احتدام وشيك للصراع في سوريا

ستيفن كوك – مجلس العلاقات الخارجية –
ترجمة: قاسم مكي –

إعلان الرئيس دونالد ترامب سحب الجنود الأمريكيين من شمال سوريا قبل تدخل تركي (محتمل) في المنطقة يمكن أن ينعش داعش والحرب الأهلية السورية مجددا وأن يكون مؤشرا على نهاية نفوذ الولايات المتحدة هناك (تاريخ المقال 7 اكتوبر وأعلنت تركيا مساء الأربعاء 9 أكتوبر عن عملية توغل بري في شمال سوريا- المترجم).
لقد بدأت القوات الأمريكية في الانسحاب من الحدود الشمالية الشرقية السورية مع تركيا. فما الذي يجري؟
كان الرئيس ترامب يريد منذ فترة طويلة الانسحاب من سوريا. وهو يعتقد أن الفاعلين المحليين هم المسؤولون عن حل مشاكلهم الجيوسياسية والأمنية. ولأن ترامب أعلن هزيمة (الدولة) التي ادعتها داعش لنفسها في المنطقة فإنه لايرى سببا لبقاء القوات الأمريكية هناك. من جانبه سعى الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى إقناع ترامب (ومؤخرا جدا في مكالمة هاتفية يوم 6 أكتوبر) بأنه لم تعد هنالك حاجة لوجود الولايات المتحدة في شمال شرق سوريا لأن داعش ما عادت مهددا رئيسيا. ترتب عن ذلك أن الولايات المتحدة لم تعد بحاجة إلى علاقة أمنية مع القوات الكردية السورية المعروفة باسم وحدات حماية الشعب. لقد كان دور هذه الجماعة أساسيا في القتال ضد داعش. وهي في الوقت الحاضر تحتجز 90 ألفا من مقاتلي هذه الجماعة وأفراد عائلاتهم في سجون مؤقتة، حسبما ورد في الأخبار. ووحدات حماية الشعب هذه مرتبطة ارتباطا مباشرا بحزب العمال الكردستاني الذي يشن حربا على تركيا منذ أعوام الثمانينات.
ويبدو أن المسؤولين الأمريكيين يعتقدون أنهم بالتخلي عن وحدات حماية الشعب الكردية السورية وإعطاء تركيا ضوءا أخضر للتحرك إلى داخل سوريا سيقدمون الدليل بأن واشنطن تتعامل بجدية مع مشاغل أنقرة الأمنية وأيضا سيوجدون توترا بين تركيا وروسيا. وبذلك يمكن أن تكون سوريا، والتي هي مصدر كبير للشد والتوتر في العلاقات بين الأمريكيين والأتراك، المكان الذي يبدؤون منه الآن إعادة بناء العلاقة الإستراتيجية بين البلدين.
لكن هذا التصور لايضع في الحسبان حقيقة أن الرئيس أردوغان وكبار القادة الأتراك الآخرين قرروا أن ذلك النوع من العلاقات الوثيقة التي كانت تربط الولايات المتحدة وتركيا في السابق لم تعد في مصلحة أنقرة. وبالنظر إلى الأنماط السابقة لهذه العلاقات فإن الأتراك على الأرجح سيقبلون مشاعر الود التي يبديها الأمريكيون تجاههم. ولكنهم، من جهة أخرى، سيسعون إلى خدمة مصالحهم بصرف النظر عن مشاغل الولايات المتحدة.
السؤال: ماهي الخطورة التي تنطوي عليها هذه الخطوة بالنسبة للأكراد السوريين حلفاء الولايات المتحدة وللحرب الأهلية في سوريا ولمستقبل داعش؟
تشكل وحدات حماية الشعب قسما مهما من قوات سوريا الديموقراطية التي مثلت القوات البرية الأساسية في القتال ضد داعش. وانسحاب الولايات المتحدة الآن سيكشف وحدات حماية الشعب للقوات التركية التي تفوقها بقدر كبير. لكن التدخل التركي في شمال سوريا سينطوي على مخاطرة. إذ على الرغم من القوة الكاسحة للقوات المسلحة التركية إلا أنها قد «تَعلَق» داخل سوريا في قتال ضد عدو شديد المراس يستخدم أساليب الحرب غير المتماثلة. (من بين التعريفات العديدة للحرب اللامتماثلة أنها حرب غير متكافئة بين طرفين يستخدم فيها الطرف الأضعف أسلحة وتكتيكات غير تقليدية مستغلا نقاط ضعف العدو الأقوى- المترجم.)
ظلت قوات سوريا الديمقراطية والتي تضم أيضا مليشيات عربية وتركمانية تحرس مسلحي جماعة داعش وعائلاتهم في سجون مؤقتة. والغزو التركي سيجعل الاحتفاظ بهؤلاء المسلحين أشد صعوبة لأن مجموعات وحدات حماية الشعب في قوات سوريا الديموقراطية ستحارب الأتراك على الأرجح. من جهة أخرى، من الممكن جدا أن يقدم قرار ترامب بالانسحاب من سوريا، والمرتكز على تقديره بأن داعش قد هزمت، الفرصة لظهور هذه الجماعة مجددا كمهدد رئيسي. ومن الواضح أن داعش تعيد ترتيب نفسها مجددا وأنها لا تزال ملتزمة بأهدافها الآيديولوجية وأن قيادتها سليمة. الحرب الأهلية في سوريا تدخل في مرحلة جديدة الآن. وليس مبالغة أن نتوقع من حكومة الرئيس السوري بشار الأسد مساندة وحدات حماية الشعب في أي قتال ضد القوات التركية. وعلى كل من يعتقد قرب نهاية هذا الصراع إعادة تقييم موقفه.
لم يكن من الممكن أبدا التنبؤ بسياسة الولايات المتحدة في سوريا تحت قيادة ترامب. وظل السؤال هو: هل ستحافظ القوات الأمريكية على قبضتها في المنطقة أم سيتعاظم دور الحلفاء الأوروبيين هناك؟
من المستبعد أن تبقى القوات الأمريكية على وجودها في سوريا. فالرئيس ترامب يعتقد أن على الفاعلين المحليين معالجة المشاكل المحلية وبما أن جماعة داعش قد هزمت (حسب وجهة نظره) فليست هنالك حاجة إلى بقاء القوات الأمريكية في سوريا. وبنفس القدر يبدو من المستبعد أيضا أن يصعد الأوروبيون دورهم في سوريا مع انسحاب الولايات المتحدة. لقد وجد المسؤولون الأمريكيون مشقة كبيرة في إقناع نظرائهم الأوروبيين بالانضمام إلى القوات الأمريكية في سوريا والسبب في ذلك هو،بالضبط، استحالة التنبؤ بتصرفات واشنطن .
إذن هل يشير هذا الإعلان (إعلان انسحاب القوات الأمريكية من شمال سوريا) إلى اتجاه لتقوية الروابط الأمريكية التركية؟
هذه رغبة البعض على الجانب الأمريكي. فهنالك مسؤولون في البيت الأبيض ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع ممن يعتقدون أن الولايات المتحدة ستكون أفضل حالا في هذا العالم مع وجود تركيا كشريك استراتيجي. لذلك أراد هؤلاء المسؤولون التخلص من «مشكلة كبرى» في العلاقة الثنائية بين البلدين. هذه المشكلة هي دعم الولايات المتحدة لقوات سوريا الديموقراطية. وانسحاب القوات الأمريكية من سوريا هو نتيجة هذه المقاربة.