السلبية وفتح آفاق جديدة نحو تعزيز السلام والاستقرار والدفع بالتعاون الاقتصادي الى الإمام مما ينعكس إيجابا على دول المنطقة وشعوبها.