معارك عنيفة بين القوات الكردية والتركية في شمال شرق سوريا

اجتماع طارئ للجامعة العربية على المستوى الوزاري اليوم –
عواصم – عمان – بسام جميدة – نظيمة سعد الدين – وكالات:-

تواصلت الاشتباكات العنيفة أمس بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات التركية والفصائل السورية الموالية لها في شمال شرق سوريا، في محاولة لصدّ هجوم بدأته أنقرة قبل يومين وأجبر عشرات آلاف المدنيين على النزوح.
وكلّف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دبلوماسيّين أمريكيّين ليلاً التوسّط في «وقف لإطلاق النار» بين أنقرة والأكراد بعدما باشر سحب قوات أمريكية الإثنين من نقاط حدودية في شمال سوريا بمثابة ضوء أخضر لتركيا لبدء هجومها.
وانضمت روسيا أمس إلى قائمة الدول الغربية التي حذرت من أن يساهم الهجوم التركي في إعادة احياء تنظيم داعش الذي لا يزال ينشط عبر خلايا نائمة رغم هزيمته الميدانية على يد قوات سوريا الديمقراطية.
وقال مصدر في قوات سوريا الديمقراطية من داخل بلدة رأس العين الحدودية لفرانس برس عبر الهاتف «تحاول القوات التركية الهجوم من محاور عدّة لكسر خطوط دفاعنا لكن قواتنا تتصدى لها».
وشاهد مراسل لفرانس برس مجموعات من فصائل سورية موالية لأنقرة تدخل صباح أمس إلى أطراف رأس العين من الجهة التركية. وقال إن سحباً من الدخان تصاعدت من البلدة بينما يمكن سماع أصوات رشقات وقصف مدفعي تزامناً مع تحليق الطيران.
وأفاد مدير المرصد السوري لحقوق الإنسان المعارض رامي عبد الرحمن عن اشتباكات عنيفة بين الطرفين «تتركز على جبهات عدّة في الشريط الحدودي الممتد من رأس العين (الحسكة) حتى تل أبيض (الرقة)»، تزامناً مع قصف مدفعي كثيف وغارات تركية متفرقة.
وأحصى المرصد مقتل سبعة مدنيين بالنيران التركية امس لترتفع بذلك حصيلة القتلى المدنيين منذ بدء الهجوم إلى 17 مدنياً، بينما قتل 41 من قوات سوريا الديمقراطية في حصيلة جديدة.
وأعلنت أنقرة امس مقتل أول جندي تركي وإصابة ثلاثة آخرين خلال المواجهات، غداة مقتل سبعة مدنيين بينهم رضيع سوري، وإصابة نحو 70 بجروح في قذائف سقطت على بلدات حدودية في محافظتي شانلي أورفا ومردين، اتهمت السلطات مقاتلين أكراد بإطلاقها، وقالت وزارة الدفاع التركية إن العملية العسكرية «تجري كما هو مخطط لها».
وغداة سيطرة الجيش التركي والفصائل على 11 قرية حدودية، تمكنت قوات سوريا الديموقراطية، وفق المرصد، من استعادة السيطرة على قريتين ليلاً.
وتستخدم هذه القوات، وفق عبد الرحمن، «أنفاقاً وتحصينات بنتها قرب الحدود لشن هجمات مضادة وإعاقة تقدم» خصومها.
والمنطقة الممتدة من رأس العين حتى تل أبيض على طول أكثر من مائة كيلومتر ذات غالبية عربية بخلاف المناطق الحدودية الأخرى ذات الغالبية الكردية.
وبحسب عبد الرحمن، فإن عشرات من السكان العرب في المنطقة بدأوا القتال مع القوات التركية فور شن هجومها.
ونقل مركز اعلامي مرتبط بالإدارة الذاتية الكردية عن مصدر كردي أن بعض القبائل العربية اصطفت إلى جانب القوات التركية وتحرّك خلايا نائمة لمهاجمة قوات سوريا الديمقراطية.
وجراء التصعيد، باتت بلدات حدودية بأكملها شبه خالية من سكانها. وشاهد مراسل لفرانس برس الجمعة عشرات النازحين لدى وصولهم إلى بلدة تل تمر التي تكتظ تدريجياً بالفارين إليها.
وقال رياض أحمد (56 عاماً) لفرانس برس «نحن هنا بلا مأكل أو مشرب ولا فرش لدينا ننام عليها، خرجنا تحت وابل من القصف».
ولجأ الرجل مع عائلته إلى طابق سفلي من مبنى قيد الإنشاء، خلا إلا من سجادات وشراشف قدمها الجيران لهم. وسأل بحسرة «هل سنبقى هكذا في الشوارع مع اقتراب الشتاء؟».
وأعربت منظمة أطباء بلا حدود عن قلقها على مصير المدنيين، محذرة من أن التصعيد «سيفاقم من الصدمات التي تكبّدها السوريون خلال أعوام من الحرب والعيش في ظروف محفوفة بالمخاطر».
وأغلق مستشفى في تل أبيض، كانت تدعمه المنظمة، أبوابه بسبب مغادرة معظم أفراد الطاقم الطبي مع عائلاتهم.
