الصيـن أمة تغيـر وجـه الـعـالـم

إميل أمين –

في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الجاري احتفلت الصين بالذكرى السبعين لتحولها من دولة معزولة إلى واحدة من أهم القوى الاقتصادية العالمية، بل لا نغالي إن قلنا إنها القطب الدولي القادم لا محالة، في مواجهة ثنائية قطبية أمريكية روسية مؤكدة. والشاهد انه في هذه المناسبة تطفو على السطح العديد من الأسئلة عن واقع حال ومآل الصين، وكيف تحولت من دولة من دولة تحت خط الفقر من غير أي حضور تجاري او علاقات سياسية خارجية، إلى صين قوية فتية قادرة على تدبير كافة أمورها والاهتمام بشعبها الذي يتجاوز اليوم المليار والثلاثمائة مليون نسمة، والانتقال بهذه الجحافل البشرية من دولة العوز إلى كيان يعرف تمام المعرفة فكر الاكتفاء الذاتي.

من أين يمكن للمرء بداية الحديث عن الصين، من الماضي إلى الحاضر أم العكس؟
مهما يكن من شأن الجواب فإن الكلمة التي ألقاها الرئيس الصيني «شي جين بينج»، من بوابة «تيان انمين»،وهي المكان نفسه الذي أعلن منه «ماوتسي تونج» في الاول من اكتوبر عام 1949 قيام الجمهورية الشيوعية، يمكن أن تقودنا إلى الفكر الذي جعل من الصين دولة من أهم دول قيادة عالمنا المعاصر.
يذهب «بينج» إلى أن الصين بالأمس كانت مسجلة في تاريخ البشرية بينما الصين اليوم يتم إنشاؤها بأيدي مئات الملايين من الشعب الصيني… وانه سيكون للصين بالتأكيد مستقبل أكثر إشراقا».
قبل مائتي عام تقريبا تحدث الإمبراطور الفرنسي «نابليون بونابرت» بالقول إن الجيوش تمشي على بطونها، في إشارة لا تخطئها العين لأهمية الأوضاع الاقتصادية بالنسبة للعسكريات التي تريد فرض سيطرتها على جيرانها من القوى الاممية الاخرى.
غير ان ماوتسي تونج في واقع الأمر أكد للمعاصرين في القرن العشرين انه ليس الجيوش فقط، بل الشعوب أيضا،لا بد لها من حضور اقتصادي عالمي حتى تمضي إلى القمة، من خلال الداخل اولا، والخارج لاحقا.
في تقرير أخير لهيئة الاذاعة البريطانية الشهيرة يذكر «كريس ليونج» الخبير الاقتصادي في بنك سنغافورة للتنمية، انه عندما تسلم الحزب الشيوعي مقاليد الحكم في الصين، كانت البلاد فقيرة جدا، ولم يكن لديها أي شركاء تجاريين ولا علاقات دبلوماسية واسعة، ولكن في السنوات الأربعين الماضية، اعتمدت الصين سلسلة من الإصلاحات الاقتصادية كان من شانها فتح الطرق التجارية والسماح بالاستثمارات وهي خطوات ادت في نهاية المطاف الى اخراج الملايين من دائرة الفقر.
على أن أهم في التجرية الصينية أنها لا تيأس ولا تستسلم، فرغم التقدم الظاهر للعيان الآن، فقد تعرضت في خمسينيات القرن العشرين إلى واحدة من أكبر الكوارث البشرية، التي كادت ان تكلفها نجاح تجربتها الاممية الرائدة، وقد تجسدت تلك الكارثة في «القفزة الكبرى إلى الإمام». كانت تلك القفزة الاستراتيجية المهمة محاولة من جانب الزعيم «ماوتسي تونج» لتصنيع الاقتصاد الصيني الذي يعتمد على الزراعة، ولكن المشروع فشل وأدى إلى موت عشرات الملايين في الفترة المحصورة بين عامي 1959 و 1961، في ما تعتبر واحدة من أسوأ المجاعات الإنسانية عبر التاريخ المعاصر.
كيف استطاعت الصين الوقوف على قدميها من جديد، لتضحى هذا القطب القادم سريعا في آفاق العالمية المؤكدة؟
يمكن ان نرجع نهضة الصين إلى الاصلاحات التي قادها الزعيم «دينج شياويينج» في منتصف سبعينيات القرن الماضي، التي اعتبرت اشتراكية بطعم رأسمالي إن جاز التعبير.
