حتى لا يعود «داعش» للعراق مرة أخرى

د. عبدالعاطي محمد –

من الطبيعي في ظل الظروف القاسية أن ينفجر بركان الغضب الشعبي بين وقت وآخر. وقد عرفت البلاد عديد المشاهد لهذا الغضب وسقط فيها ضحايا، كان يتم احتواؤها ببعض القرارات التي تخفف الاحتقان. ولكن الاحتجاجات الأخيرة لفتت الانتباه باختلافها عما سبقها
قبل عامين ابتهج العراقيون والعالم أجمع بهزيمة تنظيم «داعش»، وتمنوا خيرا في الزمن القريب بأن يعم الأمن والاستقرار البلاد، وأن تبدأ سريعا خطوات إعادة بناء ما خربته الحرب على هذا التنظيم والتي استمرت نحو 3 سنوات. وقد نشط بالفعل الخطاب السياسي سواء من الحكومة أو القوى السياسية في اتجاه تفعيل التمنيات على أرض الواقع. ولكن الأداء جاء بأقل من مستوى التحدي، مما زاد من حدة المعاناة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي.
يتذكر العراقيون أنه فى عامى 2012 و 2013 عاشت البلاد ظروفا صعبة من حيث عدم الاستقرار السياسي بسبب الخلافات على مواقع السلطات المختلفة، وغياب الأمن بالنظر إلى ضعف المؤسسات المعنية آنذاك وتصاعد تأثير القوى الأمنية البديلة المنتمية حزبيا أو طائفيا، هذا فضلا عن تردى الأحوال المعيشية وانتشار الفساد. وفي تلك الظروف غابت الدولة إلى حد كبير وحدث فراغ أمني وسياسي استطاع تنظيم إرهابى لم يكن معروفا من قبل هو «داعش» أن يستغله بسهولة، فسيطر على أجزاء كبيرة من العراق ووضع أبناءه تحت ظروف إنسانية بالغة القسوة راح ضحيتها آلاف القتلى والجرحى وتم تشريد الملايين. واحتاج العراق لثلاث سنوات بذل فيها العرق والنفس والمال لكى يتخلص من هذا الوباء «الداعشي». ونجحت المهمة التي لعب فيها الجيش والشرطة والحشد الشعبي الدور الأكبر بجانب مساندة قوات التحالف.
وقد كان للحرب تكلفتها الباهظة بالطبع، وذلك من حيث توجيه المزيد من الموارد لإعادة بناء القوات العراقية وتسليحها بدلا من توجيهها للارتقاء بالخدمات العامة، ومن حيث حجم الدمار الضخم الذي لحق بالمحافظات التي نكبت بوجود التنظيم فيها، وكذلك التداعيات غير الإنسانية التي تمثلت في تهجير الملايين من المواطنين وتسكينهم في المخيمات. ومن جهة أخرى لم تستطع الحرب القضاء على التنظيم كلية حيث بقيت له بعض خلاياه التي انتشرت في الصحراء والقرى النائية وعملت على استعادة نشاطها بين وقت وآخر. وقد أقرت الحكومة بأنها وبرغم هزيمة التنظيم إلا أنها تواصل ملاحقته وليس معروفا نهايته بالضبط.
وتحمل العراقيون التحدي برغم قسوته وتضحياته الكبيرة أملا في مستقبل قريب أفضل، ولكن على مدى عامين منذ سقوط التنظيم لم يتغير الواقع المرير الذي خلفته الحرب وجاء أصلا ليعمق الآلام والجراح الممتدة منذ العام 2003 وقت سقوط نظام صدام حسين، مع أنه كان من المحتم أن يجد أولوية قصوى من الحكومة، فلا أحد يذكر ممن هجروا مدنهم عادوا إلى منازلهم ولم يتم تعويض الكثيرين ولم يتم الإسراع بإعادة الإعمار. وكانت الحرب الأمريكية على العراق قد أدت إلى تدمير البنية التحتية، وتعطيل حقول النفط، وتدمير مواقع الإنتاج الصناعي والزراعي، وتوازى مع ذلك هجرة العقول العراقية للخارج طلبا للنجاة مما كان يعني تدهور القدرات البشرية. كما عاش العراقيون زمنا ليس بالقصير تحت وطأة الحرب الأهلية (الطائفية) ودفعوا ثمنا غاليا من أرواحهم لذلك الصراع الدموي الطائفي.
بالمقابل وخلال العامين الماضيين لا يمكن إنكار أن الوضع الأمني قد تحسن سواء في المدن المدمرة أو في العاصمة، كما ارتفع مردود النفط، وكلاهما يعني توافر الظروف الأمنية والإمكانيات المادية ليس فقط لاستعادة وجه الحياة في المناطق المدمرة وإنما أيضا لرفع مستوى معيشة كل المواطنين، فالجميع ظل ينتظر الفرج منذ ما يزيد على 15 عاما. ولكن حجم التحسن لم يكن على النحو المنتظر قياسا بحجم التحديات والضغوط التي يعاني منها الجمهور العريض من العراقيين. وفي عرف الخبراء بحركات الاحتجاج الاجتماعية، هناك لحظة ما ينتقل فيها الغضب من التحمل إلى الانفجار، وذلك عندما تنعدم الفرص المتاحة لممارسة القدرة على التحمل.
