المعجزة الصينية.. دروس في التخطيط للمستقبل

رشا عبدالوهاب –

استغرقت الصين 70 عاما للخروج من عزلتها لتصبح واحدة من أعظم القوى السياسية والاقتصادية، ولاعب بارز على الساحة الدولية في العديد من القضايا الكبرى في مجال السياسة الخارجية. وعلى مدار أكثر من نصف قرن، تمكنت الصين من الخروج من عزلتها حيث لا يوجد شركاء تجاريون ولا علاقات دبلوماسية، واعتمدت فقط على الاكتفاء الذاتي. وبعد تولي الحزب الشيوعى السلطة في أعقاب الحرب الأهلية الصينية وإعلان تأسيس جمهورية الصين الشعبية خلال الأربعين عاما الأولى على سلسلة من إصلاحات السوق التاريخية لفتح طرق التجارة والاستثمار، وإنقاذ مئات الملايين من براثن الفقر.
فالصين هي «مصنع العالم» بالمعنى الحرفي للكلمة، فأغلب المنتجات الموجودة في الأسواق الدولية تحمل شعار «صنع في الصين» من ألعاب الأطفال حتى الأجهزة الإلكترونية والسيارات بل والأسلحة، ووفقا للبنك الدولي، أصبحت القيمة المضافة للصناعة في الصين هي الأكبر في العالم حيث شكلت 27% خلال عام 2017. الصين قصة نجاح ومعجزة اقتصادية على مدار سبعة عقود، تروي قصة صعود أفقر دولة في العالم في أربعينيات القرن الماضي، وتحول «الرجل المريض» في آسيا إلى قوة اقتصادية تقود دفة الاقتصاد العالمي، وتتحكم في دفة الاقتصاد الأمريكي عبر امتلاكها لأدواتها الاقتصادية وإرادة لا تهزم، وشرائها لسندات الدين الأمريكي، وتمكنها من الانفتاح على العالم عبر مبادرة «طريق واحد.. حزام واحد». وبعد أن كان نصيب الصين من الناتج المحلي الإجمالي العالمي 1,8% في 1952 أصبح الآن 16%، كما ارتفع سكانها من 575 مليونا عام 1952 إلى حوالي 1.4 مليار نسمة بنهاية عام 2018، بزيادة قدرها 140% خلال 66 عاما.
ويعتبر اقتصاد السوق الاشتراكي في الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وأكبر اقتصاد في العالم بفضل القوة الشرائية. وحتى 2015، كانت الصين أسرع الاقتصادات نموا في العالم بنسبة 6% على مدار 30 عاما. وتطلع الصين، التي تحتفل بـ 70 عاما على تأسيس الجمهورية الشعبية، بأن تحتل عرش الاقتصاد العالمي بعد 10 سنوات، أى خلال الاحتفال بالذكرى الثمانين على التأسيس. ومنذ انتهاء الفترة الماوية عام 1978، تحولت الصين من اقتصاد اشتراكي مخطط تسيطر عليه الدولة إلى اقتصاد اشتراكي مختلط. وتطلب هذا التحول مجموعة معقدة من الإصلاحات في الأنظمة المالية والاقتصادية والقانونية وقدرة الحكومة على التعامل بمرونة مع العواقب غير المنتظرة لهذه الإصلاحات. وصاحب هذا التحول مستويات عالية من التصنيع والتحضر، وهي عملية سيطرت على كل منحى من مناحي الحياة في الصين. ومع صعود الحزب الشيوعي إلى السلطة عام 1949، كانت الأهداف الأساسية طويلة المدى لتحويل الصين إلى دولة حديثة وقوية واشتراكية، هي الفكرة التي أكدها الدستور الصيني، فالطبقة العاملة هي من يحكم. ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذه الأهداف تعني التصنيع، وتحسين مستويات المعيشة، وتقليل الفجوة في الدخول، وتحديث الجيش.
وفي عام 1949، عانى اقتصاد الصين من التأثيرات المنهكة لعقود من الحرب، ومع نهاية الحرب مع اليابان عام 1945، فككت قوات الاتحاد السوفييتي نصف المعدات في المناطق الصناعية بشمال شرق البلاد، وشحنتها إلى الاتحاد السوفييتي. وكان الهدف الأساسي للحكومة الصينية في الفترة من 1949 إلى 1952 إعادة الاقتصاد إلى طبيعته. وبدأت في تأميم بنك الشعب لإحكام السيطرة على التضخم في 1951، وتوحيد النظام المالي وتشديد الائتمان وتحديد ميزانية الحكومة. ومع وضع قاعدة اقتصادية سليمة، فإن القيادة الصينية تحت زعامة ماو تسي تونج وتشو إن لاي رئيس الوزراء كانت مهيأة للشروع في برنامج للنمو الصناعي والاشتراكية، ولهذا الغرض، تبنت الحكومة «النموذج الاقتصادي السوفييتي» القائم على ملكية الدولة وعلى مركزية التخطيط الاقتصادي وهو ما ظهر بوضوح في الخطة الخمسية الأولى للفترة من 1953 إلى 1957، ومع الخطة الخمسية الثانية، اقتنع قادة البلاد أن النموذج السوفييتي غير ملائم للصين بسبب عدم التوازن بين النمو الصناعي والزراعي وعدم المرونة في عملية صنع القرار، وتبنت القيادة الصينية الخطة الخمسية الثانية في 1958، والتي اعتمدت على الجهود الوطنية التلقائية لعموم الشعب الصيني لإنتاج «قفزة كبرى» تدريجية في الإنتاج في كل قطاعات الاقتصاد. لكن نتيجة هذه السياسة أيضا كانت أزمة اقتصادية طاحنة ومجاعة تسببت في وفاة الملايين، وهو ما دعا إلى التحول إلى سياسة «الزراعة أولا»، وخلال فترة الضبط والانتعاش، تم استعادة الاستقرار الاقتصادي. وعلى الرغم من أن تأثيرات الثورة الثقافية لم تكن جيدة بالنسبة للاقتصاد الصيني، إلا أن استراتيجية «التحديثات الأربعة» في مجالات الزراعة والصناعة والدفاع وأخيرا العلوم والتكنولوجيا في عام 1979 لتجديد شباب الاقتصاد الصيني كانت مؤثرة خصوصا بعد وفاة ماو تسي تونج.
