خبرة النمو الصيني: المسارات والإنجازات والتناقضات

صلاح أبو نار –

في الأول من أكتوبر احتفلت الصين بمرور سبعين عاما على إعلان قيام جمهورية الصين الشعبية. مسيرة ممتدة قطعها شعب عظيم يحمل تراثا حضاريا ممتدا وثريا، نجحت في تحويل كتلة اجتماعية تمثل الآن 19,52% من سكان العالم، من مجتمع يحمل مواريث التجزؤ الإقطاعي والحروب الأهلية والتدخلات الخارجية، واحتوى لحظة استقلاله على الملايين إلى مجتمع حديث نام ومزدهر بات يهدد باقتلاع الولايات المتحدة في ظرف عقد أو عقدين من الزمان، من عرشها بوصفه القوة الاقتصادية الأولى في العالم.

مر النمو الصيني بمرحلتين، امتدت الأولى فيما بين 1950 و1978، والثانية من 1978 حتى الآن. كانت الأولى مرحلة الاقتصاد المركزي المخطط المستوحى من التجربة الستالينية، ولم تتخل المرحلة الثانية عن المركزية والتخطيط، بل قلصت منهما، دون أن تصل بهما إلى درجة التهميش. وكانت المرحلة الأولى مرحلة مركزية وتعبئة سياسية يشوبها إفراط في المماثلة السياسية، وجاءت الثانية بتقليص للمركزية وتحديث لتقنياتها وهياكلها وتخل عن أساليب التعبئة والمماثلة السياسة، لكن دون أن تنال من صلب آليات التسلطية السياسية وتدفع بالتعددية ومعها مراكز سياسية بديلة.
كانت المرحلة الأولى مرحلة تراتبية اجتماعية جامدة، وتتحدد مكوناتها وفقا لعلاقات الآفراد والمجموعات بمؤسسات الحزب والدولة حصرا، وجاءت الثانية بتراتبية سائلة تتحدد مكوناتها عبر علاقات الآفراد والمجموعات بعدة عوامل أهمها: مؤسسات الدولة والحزب، والسوق الرأسمالي الداخلي الصاعد، والمؤسسات العلمية والثقافية كمصدر لتكوين النخب الوظيفية.
وكانت المرحلة الأولى مرحلة أحادية فكرية وعزلة ثقافية عن العالم، وجاءت الثانية بتعددية فكرية وانفتاح ثقافي دائم وغزير على العالم، ولكن دون أن تصل إلى حدود التعددية الفكرية السياسية النشطة والقابلة للتحول إلى مؤسسات حركة وتعبئة وتنشئة سياسية، بل تعددية نخبوية محصورة داخل الدوائر الفكرية ومعزولة عن المجال العام بفاعلية ومؤسساته.
وسوف نجد منظورين للنظر إلى المرحلة الأولى من زاوية النمو الاقتصادي. منظور أول يغلب عليه السلبية، يراها أساسا مرحلة محدودة الإنجازات، ومهدرة للفرص والموارد، وعوائدها المحدودة لا تتناسب إطلاقا مع ضخامة تكاليفها، وادعاءاتها أكبر كثيرا من إنجازاتها، ومعادية للمعرفة الواقعية والتخطيط البراجماتي و جماعات التكنوقراط والمتخصصين. ويركز هذا المنظور على سياسات كلية مثل: القفزة العظمى إلى الأمام 1958 – 1960، والتجميع الزراعي الإكراهي في الأرياف، والثورة الثقافية العظمي 1966 – 1976. ومنظور ثان لا يقلل من خطورة وآثار سياسات الهدر التي يشير إليها المنظور الأول، لكنه يرى أن مسار هذه المرحلة في كليته أسفر عن نتائج إيجابية لا يمكن تجاهلها. والأمر المؤكد كما يلاحظ أنصاره، أن هذه السياسات أهدرت موارد ضخمة وثمينة وكبلت طاقات نادرة كانت قادرة على العطاء، وأشاعت أوهاما أيديولوجية ومعها وعي غير نقدي بالواقع. إلا إنها لم تستمر طويلا