والثابت أن عملية الإصلاح والانفتاح التي نفذتها الصين وتنفذها الصين منذ خمسة وثلاثين عاما، قد دخلت مرحلة جديدة باعتبار هذه الدورة علامة لها؛ لذا فإن تعميق الإصلاح على نحو شامل في الصين وفر قوة دفع جبارة لبناء تحديثات الاشتراكية الصينية، وسيجلب ايضا فرصا تنموية جديدة للعالم.
أدت نهضة الصين إلى تحقيق كثير من الفوائد المادية لكل من الصين والعالم بوجه عام، حيث أصبحت الدولة محرك النمو الاقتصادي في العالم، وانطلاقا من وجهة النظر تلك، يعد نجاح الصين والنموذج الذي يدعم نجاحها أمرين عظيمين ولا يقدران بثمن. بفضل اجتهادهم وتضحيتهم وحكمتهم، أحدث الصينيون معجزة وكانوا روادا بنموذج التنمية الخاصة بهم، مما أدى إلى إعداد الصين للتعامل مع تحديات اخرى في السنوات المقبلة وفتح آفاق واسعة لمستقبل الصين.
ما الذي فعله الزعيم دنج وغير وجه الصين على هذا النحو؟
يمكن القول انه نظر بعين فاحصة إلى كرامة الانسان، وإلى فكرة حق الانسان في الامتلاك، وهو مبدأ أقرته جميع الأديان والشرائع الإلهية والوضعية على حد سواء، فقد مُنح المزارعون حق استغلال أراضيهم الخاصة مما ساعد في تحسين مستويات معيشتهم والتقليل من ظاهرة شح الموارد الغذائية.
في تلك الفترة من سبعينيات القرن الماضي فتحت الأبواب للاستثمارات الأجنبية بعد أن أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية عام 1979، وتدفقت الأموال على الصين بحسب رواية «فرجينيا هاريسون» من الـ « بي بي سي»، وقد كان المستثمرون يتوقون من قبل إلى الاستفادة من الأيدي العاملة الرخيصة والإيجارات المنخفضة في الصين.
أحد الاسئلة الجوهرية التي تؤكد لنا أن الصين تمضي في طريقها الأممي عبر حكمة عميقة لمفكرها وفيلسوفها الاشهر « كونفوشيوس»: كيف تعاطت الصين مع بقية العالم ومع الغرب بنوع خاص خلال خمسة عقود من النهضة المحققة بقوة على الأرض؟ الشاهد أن الإمبراطورية الصينية لم تخرج يوما من حدودها، ولا حتى حاولت احتلال شبه الجزيرة الكورية في ما مضي، مع سهولة تنفيذ مشروع كهذا على المستوى العسكري نظرا إلى كوابح التفكير الكونفوشي، الذي يسعي الفرد في إطاره إلى التكامل مع الجماعة والجماعة مع أهل البلاد.
يؤمن الصينيون انه عندما تخسر الحرب ابحث لجيشك عن ساحة بديلة لخوض حربك التالية فالهزيمة العسكرية أيا كان حجمها، لا تعني هزيمة الأمة أو الشعب، ذلك أن بقاء الأمة أو الشعب هو الجوهر الاجتماعي الحقيقي للكل أمة أو شعب، لإبقاء المؤسسة السياسية أو العسكرية أو حتى الدينية.
لذلك عندما تقع الهزيمة يقوم لاعب الشطرنج الآسيوي بمراجعة مؤلمة لها ولحيثياتها، حيث إن خطة ما بعد الهزيمة تنطلق على الدوام من عملية نقد ذاتي على غير مستوى.
لا تهدف لعبة الشطرنج الآسيوية إلى مخاصمة الغرب بالضرورة بل إلى مصادقته، لم يعد هدف المتخاصم رغما عنه ـ الآسيوي ـ التغلب على الغرب بالمعنى العصباني للكلمة أي بمعنى تسديد الغلب عليه ومحوه من الرئاسة، بل أضحى الهدف وضعه عند حده الموضوعي، واحترامه لحدوده.
