جرة قلم: «نزوى».. بعد مائة ربيع وربيع

محمود الرحبي –

أطفأت، مؤخرا، مجلة نزوى الثقافية، شمعة صدور عددها المائة، فهنيئا وصولها الآمن إلى الثلث الأول من الألفية الثالثة، بعد أن دشّنت وجودها في الثلث الأخير من الألفية الثانية. ونرجو الآن أن تتحول كل ملفاتها إلى مجلّدات تكون في متناول الباحث والمهتمّ.
ذكرى كثيرة يمكن استحضارها مع الخطوات الأولى لإنشاء المجلة، فقد كنا -أخي الدكتور أحمد الرحبي وأنا- برفقة الشاعر سيف الرحبي «عمو سيف» نقصد شاطئ «الحيل» كل يوم، حيث لم يظهر بعدُ مشروع الموج والفلل.. فقط، كانت هناك حديقة جميلة جدا من تصميم ياباني، يؤمّها الناس وتسكنها طيور وسط أعشاب متفرّقة في هدوء ووحشية أنيقة وسط شجيرات تعشّش فوق أغصانها الغربان، تلتصق بأرض «السيب» وتتماهى مع طبيعتها البحرية. وكان يلوح من بعيد بيت الصديق مبارك العامري، وأمامه سدرة ضخمة معرّشة. ورغم أن السدرة لا تزال موجودة حتى الآن فإنها صارت محاطة ببيوت كثيرة و«اختفى» بيت مبارك العامري، الذي كان قبالة وجه البحر مباشرة وبلا سياج. في ذلك الفضاء كنا نتداول في اقتراحات لتسمية المجلة، بينها «الطليعة» وأسماء أخرى. نتنقل في سيارة «مازدا» رصاصية ونسكن – ثلاثتنا- في الغرفة التي خصّصها المرحوم والدي في «الحيل»، وكان مرحَّبا بكل من يريد أن يدخل ويمكث من الأصدقاء. وكان سيف الرحبي عائدا لتوه من هولندا. وكنا نأخذه إلى مقر صحيفة «عمان»، التي كانت في «روي». وحين اكتمل مشروع المجلة ومبناها، جاء المصمم، وهو الفنان المعروف ضياء العزاوي، وعقد اجتماعا حضره مجموعة من الكتاب العمانيين كان منهم -حسب ما أذكر- هلال العامري.
مجلة «نزوى»، التي صدر مؤخرا عددها المائة، ظهرت بعدما أفل نجم مجلات ثقافية عريقة في الوطن العربي، منها «الناقد» و«مواقف» و«الكرمل»، ولكنها انطلاقا من ذلك النهج الرصين الذي سنّته تلك المجلات استطاعت، بدورها، أن تكون رصينة وتحظى باحترام خاص أهّلها لأن تكون قِبلة للأقلام الأدبية في الوطن العربي أساسا. كما فتحت هامشا للفكر والسينما والفلسفة والتاريخ.. لتكون مجلة متنوعة بثراء أقلامها وكتّابها واختلاف مشاربهم ومنطلقاتهم وخلفياتهم وأدوات اشتغالهم. وبمرور الوقت، صارت «نزوى» أحد المراجع المهمّة ليس لطلاب كليات الآداب فقط، بل أيضا لطلاب العلوم الإنسانية وللباحثين في الفنون والموسيقى والسينما. كما استطاعت المجلة أن تبرز ما تزخر به سلطنة عمان من فنون تشكيلية ممتازة، إذ كان كل عدد يقدّم كما وافرا من اللوحات التشكيلية العمانية، وكان ذلك أمرا ملفتا في المجلة. وقد أخبرني أكثر من صديق فنان بأنهم يتابعون اللوحات التشكيلية العمانية في المجلة لأنها متميزة في هذا الجانب وتعكس فهما تشكيليا لدى الشباب ينمو باطّراد واحتراف. وقد كان لجانب الدراسات والتراث، أيضا، دور في المجلة، إذ لم يكد عدد من أعدادها منذ أن ظهرت يخلو من دراسة موسعة، سواء في التاريخ العماني أو في الشأن الاجتماعي. وهي، بتنويعها ومزجها تضع كنوز عمان اللامادية أمام أعين القرّاء العرب، لأن عمان ليست نفطا فحسب -وربما هي أقلّ دول النفط أهمية لأنها لا تصدّر إلا مليون برميل- ولكنها بالأساس تراث ومعرفة وثقافة وتنوع إثنوغرافيّ ضاربُ في القِدم، إلى جانب محكيات لا ينضب معينها وتعدّ نبعا صافيا يمتح منه كل مبدع وباحث، ناهيك عن كنوزها الجغرافية والأركيولوجية، من جبال وأودية وهضاب وشواطئ ساحرة ورمال ناعمة.
أسهم في الكتابة في احتفاء المجلة بعددها المائة مجموعة من المبدعين والباحثين العرب الذين سايروا المجلة منذ تأسيسها، وكان من أبرزهم الناقد الأدبي المعروف سعيد يقطين، الذي كنت أحضر له إسهاماته في الأعداد الأولى من المغرب بالطريقة التقليدية المتبعة حينئذ والشبيهة بطريقة «المرسال»، وهو الشخص الذي ينقل الرسائل من بلد إلى آخر. وقد فعلتُ هذا مع أكثر من صديق مغربي، أصبح لمعظمهم الآن شأن كبير في البحث والأدب والصّحافة، أذكر منهم، على سبيل المثال، رشيد نيني، الذي بعث معي أكثر من مرة، نصوصا لنشرها في المجلة.
أخيرا يجب القول، ما كان للمجلة أن يكون لها كل هذا الثراء والغزارة والتنوع في المادة لولا العلاقات الجيدة لرئيس تحريرها، الشاعر المعروف سيف الرحبي، بمختلف الأوساط الأدبية والفنية والأكاديمية في بلدان العالم العربي كافة.