وتم التراجع عنها تحت وطأة خسائرها. فالقفزة العظمى إلى الأمام مثلا لم تستمر أكثر من ثلاث سنوات، ثم انسحبت لتحل محلها سياسة أخرى واقعية هي التحديثات الأربعة التي اطلقها شواين لاي عام 1963. والثورة الثقافية التي يؤرخ مداها الزمني بعشر سنوات، لم تمارس سطوتها الكاملة في المجال الاقتصادي، إلا خلال سنواتها الثلاث الأولى، وبعدها عادت السياسات الرسمية إلى أرض الواقع. ويضيف انصار هذا المنظور أن الحساب الاقتصادي النهائي لتلك المرحلة، لا يقل نجاحا عن الحساب الاقتصادي للمرحلة الثانية التي تعيشها الصين الآن، ويدللون على ذلك بإحصائيات صينية رسمية تؤيدها الإحصائيات الدولية. وفقا لأرقام البنك الدولي المحسوبة على أساس أسعار 1980 الثابتة: وصل معدل النمو السنوي الصيني فيما بين 1970 و1978 إلى6,8%، أي ضعف معدل النمو الأمريكي وكان 3,2%. وتذكر دراسة متخصصة في مجلة مونثلي ريفيو المرموقة نشرت في ديسمبر 2018، انه وفقا لأرقام الرسمية للمكتب الوطني الصيني للإحصاء، محسوبة على أساس الأسعار الثابتة لعام 1852، كان متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني فيما بين 1952 و1978 هو 6,3%، اي رقم قريب جدا من تقدير صندوق النقد الدولي السابق. وارتفع المعدل فيما بين 1979 و2015 إلى 9,9 % سنويا. وفي دراسة أخرى أعدها كاتب نفس المقالة ونشرت في دورية أخرى، جاء أن نسبة نمو رأس المال فيما بين 1952 و1978 هي 9,7% وارتفع المعدل في الفترة 1979 – 2015 إلى 10.9%.
والحاصل أننا أمام معدلات نمو قريبة جدا من معدلات المرحلة الثانية والراهنة. وإذا كان الأمر كذلك: كيف نفسر التركيز الراهن للأضواء على المرحلة الراهنة؟ سؤال هام يتطلب إجابة مركبة، سنكتفي بتقديم لمحات منها. كانت صين المرحلة الأولى مجتمعا شديد الجهامة، مفرطا في التماثل الإكراهي للإفراد، ويتعالى على كل صور الفردية، ويخطب في الناس اكثر مما يخاطبهم، ويردد نصوصه أكثر مما يتحاور حول أفكاره، ويبدو في صورة جسد شديد الضخامة لكنه أشبه بحشد من النمل المتراص والمتشابه، ملتفا حول فرد واحد وعقل واحد. ومجتمع من هذا النمط فقد الآن تماما شرعية وجوده مع انكشاف تناقضاته، والأخطر انه لم يعد صالحا لعالم اليوم بكل ما تمنحه التكنولوجيا للأفراد من سبل للتحرر والتفرد والتواصل، وبكل ما يمنحه تحلل الايديولوجيات الكبري للجماعات من سبل لتشكيل الهويات الجماعية الجديدة. ولكن هناك سبب آخر أكثر أهمية، وهو النمو الصيني في المرحلة الأولى، انشغل بعده مهام داخلية أساسا: ترميم صدوع هذا البلد الهائل الناتجة عن عقود من الحروب الأهلية، وإرساء بنية تحتية قوية داخل اقتصاد قبل رأسمالي متخلف، والاتجاه لتلبية الاحتياجات الداخلية عبر سياسة إحلال الواردات. وفي ظل تلك المهام، وإذا أضفنا الحصار الذي كان مفروضا على الصين، لم يكن لدى الصين القدرة أو الفائض الذي يمكنها من تحقيق درجة من الحضور الاقتصادي الخارجي الفعال. وسنكتفي باختيار مستويين للتحليل من المسارات المتعددة لتطور المرحلة الثانية: الاقتصاد والدور الخارجي.
