جمعية الصحفيين تدشن ملتقى الصحافة العماني البريطاني بندوة حول حوار الحضارات

دعت للأخذ بالتجربة العمانية وتدريس فكر جلالة السلطان –

أكسفورد «عمان»: أكدت الندوة الدولية «حوار الحضارات: رؤية متوازنة للتعايش» التي نظمتها أمس جمعية الصحفيين العمانية في جامعة أكسفورد البريطانية على أن التعايش بين الشعوب لا يتأتى إلا بالحوار، وهو السبيل من أجل إرساء دعائم الرخاء من أجل خير البشرية. وأشار المحاضرون الذين تحدثوا عن تجربة المواطنة العالمية إلى أن نجاحها في عمان قائم على الأصالة التاريخية والبيئة الفكرية الفريدة والقيادة السياسية المؤمنة بأصالتها التاريخية وهويتها الدينية المتسامحة.
وانطلقت بجامعة اكسفورد أمس أعمال «ملتقى الصحافة العماني ـ البريطاني» بشراكة بين جمعية الصحفيين وجامعة أكسفورد ومركز رويترز والملحقية الإعلامية التابعة لوزارة الإعلام وجمعية الصداقة العمانية ـ البريطانية.
وأعرب الدكتور محمد بن مبارك العريمي رئيس مجلس إدارة الجمعية عن سعادته لاستضافة جامعة أكسفورد لهذه المناسبة، مشيرا الى أن هذا الصرح العريق يشهد جانبًا من التعاون الأكاديمي بين السلطنة والمملكة المتحدة يتمثل في « كرسي السلطان قابوس» بجامعة أكسفورد .
وقال العريمي في كلمة افتتح بها الملتقى إن العلاقات العمانية البريطانية التي تعود إلى أوائل القرن التاسع عشر ـ أي قبل أكثر من قرنين من الزمن ـ سجلت رسوخًا وتطورًا مستمرًا ومتواصلًا وهي اليوم في ظل العهد الزاهر لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله ورعاه، تسجل نقلة نوعية بالغة الأهمية والدلالة تسعى من خلالها الى تحقيق المصالح المشتركة والمتبادلة خاصة في المرحلة الراهنة التي تشهد العديد من المتغيرات والتطورات المتسارعة في منطقة الخليج العربية الحيوية بوجه خاص وفي الشرق الأوسط بوجه عام .
وأوضح رئيس مجلس إدارة جمعية الصحفيين العمانية ان هذا الحراك أضاف أهمية أكبر للدور التنويري الذي تقوم به وسائل الإعلام العمانية ضمن وظائفها المختلفة مقروءة كانت أو مرئية أو الكترونية وعلى نحو تزداد فيه أهميته على مختلف المستويات .
وأشار الدكتور محمد العريمي الى أن الصحافة العمانية التي تعد أحد الوجوه المعبرة عن النهضة العمانية الحديثة وعن تطلعات المواطن العماني الذي يتوق دومًا الى السلام والتقدم والإنجاز لم تبدأ في عام 1970م وإنما قبل ذلك بنحو مائة عام تقريبًا في زنجبار في ظل الإمبراطورية العمانية منوهًا أنه في وقت مبكر كانت هناك أكثر من صحيفة عمانية ومنها على سبيل المثال صحيفتي «النجاح» و «الفلق» وصحيفتي «النهضة» و«المرشد» والتي توسع دورها التنويري ليتعدى حدود زنجبار .
وأضاف أنه ومع إدراك الأهمية التاريخية للدور التنويري للصحافة العمانية في زنجبار وشرق أفريقيا منذ أوائل القرن العشرين إلا أن النقلة النوعية للصحافة العمانية ولوسائل الإعلام العمانية الحديثة بدأت وواكبت مسيرة النهضة العمانية لتتفاعل معها ولتعبر عن آمال وطموحات وقيم المواطن العماني تلك التي جسدها جلالة السلطان المعظم، أيده الله، من خلال تبني مبادئ السلام و الحوار و قبول الآخر والعمل على تحقيق التقارب والتوافق إلى أبعد مدى ممكن بين الحضارات والشعوب في عالم اليوم الذي تنظر الشعوب إلى الأمن والاستقرار والسلام وتحقيق حياة أفضل لأبنائها.
وبين الدكتور محمد بن مبارك العريمي انه في هذا الإطار عملت الصحافة العمانية ووسائل الإعلام الأخرى التي تعود ملكية معظمها إلى القطاع الخاص على التعبير عن القيم والتوجهات والأسس التي تقوم عليها السياسة والمواقف العمانية حيال مختلف القضايا والتطورات الخليجية والعربية والإقليمية والدولية مُؤكدًا أن الصحافة العمانية ووسائل الإعلام أسهمت في تحقيق ما تنعم به السلطنة من سلام ووئام، كما أنها عملت على الدوام من أجل إعلاء قيم الاُلفة والمحبة والتعاون بعيدًا عن الانفعالية والانحياز والذي انعكس بالإيجاب على الشأن الداخلي وعلى علاقات السلطنة بجوارها و العالم أجمع .
