تقدم علمي وتحولات اجتماعية لتحقيق الرفاهية

هناء دكروري –

«العلم مفتاح المستقبل… والاستثمار في العلم والتكنولوجيا أثبت أنه المحرك الموثوق لتحقيق النمو الاقتصادي والرفاهية للشعوب» هكذا وصف خبراء أمريكيون أهمية التركيز على النهضة العلمية.. وطبقته الصين،على الطرف الآخر من العالم، لتصبح التجسيد الحي لتلك المقولة.

وخلال السبعين عاما الماضية حرصت الصين على تحقيق نقلة نوعية على كل الأصعدة للتخلص من وصف «رجل آسيا الفقير» الذي طالما ألصقه الغرب بها على مدى عقود. وللنجاح في تحقيق ذلك كان لا بد من الاعتماد على تشجيع العلماء وإحراز التقدم العلمي.
لم تكن رحلة التقدم سهلة أو ممهدة ولكن بفضل الإرادة الجادة والإصرار والتخطيط نجحت الصين خلال السنوات الماضية أن تصبح «أرضا واعدة» تقدم للعلماء الصينيين الفرصة للإبداع والابتكار وخلق تأثير عالمي من داخل أراضيها دون الحاجة للذهاب للخارج لتحقيق أحلامهم.
فقد صاحب الطفرة الاقتصادية في الصين تأكيد على قدراتها العلمية الفائقة. فعلى سبيل المثال في عام 2016 تفوقت الصين على الولايات المتحدة لأول مرة فيما يتعلق بعدد المنشورات العلمية حيث أصدرت 426 ألف ورقة علمية مقابل 409 آلاف للولايات المتحدة، وذلك وفقا لتقرير مؤسسة العلوم الوطنية الأمريكية. وبالطبع ذهب المشككون للقول إن العبرة في الجودة وليس الكم، ولكن محاولة التمسك بالفكرة المتعالية البالية بأن الصين يمكنها فقط التقليد وليس الابتكار هي مجرد محاولة لدفن الرأس في الرمال. فالصين الآن أصبحت تحدد وتيرة التقدم في عدد من المجالات العلمية ليتبعها الآخرون. وتشير صحيفة «الجارديان» البريطانية في تقرير لها إلى أن الموارد المتاحة لكبار العلماء في الصين قد تكون محط حسد من قبل نظرائهم في عدد من الدول الغربية. وفي حين كان يقبل أفضل العلماء الصينيين في الماضي على استكمال دراستهم وأبحاثهم في الخارج، يفضل الباحثون الصينييون في مرحلة ما بعد الحصول على الدكتوراة اكتساب الخبرات بأكبر المختبرات بالخارج ثم العودة إلى الصين حيث تساعدهم الحكومة على إنشاء مختبر يتفوق على الموجود في الغرب.
ولتشجيع العلماء، أطلقت بكين «خطة الألف موهبة» التي تمنح العلماء تحت سن الخامسة والخمسين مناصب بدوام كامل في أهم الجامعات والمعاهد مما يتيح لهم رواتب أعلى وإمكانيات وموارد علمية أكبر.
وتشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الصين تسعى لتحقيق الهيمنة العلمية بعزم ممنهج، فقد ارتفع حجم الإنفاق السنوي على الأبحاث والتنمية في الصين في الفترة ما بين 1995 إلى 2013 أكثر من ثلاثين مرة لتسجل رقما قياسيا في عام 2018 ويصل إلى 278 مليار دولار مقابل 234 مليار دولار في 2016.
ويقول مو مينج بو، الأستاذ بمعهد العلوم العصبية التابع لأكاديمية العلوم الصينية في شنغهاى، «الهدف الأساسي هو تطوير بيئة بحثية محلية مبتكرة، فقد بدأت الحكومة تدرك أن الاستثمارات الكبيرة وتوظيف المواهب من الخارج ليس كافيا، وانما تحتاج الصين لبناء بنية تحتية وآليات تعمل على تيسير الإبداع والابتكار داخل الصين».. وأضاف بو أن ذلك لن يكون سهلا ولن يحدث سريعا.
وفى إطار الخطة لتشجيع العلماء على البحث والابتكار تستخدم بعض المؤسسات الصينية وسيلة أخرى وهي تقديم «الحوافز النقدية» لحث الباحثين على نشر أوراق علمية رفيعة المستوى. وكشفت دراسة أن الباحث الصيني قد يحصل على مكافأة مالية تقدر في المتوسط بحوالي 44 ألف دولار مقابل نشر بحث في مجلتي «ناتشر» أو «ساينس»، أما أعلى قيمة فوصلت إلى 156 ألف دولار للبحث الواحد أي ما يفوق إجمالي الراتب السنوي للأستاذ الجامعي بنحو 20 مرة.
ويوضح عدد من المحللين أن الصين أصبحت رائدة في مجالي علوم الخلايا الجذعية والطب التجديدي وأبحاث الاستنساخ والتعديل الوراثي، كما تحظى مشروعات تسلسل الجينوم باستثمارات ضخمة.