ويبقى السؤال الخاص بالمستقبل الدولي الذين ينتظر الصين والتي يعني اسمها الملكوت المركزي… ماذا عن المستقبل الذي ينتظر هذا البلد الامبراطوري، وكيف يخطط أصحابه لخطوات اقدامهم ؟ قبل ان ينظر الصينيون إلى الخارج، يهتمون اهتمام مطلق بشعبهم في الداخل وهذا هو سر النجاح الحقيقي، وهو ما يشير اليه « مارسيلو كايتانو »، الامين العام للرابطة الدولية للتامين الاجتماعي، والذي اعتبر خطاب الرئيس الصيني مؤخرا يلخص بإيجاز « التقدم الاجتماعي والاقتصادي الهائل »، الذي حققته جمهورية الصين الشعبية على مدار السبعين عاما الماضية.
ففيما يتعلق بالحماية الاجتماعية، تعد الصين مثالا ممتازا في توسيع نطاق تغطية التامين الاجتماعي وتحسين إدارته، ولديها الكثير لتقاسمه مع بقية العالم.
مرة اخرى تتبدى ملامح كونفوشيوس في خطاب « بينج»، ذلك انه ينظر إلى المنفعة العامة دون إقصاء احد، يمكنه أن يحرك المتناقضات من الشمال إلى اليمين والعكس، لكن من غير أن يفقد ذلك الصينيين الروح الجماعية في الداخل بينهم وبين انفسهم، او في الخارج مع العالم من حوله.
أحد الذين تحدثوا الأيام القليلة الماضية لوكالة شينخوا الصينية « روبرت كون»، الخبير الأمريكي البارز في الشؤون الصينية، والذي ذهب الى ان رؤية الصين اليوم متكاملة وشاملة بالنسبة للصينيين، وتسعى في تقديم الفائدة للعالم، ونصب اعينها « تحسين مستويات معيشة جميع مواطنيها، ثم مشاركة هذا التطور مع العالم باشكال مختلفة».
اما فابيو ماسيمو بارنتي، الباحث الايطالي في الدراسات الدولية بمعهد « لورينزو دي ميديتشي الدولي، فيرى أن» دور الصين قد ازداد في العالم، وقد قدمت جمهورية الصين الشعبية مساهمة مهمة في الحوكمة العالمية وإصلاحاتها اللازمة.
والشاهد انه يوما تلو الآخر يترسخ الدور الصيني حول العالم وتترسخ حظوظ الصين في شراكة القرار الدولي، ولا نغالي إن قلنا ان بكين اضحت رقما صعبا وسط ارقام العالم المختلفة والمتباينة، وما مبادرة « الحزام والطريق» التي اقترحتها الصين، إلا ضرب من ضروب دورها الاممي الجديد.
على انه لا يمكن ان نغفل ان الصين وهي تتقدم على بقية المستويات، تأخذ في عين الاعتبار أن العالم لا يحترم الضعفاء، وهي تسترجع ما قاله رئيس وزراء بريطانيا العتيد « ونستون تشيرشل» ذات مرة من انك لا تستطيع أن تفاوض إلى مدى أبعد مما تصل اليه نيران مدافعك.
في هذا الصدد يفهم القاصي والداني معاني ودلالات ما ورد بكلمة الرئيس « بينج» التي أشار فيها إلى انه « في العيد الوطني الصيني لا توجد قوة يمكنها تقويض مكانة الصين او منع الشعب الصيني او الأمة الصينية من المضي قدما ».
هل يقصد بذلك « بينج» المواجهة مع الولايات المتحدة الامريكية على الصعيد العسكري ؟ يمكن أن يكون ذلك كذلك بالفعل، الذين قدر لهم مشاهدة العرض العسكري على صعيد الاحتفالات يدرك أن الصين لا تهمل أبدا طرح القوة المسلحة المساندة للتقدم الاقتصادي، فقد بدا واضحا ان الصين وصلت الى درجة من التطور التكنولوجي، تتيح للجيش الصيني بلوغ مستويات جيوش روسيا والولايات المتحدة.
فقد عرضت الصين منتجات مجمعها الصناعي العسكري الجديدة من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى وعابرة القارات، ما يعني أن الدولة قادرة على حماية حدودها ومصالحها الاستراتيجية برا وبحرا وجوا، في كل مكان وزمان.
الصين معادلة قطبية قادمة لا محالة لتغيير وجه العالم.