نصنع هويتنا.. أم نستمدها من الواقع؟

أحمد بن سالم الفلاحي –

هل الهوية شديدة الوضوح، حتى لا تخلق إشكالية موضوعية في مسألة التعريف بها، أو وضعها موضع التنفيذ؟
على ماذا يرتهن في تحقق الهوية، هل في الحصول على البطاقة المدنية؛ أو جواز السفر؛ أو قبلهما شهادة الميلاد؟
لماذا يحصرها البعض في مسميات الشعارات الفضفاضة الآنية، ولا يعيدها إلى جذورها الحقيقية؟
عندما يتم الحديث عن الهوية، لما لا يربط ذلك بقدرة الفرد على مدى صدقه، وأمانته، وشفافيته، في مشروعات العمل العام؟
هناك من يختلف، وهناك من يتفق على أن الهوية صناعة محلية بامتياز، حيث تؤسس منذ نعومة الأظفار للأجيال حتى لا تخرج إلى الوجود أجيال ممسوخة الهوية،
أليس كذلك؟ بين مشروع الهوية، ومشروع الوطن، ثمة علاقة قائمة، فإلى أي حد هذه الصورة واقعية؟
وإذا كان الأمر كذلك فما هي مبررات الذين يتاجرون بهوياتهم، لتحقيق أغراضهم الخاصة؟
أسئلة تفرض نفسها عند الحديث عن هذا الموضوع الحساس، والذي يأخذ جانبا مهما من حياة كل فرد؛ كما يفترض، خاصة عندنا كمجتمعات تقليدية تمثل عندهم هذه الثنائيات منطلقات مهمة للحفاظ على كينوناتهم الاجتماعية من التصدع، وللشعور بالرضا بأنهم في مجتمعات لا تزال تحافظ على هوياتها، وللخوف من التغريب في وسط مجتمع عالمي، لا تحده حدود الجغرافيا، ولا تجمعه مفاهيم الوطن، ولا تميزه تعريفات الأعراق والأنساب، ولا تقيده قيم الدين، والقيم الإنسانية، حيث يعيش الجميع حالة هلامية، كلما أمسكت بها من طرف، فلت الطرف الآخر، وتماهى في هذا المحيط اللا نهائي.
ثمة إشكــــــــالية غير بســـــــــيطة تواجه التعريف بمفهوم الهوية، وليس بالهوية فقط، ولذلك تأتي التفرعات لتضفي على المفهوم شيئا من التعقيد، ومن ذلك هناك من يرى أن الهوية هي الوعي بالذات فقط، وكأن هنا إشارة على أن الهوية فطرية، وبالتالي؛ وفق هذا السياق، فالفرد يحمل هويته أينما كان، وليس شرطا أن ينتمي إلى محدد جغرافي معين، فإذا أنا كنت اليوم في عمان فهويتي عمانية، وإذا كنت في بلد ما، من بلدان العالم، فهويتي هي البلد الذي أكون فيه، وأتصور، وفق هذه الرؤية، أن في ذلك تمييعا لمعنى الهوية، وعدم إعطائها حقها الموضوعي ضمن المفاهيم التي تتجذر في التعريف بها، وفي المعنى الذي تحمله، وهناك من يرى أن الهوية هي الوعي بالانتماء المجتمعي فقط، وهذه ليست أمرا يسيرا أيضا، فعندما أكون في مجتمع المدينة وأنا من الريف أحتاج إلى كثير من الزمن حتى أتأقلم لتكون لدي هوية «مدينية» والعكس تماما أيضا، ولذلك نرى أن إنسان القرية ليس يسيرا أن يتأقلم مع واقع المدينة بالسرعة المتوقعة، وكذلك إنسان المدينة ليس يسيرا أن يتأقلم مع واقع القرية بالصورة المتوقعة، وثالث يرى الهوية هي الوعي بالانتماء الوطني فقط، وبالتالي هو يحاول أن يتحرر من مختلف التجاذبات الأخرى الـ «قصيرة المدى» إن جازت التسمية، ومع قرارة نفسه يقتنع أن انتماءه للوطن الكبير يعفيه عن الالتزام بالمقومات الأخرى المعززة؛ أساسا؛ للمقوّم الأكبر وهو الوطن، فلا يلتفت؛ مثلا؛ إلى اللغة، أو إلى اللباس، أو إلى بعض الممارسات التقليدية لقيم الوطن الكبير، وهكذا تنسحب الصورة على مختلف الممارسات، وبالتالي؛ كما يبدو؛ من هذه الصور الثلاث، أن الهوية لا تزال تعيش مأزق عدم الاتفاق على تعريفها التعريف الشامل الذي لا يترك أية فرصة للخروج عنه.
ومن جميل ما قرأت في هذا الجانب القصة التالية، والتي تم تداولها عبر وسيلة (الواتس أب) خلال الأسبوع الماضي، وفق النص التالي؛ كما وصلني؛ وأرويها هنا بتصرف: «في سنة 1973، زار الرئيس الزائيري وقتذاك الجنرال موبوتو سي سي سيكو موريتانيا لمدة ثلاثة أيام وكانت موريتانيا من أفقر بلدان القارة الأفريقية، وأثناء المباحثات في الأيام الثلاثة لاحظ الرئيس الزائيري أن مضيفه الرئيس الموريتاني المختار ولد داداه، لم يغير بدلته طيلة الأيام الثلاثة، فأدرك موبوتو أن مضيفه لا يملك المال الكافي لشراء البدلات الأنيقة، و الباهظة الثمن، وعند اختتام زيارته، وفي صالة المغادرة في مطار نواكشوط، سلم الرئيس الزائيري موبوتو شيكا بمبلغ (5) ملايين دولار لسكرتير الرئيس، لكي لا يحرج مضيفه، ومع الشيك ورقة فيها عناوين أشهر مصممي ودور الأزياء في العاصمة الفرنسية والتي يحيك موبوتو بدلاته عندهم.