فيما بين 1979 و2018 وصل متوسط النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي إلى 9.5%، وهو ما يعني أن الصين كانت قادرة على مضاعفة حجمه كل ثماني سنوات. إلا أن أزمة 2008 المالية دفعت بالمعدل للتراجع، وبدأ الانخفاض في 2012 فوصل إلى 7,9%، ثم 6,8% في 2018، ومن المتوقع وصوله إلى 5,5% في 2024. وخلال الفترة من 1970 إلى 2018 تمكنت الصين من جذب 2 تريليون دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر غير المالي. وفيما بين 2001 و2018 زادت صادرات الصين بمعدل 13,6% سنويا، وهو أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 6,8%. بينما زادت وارداتها بمعدل 16,5% سنويا، وهو أعلى من المتوسط العالمي بنسبة 9,4%. وفيما بين 1978 و2018، تزايد إجمالي صادرات وواردات الصين من السلع بمعدل 223 ضعفا، ومن الخدمات بمعدل 147 ضعفا.
وخلال الفترة نفسها سعت الصين لممارسة دور سياسي خارجي خاص بها. وفقا للصياغة الصينية الرسمية لهذا الدور في ورقة 2019 البيضاء، يجد هذا الدور عوامل تشكيله الأساسية في ثلاثة مصادر. أولها: خبرة التاريخ والحضارة الصينية. بالتناقض مع الخبرة الغربية لم تسع الصين للتوسع الخارجي وبناء هيمنة امبراطورية، بل أسست دولتها على الداخل وبناء حضارة زراعية، عبر رؤية تعلي من مفاهيم التجانس والوحدة والتعاون، بين الانسان والطبيعة، وبين مختلف الأمم، وبين قوى البناء الاجتماعي، وبين الأقوياء والضعفاء. وثانيها خبرة النمو الاقتصادي الصيني الحديث. خلال سنوات هذه الخبرة أدركت الصين الدور المحوري الذي لعبته البيئة الخارجية السلمية والمتجانسة في تعزيز فرص نموها الاقتصادي، وبالتالي تجاهد من أجل العمل على توطيد وتوسيع تلك البيئة السلمية. وثالثها خبرة النظام الاقتصادي العالمي. تفيد هذه الخبرة أن النظام الراهن يعمل علي توطيد ثلاثة مبادئ: الترابط والتفاعل بين الدول كوحدة واحدة، والمنفعة المتبادلة، والمستقبل المشترك. وترى الصين أن العمل على توطيد هذه المبادئ، يعمل لصالح ازدهار جميع الدول وتقليل مساحات خلافاتها. والامر هنا ليس مجرد إعلان لمبادئ، فالواقع أن الصين ربطت هذا الإعلان بالكثير من الممارسات العالمية. فهي تدعم بقوة مؤسسات التنظيم الدولي، حيث تحتل الترتيب الثالث في الدول المانحة للأمم المتحدة، والثاني في الدول المانحة لقوات حفظ السلام. وهي تلعب دورا بارزا في توطيد آليات حل المنازعات التجارية الدولي حول التجارة والاستثمار داخل منظمة التجارة الدولية. وهي قد غيرت موقفها جوهريا من التحكيم الدولي في الاستثمار، فبعد أن كانت تتعامل معه بشك أضحت تتقبل النص عليه في إطار معاهداتها التجارية. وهي قد شاركت بقوة في المفاوضات الجارية داخل الأمم المتحدة، حول إصلاح القواعد القانونية المنظمة لتسوية المنازعات بين الدول والمستثمرين. وللصين موقف ممتاز من قضية المناخ ومعاهدة باريس، وتمارس أقصى التزام بتطبيق أحكامه، وتشارك بقوة في تطوير مجالات القانون الدولي النامية مثل عمليات التحكيم في منازعات البحار والأمن الدولي للمعلومات.
ولكن السعي الصيني لدور دولي فعال ومتميز يصطدم بتناقضاته الداخلية. فالصين كنمط تسلطي للحكم السياسي، لا ترسل إلى العالم غير الغربي رسالة سياسية ملهمة للتغيير. والصين الساعية لدعم الامم المتحدة ومؤسساتها، تتخذ موقفا متحفظا من المنظومة الدولية لحقوق الإنسان وقواعد الشفافية والمحاسبة. وهي تقدم الدعم للدول الأخرى في سياق مبادرة الحزام والطريق، ولكن تدريجيا تتصاعد الانتقادات لتأثيره على السيادة والدوام المالي وفخ الديون. وهي تسعى لصياغه هياكلها للحوكمة الدولية، مثل المحكمة التجارية الدولية الصينية، ولكن هذه المحاولات حتى الآن قاصرة وينظر اليها دوليا بعين الشك.