الصين التحول الاقتصادي المذهل

عوض بن سعيد باقوير – صحفي ومحلل سياسي –

لقد سجل الحضور الصيني قبولا واضحا في القارة الافريقية وآسيا وفي العالم العربي من خلال سياسات الانفتاح الاقتصادي والاستثمار وبناء شراكات واسعة وتبنيها لمشروع طريق الحرير أو الحزام والطريق مما جعل الصين تركز على الجانب الحضاري والاقتصادي وخلق مناخ للسلام بين الشعوب والأمم .

احتفلت الصين في الأول من أكتوبر الحالي بعيدها الوطني السبعين وهي تشهد تحولات اجتماعية واقتصادية وايديولوجية متسارعة جعلتها الاقتصاد الثاني في العالم بعد سنوات من المعاناة الكبيرة خاصة خلال حقبة الثورة الثقافية في عقد الخمسينات ورغم أن الزعيم الصيني ماو تسي تونج هو الأب الروحي للثورة الصينية عام 1949 الا أن المتغيرات التي حدثت بعد رحيله عام 1976 كانت كبيرة وفارقة على صعيد الفكر الاقتصادي والانفتاح على العالم خاصة مع الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة حيث إقامة العلاقات الدبلوماسية عام بعد الزيارة الشهيرة للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون الى جمهورية الصين الشعبية عام 1972 ولقائه الهام مع الزعيم الصيني ماو تسي تونج والتي أعادت العلاقات الى طبيعتها بعد انقطاع دام أكثر من عقدين لأسباب سياسية تتعلق بدعم واشنطن لتايوان ودعم الصين لفيتنام حيث كانت هذه الأخيرة في حرب قاسية مع الولايات المتحدة لقد أطلق على الصين معجزة العالم الاقتصادية قياسا بالأرقام خلال سبعة عقود وأيضا قياسا الى البعد السكاني الهائل والمساحة الواسعة.

الصين الجديدة

حدث التحول الصيني بعد الانفتاح على الغرب والعالم بشكل عام بعد فترة انعزال داخلي تتعلق بالايديولجيا الصينية الشيوعية الصارمة والتركيز على التحالفات مع الدول الاشتراكية ودعم الأحزاب اليسارية، حيث أن ذلك مثل هدفا استراتيجيا لحماية الدولة الوطنية من خلال تلك التحالفات في آسيا وافريقيا وحتى في العالم العربي خاصة في عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي.
وكان الزعيم الصيني ماو تسي تونج هو الشخصية المحورية في الصين بعد انتصار الثورة الثقافية عام 1949 وانطلاق الصين ايديولوجيا وعسكريا والتي توجت بإعلان الصين دولة نووية وأصبحت جزءا من منظومة مجلس الأمن للأعضاء دائمي العضوية وكانت الصين في الأمم المتحدة تتعاطف مع قضايا الدول النامية كونها كانت دولة تشق طريقها كما وجدت نفسها في وسط الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق.
ويحسب للصين انها لم تدخل حروبا وصراعات عسكرية بل ركزت على الداخل الصيني من خلال دعم الزراعة والتي كانت المورد الأول للصين بعد الثوره الثقافية كما واجهت الصين مجاعات كبيرة لأسباب تتعلق بالسياسة الزراعية في الريف الصيني وفقد الملايين من الصينيين حياتهم حيث شهدت الصين في عقد الخمسينات من القرن الماضي واحدة من أكبر الكوارث والتي تجسدت في القفزة الكبرى الى الأمام من خلال مشروع ماو الزراعي ولكن فشل المشروع أدى الى تلك الكارثة الإنسانية وهنا بدأت الصين تتخذ فكرا جديدا بعد الاختلال الاقتصادي الذي تبع الثورة الثقافية ذات الايديولوجيا الصارمة وقضية تطهير الحزب الشيوعي من المنافسين للقيادة الصينية آنذاك.
بدأت الورشة الصينية وهي الاكبر في العالم في أعقاب وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونج عام 1976 حيث بدأت الاصلاحات الكبرى التي قادها الزعيم التالي للصين وهو دنغ شياو بيينغ بهدف تغيير المنظومة الاقتصادية من خلال منح المزارعين الحق في استغلال أراضيهم الخاصة مما أدى الى تحسين معيشة الملايين وكانت هذه السياسة أولى الاشارات للانفتاح والتقليل من القبضة الايديولوجية والملكية العامة للدولة وإيجاد مقاربات توازن بين الفكر الايديولوجي والسياسة الاقتصادية ذات الانفتاح المنضبط.