من جانبه قال البروفيسور يوجين روجان مدير مركز الشرق الأوسط في كلية سانت أنتوني أكسفورد إن السلطنة أدت دورًا مهمًا في منطقة الخليج العربية والشرق الأوسط على نطاق أوسع فقد عملت السلطنة على تحقيق التوازن الذي تحافظ به على جميع جيرانها ولطالما كانت وسيطًا بين القوى العظمى والقوى الإقليمية .
وقال روجان « إننا جميعا نستفيد من الحوار بين الصحفيين العمانيين وغيرهم من الصحفيين العالميين وبين الأكاديمية والصحافة، متمنين أن تربط الندوة المنتظرة مجتمع أكسفورد بسلطنة عمان».
وشهد حفل افتتاح الملتقى عرض فيلم وثائقي تناول التطور الذي طال مختلف الجوانب التنموية التعليمية والسياسية والصناعية والاجتماعية في مختلف محافظات السلطنة، كما قدم الفيلم لمحات عن حياة الإنسان العماني الحضارية الموغلة في القدم خاصة فيما يتعلق بالتاريخ والتراث .
عقب ذلك سلم الدكتور محمد بن مبارك العريمي رئيس لجمعية الصحفيين العمانية والبروفيسور يوجين روجان مدير مركز الشرق الأوسط في كلية سانت أنتوني أكسفورد» درع الجمعية لرئيس مركز الشرق الأوسط للدراسات بجامعة اكسفورد لعدد من الباحثين من الجانبين العماني والبريطاني .
أُقيم ضمن الملتقى معرض للصور من أهمها صورة لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم، حفظه الله ورعاه، أثناء استقبال جلالته للملكة إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا والكومنولث وصورة لزيارة سمو الأمير تشارلز للسلطنة كما قدم المعرض صورًا عكست جمال الطبيعة العمانية وبعض الحرف اليدوية والأثرية.
وقدمت في الندوة الدولية المصاحبة للملتقى تسع أوراق عمل في مسارين الأول تأصيلي حول التسامح والتعايش والآخر دور الإعلام العماني في ترسيخ فكرة التسامح والتعايش بين الشعوب.
وقدم الدكتور زكريا المحرمي ورقة علمية بعنوان «المواطنة العالمية رؤية عمانية» وبعد أن أصلّ المحرمي مصطلح المواطنة العالمية واستعرض مقولات الفلاسفة والمفكرين حوله استعرض بعضا من مقولات الرحالة والجغرافيين الذين زاروا عمان وكيف تحدثوا عن فكرة المواطنة العالمية فيها. ثم أصل مرة أخرى أسباب التسامح في عمان مشيرا إلى الاستقرار السياسي الذي ساهم في صناعة التسامح العماني وكذلك القيادة السياسية المعاصرة مؤكدا عن جلالة السلطان المعظم رجل صاحب رؤية واعية، فهو داعية للتفكر والتدبر كما أنه يرفض الوصاية على أفكار الآخرين، ويستشهد بمقولة لجلالته «مواكبة العصر لا تعني فرض أي أفكار على الآخرين» كما أن جلالة السلطان المعظم داع إلى التعددية الفكرية.
كما قدم الباحث خميس بن راشد العدوي ورقة علمية في الندوة حملت عنوان «خطاب الكراهية والمعالجة العمانية» تطرق خلالها للكثر من أطروحات الفلاسفة والمفكرين حول نشأت خطاب الكراهية وأسبابه المنطقية. بعد ذلك تحدث عن المعالجة العمانية لهذا الخطاب. وتطرق العدوي خلال ذلك للمراحل التي مرت بها الدولة في عمان من العصور القديمة إلى العصر الحديث.
وقال العدوي إن خطابات السلطان تأتي ضمن التطور الدستوري لنظام الحكم في عمان، تميّزت أن قائلها كان على سدة الحكم، ولم تكن مجرد رؤية نظرية أو أقوال لم تحظَ بالتطبيق مشيرا أن تجربة خطابات جلالة السلطان المعظم كانت تنبع من التجربة العملية ومتزامنة مع مجريات الأحداث، كما أنها جاءت مكتملة، وأنشأت دولة عصرية حديثة، وعالجت أوضاعاً محلية ودولية. وأوصى العدوي بضرورة تدريس هذه الخطابات في الحقول الجامعية ضمن مساقات «الدراسات السياسية»؛ وأن تخصص لها أطروحات علمية في مراحل الدراسات العليا؛ الماجستير والدكتوراه.