من الطبيعي في ظل الظروف القاسية أن ينفجر بركان الغضب الشعبي بين وقت وآخر. وقد عرفت البلاد عديد المشاهد لهذا الغضب وسقط فيها ضحايا، كان يتم احتواؤها ببعض القرارات التي تخفف الاحتقان. ولكن الاحتجاجات الأخيرة لفتت الانتباه باختلافها عما سبقها. في السابق لم تتسم مشاهد الاحتجاج بالفجائية بمعنى أنه كانت تسبقها مقدمات كأن تدعو قيادة سياسية ما إلى تنظيمها وفى يوم محدد، وأما الاحتجاجات الأخيرة فقد فاجأت الجميع ليس الحكومة وحدها بل القوى السياسية بمن فيهم تيار الصدر. وأفادت المعلومات أنه جرى الحشد لها سريعا على منصات التواصل الاجتماعي واستجاب لها الكثيرون، وحتى كتابة هذه السطور لم يعلن عن قيادات معينة لها. وإن كان هذا يدل على شيء فإنما يدل على أنها بعيدة عن الانتماءات الحزبية بل جاءت ضد الطبقة السياسية ككل، فضلا عن كونها غير طائفية حيث كانت الشعارات المرفوعة تتحدث عن العراق والشعب ككل. وبينما كانت تحدث في السابق في منطقة أو أخرى وليس على مستوى عموم البلاد، فقد جاءت هذه المرة بصفة شمولية تقريبا حيث اندلعت في العاصمة ومحافظات أخرى في نفس الوقت.
ولكن أبرز ما اتسمت به الاحتجاجات الأخيرة هو أنها تبنت قضايا محددة تتعلق بتردي الخدمات العامة بالنظر إلى تدهور البنية التحتية (المستشفيات ودور العلم والطرق.. ألخ)، وبالبطالة حيث لا يجد الشباب فرص العمل. ومما كان من العوامل المساعدة تنزيل رتبة نائب رئيس قوة مكافحة الإرهاب عبد الوهاب الساعدي ونقله إلى أمرة الجيش. ويعد الساعدي من الشخصيات التي تلقى تعاطفا جماهيريا لدوره في القضاء على «داعش» في معارك الموصل، ورأى المحتجون أن الرجل تعرض للظلم وتمت معاقبته لأسباب غير معروفة.
وربما تحفظ البعض على ما إذا كان هناك جديد في هذه الاحتجاجات أم لا بالنظر إلى أن تدهور البنية التحتية وتفشي البطالة ليست من المشكلات الجديدة حيث إنها موجودة منذ سنوات، ولكن ما يؤكد أنها جديدة بالفعل هو أن من قاموا بها من الشباب بشكل رئيسي العاطلون عن العمل والذين حرصوا على ألا تكون لهم انتماءات حزبية كالمعتاد في السابق وألا تكون طائفية، إي أنها تتخطى دور الأحزاب والحكومة معا وتصطدم بكل منهما لتعكس في هذه الحالة عمقا شعبيا عاما وتحركا رافضا له قواعده غير المرتبطة بالمساومات الحزبية والحكومية. لا يملك أحد رفاهية التنبؤ تماما بما يمكن أن تؤول إليه هذه الاحتجاجات خاصة وأنها مرتبطة برد فعل الحكومة والقوى السياسية وما إذا كان بالإمكان احتواؤها كما حدث مع غيرها في السابق. ومع ذلك فإن الأجواء التي سببتها هي أجواء وجود فراغ في السلطة وتردي الأوضاع الأمنية بينما لا تستطيع أي حكومة أن تلبي المطالب على الأقل من حيث الوقت. ومن جهة أخرى فإن مثل هذه الاحتجاجات (سقط فيها عشرات القتلى وآلاف الجرحى) وسط مثل هذه الظروف غالبا ما تسمح بالفرص لأطراف لها حساباتها المختلفة عن حسابات المحتجين بما يشيع مناخا للفوضى. كما أن الوضع الإقليمي يتسم بالتوتر الشديد ويسمح بالتدخلات الخارجية مما يعني خلط الأوراق وضبابية المشهد. ومن واقع المناخ الراهن الساخن في المنطقة، هناك من لا يرغبون في استقرار العراق ونهضته من كبوته، بينما هو يجاهد ألا يكون مسرحا لتصفية الحسابات بين الآخرين.
أخذا بهذه المخاوف المشروعة في الاعتبار، فإنه وبرغم الإقرار بعدالة الاحتجاجات وتعالي من يقودونها على المصالح الحزبية والسياسية لصالح أهداف وطنية عامة، تظل هذه المخاوف بمثابة أجواء مواتية لعودة «داعش» مرة أخرى لأنحاء العراق، لأن التنظيم كثيرا ما راهن على المظالم الاجتماعية لما تخلقه من طاقات بشرية غاضبة ولما تسببه من تراجع لوجود الدولة ومؤسساتها، والتنظيم في هذه الحالة يطرح نفسه خيارا بديلا للسلطة الشرعية يملأ الفراغ السياسي والأمني. والأمل معقود على الحكماء من القوى السياسية العراقية، في الحكم أو في خارجه، بأن يعوا الدرس جيدا حتى لا يعود «داعش» للمشهد مجددا. وقد وجه لهم جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة نداء بإعلاء لغة الحوار لتجاوز الأوضاع الحرجة الجديدة. هذا الحوار يعني في أبسط مفرداته أن تتوحد كل القوى الوطنية حول خريطة طريق يلتزم بها الجميع تعطي الثقة والأمل في الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لكل العراقيين. ذلك هو حائط الصد أمام عودة الإرهاب إلى العراق مرة أخرى والطريق الصحيح والآمن لتجاوز مشكلات الحاضر إلى مستقبل أفضل.