الانطلاقة الكبرى

الصين بلد به مليار و300 مليون نسمة وهذا الرقم يجعل الأمور أكثر تعقيدا لأي سياسة اقتصادية محددة أو من خلال برامج للتحفيز ورغم ذلك فالذي تحقق للصين خلال نصف قرن هو أشبه بالمعجزة الاقتصادية كما أن مساحة الصين هي أكثر من تسعة ملايين ونصف كيلومتر مربع، ومن هنا تأتي أهمية الانجاز الصيني ولعل الموارد البشرية الكبيرة هي أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في تلك الطفرة الاقتصادية والتي جعلت من الاقتصاد الصيني يسجل أرقاما مذهلة في النمو تجاوزت 10 في المائة لسنوات ولا تزال الصين تحقق نموا لايقل عن 6 في المائة لأسباب تتعلق بظروف داخلية وأخرى تتعلق بالاقتصاد الدولي وأيضا الحروب التجارية التي ظهرت في السنوات الأخيرة مع الولايات المتحدة.
أصبحت الصين ظاهرة اقتصادية مهمة وبصرف النظر عن تباطؤ النمو فإن ذلك لا يغير من التقدم المذهل للصين من خلال فتح باب الاستثمارات الأجنبية ووجود العمالة الرخيصة وانشاء المصانع الغربية في المدن الصينية، وفي هذا الاطار يقول ديفيد مان كبير الاقتصاديين الدوليين في بنك ستاندارد تشارترد من نهاية السبعينات الى الآن رأينا أكبر المعجزات الاقتصادية في التاريخ وهو قول صحيح قياسا بالأرقام وفي عقد التسعينات بلغت نسبة النمو أرقاما قياسية كما تمت الاشارة وانضمت الصين الى منظمة التجارة العالمية عام 2001 مما منح اقتصادها دفعة اضافية حيث انخفضت التعرفة الجمركية المفروضة على المنتجات الصينية في دول العالم المختلفه مما أدى الى انتشار السلع مما جعل الصين تصبح أكبر ورشة للتصنيع في العالم.
الأرقام التي أصدرتها كلية لندن للاقتصاد واضحة ففي عام 1978 بلغت صادرات الصين 10 مليارات دولار فقط وفي عام 1985 بلغت قيمتها 25 مليار دولار وبعد عقدين حدثت القفزه الكبرى حيث ارتفعت قيمة الصادرات الصينية الى 4 تريليونات و300 مليار دولار وهو رقم مذهل في تاريخ الاقتصاد والتجارة مما جعل الصين أكبر دولة مصدرة للسلع في العالم.
وقد أدت تلك التطورات الى انخفاض معدل الفقر وتحسنت معيشة ملايين المواطنين حيث يقول البنك الدولي أن أكثر من 850 مليونا من الصينيين تمكنوا من الخروج من دائرة الفقر وأن الصين تسير حثيثا نحو التخلص من الفقر بحلول عام 2020 كما تسارعت مستويات التعليم والذي تركز عليه الصين خاصة في الجامعات الغربية، وتشير توقعات بنك ستاندرد تشارترد ان تكون 27 في المائة من القوة العاملة في الصين تحظي بتعليم جامعي بحلول عام 2030 وهو معدل يساوي وضع المانيا حاليا ورغم ذلك فان هناك تحديات أمام الصين من خلال التفاوت الطبقي فنماذج الثراء الفاحش والطبقة الوسطى الصاعدة تتعايش مع مناطق ريفية محرومة وقوة عاملة لا تتمتع بالمهارات الضرورية وهذه إحدى التحديات امام الصين حيث يبلغ متوسط دخل الفرد حسب بنك سنغافورة 10 آلاف دولار مقارنة بـ 62 ألف دولار في الولايات المتحدة ورغم ذلك فإن الصين حققت نتائج مذهلة وهي أمام رقم كبير من السكان قياسا بالولايات المتحدة والدول الغربية كما أن الصين أصبحت ثاني اقتصاد في العالم متقدمة على الدول الصناعية الكبرى في أوروبا وأزاحت اليابان وقد تقفز الصين الى المركز الأول خلال عقود حسب تحليلات عدد من بيوت الخبرة الاقتصادية مع تواصل النمو.

بعيدا عن الصراعات

تتمتع الصين بسياسة ذكية بعيدا عن الدخول في صراعات وحروب كما هو الحال مع دول عديدة وهي بذلك حافظت على مقدراتها الاقتصادية وثرواتها الطبيعية وأصبح الدور السياسي هو الملمح الأكثر وضوحا في مواقف الصين حتى خلافاتها السياسية مع اليابان أو الاقتصادية مع الولايات المتحدة يكون خيار الحوار هو الآلية التي تفضلها الصين.
لقد سجل الحضور الصيني قبولا واضحا في القارة الافريقية وآسيا وفي العالم العربي من خلال سياسات الانفتاح الاقتصادي والاستثمار وبناء شراكات واسعة وتبنيها لمشروع طريق الحرير أو الحزام والطريق مما جعل الصين تركز على الجانب الحضاري والاقتصادي وخلق مناخ للسلام بين الشعوب والامم ومن خلال مشروعها الحضاري الأخير فقد شكلت تكتلا في مجال التنمية الاقتصادية وتمويل البني الأساسية من خلال مبادرة الحزام والطريق والذي يستهدف نصف سكان الكرة الأرضية ودمج خمس الناتج الوطني الاجمالي العالمي من خلال تأسيس ارتباطات وشراكات تجارية استثمارية.
لقد كان للسياسة الخارجية الصينية والتي اعتمدت البعد عن الحروب والصراعات اثرها الايجابي في التركيز على الاقتصاد وربط العالم تنمويا مما جعلها تتبنى الحوار حتى مع وجود الخلافات السياسية، فالصين ومنذ انتهاء حربها مع اليابان عام 1945 لم تدخل حروبا مباشرة وان كانت المساعدات العسكرية قد تواصلت في عقدي الستينات والسبعينات أثناء الحروب في جنوب شرق آسيا خاصة في فيتنام وكوريا ومن هنا أصبحت الصين الآن العملاق الاقتصادي في آسيا والعالم محققة قفزات مذهلة ونموذج اقتصادي يستحق التامل والدراسة.