وحدثت التحولات الكبرى للاقتصاد الصيني بعد 1979، عندما انفتحت الدولة على التجارة الخارجية والاستثمار وطبقت إصلاحات السوق الحر. «التحديثات الأربعة» كانت فكرة دينج تشاو بينج مؤسس أو مهندس الصين الحديثة، والذي كان يعتبر من قيادات الجيل الثاني في الحزب الشيوعي، وقاد الصين إلى معجزة اقتصادية حقيقية بداية من عام 1979 عبر سياسة «الباب المفتوح». وقال دينج: «قطة سوداء.. قطة بيضاء.. اللون لا يهم طالما يمكنها أن تمسك الفئران، ولذلك فلا تناقض بين الشيوعية واقتصاد السوق».
وبداية من نهاية السبعينيات حتى الألفية الجديدة، واصلت الصين مسيرة الإصلاح الاقتصادي، لدرجة أن الاقتصاد الصيني كان ينمو بمعدل 10% سنويا في الفترة بين عامي 1990 و2004، وهو أعلى معدل نمو في العالم. ومن بين الإنجازات الأخرى التي عززت موقف الصين على الساحة الدولية، كان انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية في 2001.
ومع وصول الرئيس شي جين بينج إلى السلطة في 2012، تعهد بأن قوى السوق سوف تبدأ في لعب دور حاسم في تخصيص الموارد، وهو ما يعنى أن الدولة سوف تقلل تدخلها تدريجيا في توزيع رأس المال، كما وعد بإعادة بناء الشركات الحكومية للسماح بمزيد من التنافسية، عبر جذب المستثمرين في القطاع الخاص والمستثمرين الأجانب، كما أطلق شي مبادرة الحزام والطريق في سبتمبر وأكتوبر 2013، خلال زيارتين إلى كازاخستان وإندونيسيا حيث وصف المبادرة بالفرصة الذهبية. ودائما ما يستخدم الرئيس الصيني تعبير أن الصين يجب أن تختبر «الصراعات الكبرى لتحقيق الحلم الصيني والتجديد». وباعتراف من البنك الدولي، قد شهدت الصين أسرع تطور مستدام لاقتصاد رئيسي في التاريخ.
وفي 2017، رفعت الصين نسبة الإنفاق على البحث والتطوير في مجال الاستثمار التكنولوجي بنسبة 70%، كما أنها وسعت الاستثمار في المجمعات الصناعية عالية التقنية والمراكز التي تعمل على تقنيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات ومراكز المعلومات الضخمة. كما أن الحكومة الصينية تعمل على خطة عشرية تحت اسم «صنع في الصين 2025» لتسريع تطوير صناعات التكنولوجيا الفائقة، بحيث تصبح رقم واحد في الاتصالات ومعدات الطاقة الكهربائية والروبوتات وصناعة السيارات التي تعمل بالطاقة المتجددة. ودليل نجاحات الصين في إصلاحاتها الاقتصادية أن 850 مليون صيني نجوا من براثن الفقر، فقد أكد البنك الدولي أن بكين على الطريق للقضاء على الفقر بحلول 2020.. كما أن الصين تعتبر المصدر الأكبر لحوالي 33 دولة، وأكبر مصدر للواردات لحوالي 65 دولة. وبالإضافة إلى هيمنتها على التجارة، تحولت الصين عبر سنوات طويلة إلى اللاعب الرئيسي في تدفقات الاستثمار العالمي. وفي الفترة من 2015 إلى 2017، أصبحت ثاني أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر، وثاني أكبر متلق للاستثمارات الخارجية.
الاقتصاد الصيني «معجزة» بكل المقاييس، وعلى الرغم من توقعات الاقتصاديين والمحللين بتراجعه بسبب الحرب التجارية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلا أن الأرقام تشير إلى العكس. ومع تبادل التعريفات التجارية بين العملاقيين الاقتصاديين، لا يوجد فائز في هذه الحرب، ويجب أن تتراجع الدولتان مع اقتراب حافة الهاوية، فكل منهما ينتظر تنازل الآخر أولا. والمفارقة أن الصين لن تخسر كثيرا على العكس من الاقتصاد الأمريكي المهدد بالعجز التجاري والركود، وكما توقع صندوق النقد الدولي، فإن الصين تتجه لإزاحة أمريكا من على عرش الاقتصاد الأول في العالم بحلول 2030.