كما قدم الدكتور محمد العريمي ورقة علمية في الندوة بعنوان «الصحافة العمانية ورسالتها التنويرية» تحدث فيها عن الأدوار التي قامت بها الصحافة العمانية منذ النشأة الأولى في مجال التنوير وترسيخ فكرة التعايش بين الشعوب.
وتناول العريمي البعد التنويري لوسائل الإعلام العمانية، وذلك من خلال محاولة إلقاء الضوء على ما يتصل بهذا الجانب الذي يعد من أهم الوظائف التي تقوم بها وسائل الإعلام، على اختلافها ومنذ نشأتها.
وأكد العريمي في ورقته أن التنوير تقوم به وسائل الإعلام العماني منذ ما يزيد على مائة عام مضت، حيث قامت الصحف العمانية في زنجبار وشرق أفريقيا بدور كبير في هذا المجال.
غير أنه من المؤكد أن الإعلام العماني الحديث، ودوره الوطني الحيوي إنما نشأ وترعرع ويواصل تقدمه باعتباره ثمرة من ثمار مسيرة النهضة العمانية الحديثة، إعلام يشكل القطاع الخاص أكثر من 95 % من ملكية مؤسساته. وهو ما تسعى هذه الورقة إلى التعريف بأبرز جوانبه وأبعاده التنويرية المختلفة.
كما قدم الدكتور هلال الحجري ورقة بعنوان «مسقط: نموذجٌ للمدينة العالَمية في القرن التاسع عشر» تحدث فيها عن شخصية السيد سعيد بن سلطان الكاريزمية في الأدب الإنجليزي فلم يكن في عيون الأوروبيين حسب ورقة الحجري مجرد إمبراطور شرقي واسع النفوذ، و إنما كان نموذجا لـ «الفارس النبيل». ويذكر الحجري إن الإنجليز في كتاباتهم يصفونه بصفات النبل، والوسامة، والشجاعة، والعدل، والتسامح، والكرم، والتواضع، وهي صفات قلما تجتمع في «الحاكم الشرقي»، الذي يصفه معظم الرحالة و الأدباء الأوروبيين بـ «الاستبداد» و»التوحش». وقال المحرمي إنه في عهده السيد سعيد بن سلطان أصبحت مسقط مدينة «عالمية» يسكنها أجناس مختلفون في اللغة والدين والثقافة واللون، ولكنهم كان يجمعهم عيش مشترك يسوده الاحترام والتسامح في ظل قانون يكفل حرية الدين للجميع. تسعى هذه الورقة إلى رصد مظاهر «الكوزموبوليتانية» أو «العالمية» لمدينة مسقط خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر، وهو عهد السيد سعيد بن سلطان.
كما قدمت الدكتورة نجمة السريرية بورقة عمل بعنوان «الإعلام العماني وقضايا المرأة العمانية».
تناولت الورقة قضايا المرأة في عمان ودور وسائل الإعلام الصحفية والتلفزيونية في التغطية التي ركزت عليها، مشيرة إلى أن وسائل الإعلام دأبت على طرح قضايا المرأة ومناقشتها من خلال برامج يومية وأسبوعية تتناول هموم المرأة وتحاول حلها.
كما يحرص الإعلام العماني على أن يركز على الدور الإيجابي الذي يمكّن المرأة من تعزيز موقعها في المجتمع ودورها في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ويقوم الإعلام بهذا الدور من خلال البرامج الوثائقية والتسجيلية، وصفحات المرأة بالصحف اليومية.
وشاركت في الندوة من جامعة جامعة أكسفورد الباحثة ميرا سيلفا بورقة عمل بعنوان «هل الأكثر أهمية أقل قوة؟ خمسة أشياء يحتاج الجميع لمعرفتها حول مستقبل الصحافة».
كما قدم الدكتور توبي ماتيسين وهو كبير زملا البحث في العلاقات الدولية للشرق الأوسط في مركز الشرق الأوسط بكلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد ورقة علمية بعنوان «عُمان والتحديات الجيوسياسية التي تؤثر على منطقة الخليج».
وتحدث ماتيس عن التحولات التي يشهدها العالمين العربي والإسلامي بشكل عام وتزايد التوترات الجيوسياسية، وتنافس أمريكا مع الصين، ومحاولات تجنب الصناعات كثيفة الكربون من جراء ظاهرة الاحتباس الحراري. مؤكدا أن عمان تأثرت بكل الأحداث التي تجري من حولها لكنها حاولت أن تلعب دورًا متوازنًا في رأب الصدع الذي نشأ في المنطقة، كما لعبت أيضًا دورا متوازنا في صراع دول المنطقة مع دول العالم في القضية الإيرانية وتطلب كل ذلك الكثير من المهارة الدبلوماسية، وقد وضعت دبلوماسية عمان الإقليمية في دائرة الضوء.