وبعد مغادرة الرئيس الزائيري سلم السكرتير رئيسه الشيك قائلا إنها هدية من الرئيس موبوتو لكم. استلم الرئيس ولد داداه الشيك وسلمه على الفور لوزير المالية، ومن هذا المبلغ الهدية تم بناء وتجهيز المدرسة العليا لإعداد الأساتذة والمعلمين في موريتانيا، التي كانت تعاني من نقص شديد في إعداد الأساتذة والمعلمين. بعد مرور خمس سنوات، أي في عام 1978 توقف الرئيس الزائيري في المغرب قادما من الولايات المتحدة الأمريكية وكان بزيارة فيها لمدة أسبوع، وحين علم الرئيس المختار بتوقفه في الرباط اتصل به ودعاه لزيارة موريتانيا، وفي الطريق من المطار إلى القصر الرئاسي لاحظ موبوتو وجود لافتات باللغة الفرنسية تزين الشوارع مكتوب عليها شكرا زائير. شكرا موبوتو. شكرا على الهدية.
قبل أن يصل الموكب الرئاسي إلى القصر توقف في مدرسة إعداد الأساتذة والمعلمين، ترجل موبوتو من السيارة، استفسر وسأل المختار بتعجب عن: الهدية التي يشكرني عليها الشعب الموريتاني عندئذ ابتسم الرئيس المختار وقال له: هذه هي هديتك القيمة، فبمبلغ الخمسة ملايين دولار التي قدمتها لي قبل خمس سنوات بنينا مدرسة لإعداد الأساتذة والمعلمين، فعانقه موبوتو وقال له: لو قدر أن يكون باقي الزعماء الأفارقة مثلك لكانت قارتنا لا تعاني من الأمية والجهل والفقر والتخلف».
فهذا مثال حي للمفاهيم الثلاثة التي يحملها معنى الهوية، وهو معنى الوعي الشامل لها، وتجسيدها على أرض الواقع بمثل هذه الأعمال، وإذا كان هنا؛ حسب المثال، يترجمها فعل رئيس الدولة، فإنه في أمثلة أخرى، يمكن أن يترجمها أفراد في المجتمع، استوعبوا مفهوم الهوية كقيمة حضارية متكاملة، وليست فقط قيمة إنسانية، فالهوية لا تمثلها الشعارات البراقة، بقدر ما تمثلها الأعمال المتجسدة على واقع الناس، ويلمس الناس تأثيرها عليهم، ومستوى العائد المتحقق منها.
وهناك من ينظر إلى الهوية على أنها قضية جيل، وأن الأجيال لا تزال تبحث عن هوياتها، وتأتي اليوم وسائل التواصل الاجتماعي لتزيد المسألة تغريبا أكثر، لتداخل العلاقات بين الشعوب، ولسهولة التواصل بينها كذلك، وبالتالي؛ وفي ظل هذا التمازج الشديد، والتعقيد الأشد كذلك تضيع الهويات، وخاصة عند أولئك الذين يضعون تعريفات محددة لمفهوم الهوية، ويتداخل مع الجيل الزمن، فالزمن كما هو معروف مقوّض للمفاهيم، فما كان مهما قبل زمن ما، أصبح في حكم المعتاد في زمن متأخر، وتتداخل الجغرافيا كذلك، حيث تحدد هويات ساكنيها بفرض المعيشة والمعايشة، فالبيئات الجغرافية تفرض أجندتها على ساكنيها، وليس يسيرا أن يتنصل الفرد عن واقعه الذي يعيش فيه، خاصة في المجتمعات التي لا يزال اتصالها بالآخر محدودا جدا، وخاصة تلك التي تعيش في الأماكن النائية، وفي الأدغال من الشعوب الفقيرة في البيئات الفقيرة، ومدن الصفيح، وهناك من لا يعطي التاريخ فرصة التحرر من تسجيل الهويات وتأصيلها، فهو الشاهد الأمين على العصر.
تحرص بعض النظم السياسية على تأصيل الهويات عبر ممارسات عديدة، في حرص منها على صناعة هوية؛ ولو في بدايات التأسيس، ويأتي تصنيع الهويات عبر تأسيس الناشئة عبر خطوات عملية تبدأ باللغة، وبالدين، وبالجغرافيا، وبغرس القناعات بأهمية المتحقق من المحصلات المادية لمشروعات التنمية، على اعتبار أن هذه المحصلات هي حق من حقوق الإنسان في الوطن، وبالتالي يجب المحافظة عليها، وصيانتها من أي عبث كان، مع الضرورة على حمايتها، وردع المعتدين عليها، وجعل الجميع لسان حال الجميع بلا تناقض، فما تنادي به النظم الإدارية من ضروريات المحافظة على المنجز المتحقق، يكون في ذلك الوقت هو وعي متحقق لدى الناشئة بذات الفهم، من دون أي تناقض يحدث، وبالتالي فالوطن هو الذي يصنع هوياته، ويغرسها في أبنائه، وليس العكس، فالوطن أكبر وأشمل، وفرض عليه أن يعيد انتاج هوياته في كل فترة زمنية، مستفيدا ومسخرا كل الأدوات الموجودة في عصره، وحتى لا تكون الهوية مجسدة فقط في حمل الجواز والبطاقة الشخصية «المدنية» لتكرس أكثر مأزق الانتماء عند الفرد الفاقد لهويته الحقيقية.