وبينما يعزو البعض الريادة في تلك المجالات إلى أن الضوابط التنظيمية للأبحاث العلمية في الصين أكثر «تساهلا» عنها في الدول الغربية، يرى آخرون أن إجراء التجارب على الخنازير والقرود أسهل وأرخص في الصين عما هو الوضع عليه في أوروبا والولايات المتحدة، ولا يتعلق الأمر بالضرورة بأخلاقيات البحوث الحيوانية. ويوضح روبين بادج، الأستاذ بمعهد فرانسيس كريك في لندن، أن «أفضل العلماء يسعون وراء قبول أبحاثهم في الغرب، ولذا تم تدريبهم على أيدي علماء غربيين كما أن المنشآت العلمية التي يعملون بها صممت وفقا للنموذج الغربي، وبالتالي من الخطأ القول انه لا توجد قيود أو ضوابط. نعم قد لا تكون هناك قوانين صارمة أو حتى لوائح ولكن هناك إرشادات صارمة اذا لم يتم الالتزام بها فستكون العواقب وخيمة».
ومن المجالات الأخرى التي حققت فيها الصين قفزة نوعية هي الانترنت وتكنولوجيا المعلومات. فقد بدأت الحكومة الصينية تركيب شبكة من الألياف الضوئية للاتصالات السلكية ممتدة من شنغهاي إلى بكين. كما أطلقت مشروعا دوليا في عام 2016 يطلق عليه «تجارب الكم على مستوى الفضاء» وأطلقت قمرا صناعيا مصمما للتعامل مع بيانات الكم. وخلال العام الحالي نجحت بكين في اطلاق مسبار صيني في رحلة غير مسبوقة للهبوط على الجانب المظلم من القمر، وتعد الرحلة جزءا من حملة تهدف إلى إتمام «مهمة القمر المأهول» بحلول2030. ويؤكد خبراء بمجال الفضاء لصحيفة «الأوبزرفر» البريطانية أن الصين تعتبر حاليا منافسا جادا للولايات المتحدة وأوروبا وروسيا في مجال علوم الفضاء وأنها أظهرت حماسا ازاء التعاون مع أوروبا. كما تجدر الإشارة هنا إلى أن الصين أطلقت محطتين فضائيتين نموذجيتين غير مأهولتين في إطار برنامج تيانجونج مما يعتبر تمهيدا لإطلاق تيانجونج 3 فى 2020 والتي ستضم طاقما مكونا من ثلاثة من بينهم رواد فضاء من دول أعضاء أخرى بالأمم المتحدة. كما بحثت الصين مع وكالة الفضاء الأوروبية مشروعا لبناء قاعدة على القمر.
صاحب القفزات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية التي حققتها الصين خلال العقود الماضية تغييرات مجتمعية حيث تتطورت أنماط حياة الصينيين مع ارتفاع مستوى المعيشة وزيادة رقعة المناطق الحضرية بوتيرة سريعة. ومن التحولات الرئيسية هي تلك التي تتعلق بخيارات حياتهم المهنية. يفضل الكثيرون حاليا العمل في مجالات تكنولوجيا المعلومات والترفيه والخدمات الصناعية والتجارة الالكترونية. وبوجه عام تعودت الأجيال الشابة في الصين، على عكس الأجيال السابقة، على تولي وظائف مؤقتة، وبنصف الوقت، والتنقل من وظيفة إلى أخرى حيث يميلون نحو التركيز أكثر على الاستقلال والنمو والإثارة بدلا من الاستقرار والأمان. كما يفضل كثير منهم بدء مشروعهم الخاص. وللأسف عادة ما يصاحب ذلك الحرص على المرونة والخيارات الفردية شعور متزايد بالضغوط وعدم الاستقرار، وبالتالي العزوف عن الزواج.
ووفقا للبيانات الصادرة عن وزارة الشؤون المدنية الصينية فقد انخفضت معدلات الزواج في الصين بصورة كبيرة ليتم تسجيل 10 ملايين و139 ألف زيجة خلال العام الماضي، وهي أدنى نسبة تسجل منذ عام 2008. ويشير التقرير القومي للسكان إلى أن هناك 200 مليون بالغ غير متزوج في الصين. ومع أن سياسة الطفل الواحد قد انتهت رسميا في الصين نجد كثيرين يترددون في إنجاب الطفل الثاني أو أي طفل على الإطلاق مما تسبب في انخفاض كبير في نسبة المواليد أيضا. وبجانب التحول في نظرة المجتمع للزواج والإنجاب هناك أيضا تغيير واضح في مسألة امتلاك منزل حيث يفضل الشباب الآن اللجوء لاستئجار مكان للإقامة بدلا من شراء منزل. وفي الوقت نفسه تغيرت أنماط الاستهلاك حيث ينفق الصينيون معظم دخولهم على منتجات وأنشطة تواكب زيادة متطلباتهم لتحقيق المتعة المادية والمعنوية. لقد أصبح الشباب الصيني أكثر انفتاحا على الاحتمالات المختلفة في الحياة، والتحولات في أسلوب حياة المواطن الصيني ما هي إلا نتيجة طبيعية ومتوقعة للنمو الاقتصادي والتقدم العلمي والتكنولوجي.