وأعلنت الإدارة الذاتية أنها ستخلي مخيم المبروكة للنازحين، الواقع على بعد 12 كيلومتراً من الحدود وتبحث عن موقع بديل لمخيم عين عيسى، لحماية 20 ألف نازح في الموقعين من القصف التركي.
وأطلقت تركيا على هجومها تسمية «نبع السلام»، وتقول إن هدفها إقامة منطقة عازلة بعمق ثلاثين كيلومتراً، لإعادة قسم كبير من 3,6 مليون سوري لجأوا إلى أراضيها.
وأثار الهجوم تنديداً دولياً واسعاً وخشية من انتعاش تنظيم داعش مع انصراف المقاتلين الأكراد الى قتال القوات التركية.
وحذر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين امس من أن الآلاف من مقاتلي التنظيم المتطرف المحتجزين لدى الأكراد قد يستعيدون حريتهم مضيفاً «إنه تهديد حقيقي… لست واثقاً أن بإمكان الجيش التركي السيطرة على الوضع أو السيطرة عليه بسرعة».
وتعرّض ترامب لانتقادات واسعة اتهمته بالتخلي عن الأكراد. وبعد سلسلة مواقف متناقضة من الإدارة الأمريكية، كلّف ترامب وزارة الخارجيّة البحث عمّا إذا كان ممكناً التوصّل إلى وقف لإطلاق النار».
وفي السياق، بحثت الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي بمبادرة من الولايات المتحدة بيانا يناشد تركيا التي تشن عملية عسكريّة في شمال سوريا، العودة للدبلوماسية.
ويأتي هذا الإجراء الذي يحمل صفة رمزية بعدما عجز الأوروبيون خلال جلسة طارئة لمجلس الأمن صباح امس الاول، عن دفع جميع أعضاء المجلس إلى تبني بيان يعرب عن «القلق العميق» ويدعو أنقرة إلى «وقف» الهجوم على شمال سوريا.
واضطرت فرنسا وألمانيا وبلجيكا والمملكة المتحدة إلى تلاوة بيان بشكل منفرد، على غرار الولايات المتحدة التي صاغت أيضا بيانا منفصلا قالت فيه إنها «لم تؤيد بأي شكل» العملية العسكرية التركية.
ولم يستبعد سفير روسيا لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا إمكانيّة أن تتمّ الموافقة على نص منقح بالإجماع في مجلس الأمن.
وقال إن النص «يجب أن يأخذ في الاعتبار الجوانب الأخرى للأزمة السوريّة، وليس العملية التركية فحسب»، مشيرا إلى «الوجود العسكري غير الشرعي» للولايات المتحدة وفرنسا وللمملكة المتحدة في سوريا.
وقد كرر النص الذي اقترحته واشنطن في وقت لاحق الخميس عبارة «قلق عميق» لكنه امتنع عن المطالبة «بوقف» الهجوم التركي، وطلب من أنقرة في المقابل أن تمر عبر القنوات الدبلوماسية «وليس العسكرية» لتحقيق أهدافها، بحسب دبلوماسيين.
كما يطالب هذا النص بحماية المدنيين ويشدّد على أن أي عودة للاجئين يجب أن تتم على أساس طوعي.
وحذر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الدول الأوروبية من إرسال اللاجئين السوريين إليها إذا واصلت انتقاد الهجوم، في تصريحات اعتبرها رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك الجمعة «ابتزازاً».
وأعرب الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرغ امس في اسطنبول عن مخاوفه «الجدّية بشأن هذه العملية الجارية وخطر (تسببها) بزعزعة الاستقرار بشكل إضافي في المنطقة».
وهذا ثالث هجوم تشنّه تركيا مع فصائل سورية موالية لها في شمال سوريا، بعد هجوم أوّل عام 2016 سيطرت فيه على مدن حدودية عدّة، وثان عام 2018 سيطرت خلاله على منطقة عفرين الكردية.
وينطلق اليوم بالقاهرة الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، وذلك لبحث الهجزم التركي على الأراضي السورية.
وصرح السفير حسام زكي، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية بأنه تقرر عقد اجتماع طارىء لمجلس الجامعة على مستوى وزراء الخارجية العرب اليوم السبت، بناء على طلب جمهورية مصر العربية وتأييد عدة دول، وبالتشاور مع وزير خارجية العراق رئيس مجلس الجامعة على المستوي الوزاري فى دورته الحالية وذلك لبحث العدوان التركي على الأراضي السورية، والذي يمثل اعتداءً غير مقبول على سيادة دولة عربية عضو بالجامعة استغلالاً للظروف التي تمر بها والتطورات الجارية، وبما يتنافى مع قواعد القانون الدولي.
من جهة ثانية، انفجرت سيارة مفخخة امس في شارع مكتظ في مدينة القامشلي ذات الغالبية الكردية في شمال شرق سوريا، متسببةً بسقوط قتلى لم يتضح عددهم، وفق ما أفاد متحدث باسم قوات الأمن الكردية وكالة فرانس برس.
وقال المتحدث الرسمي باسم قوات الأمن الداخلي الكردية (الأسايش) علي الحسن إن «تفجيراً إرهابياً وقع في شارع مكتظ بالناس في المدينة، وأظهرت التحقيقات الأولية أنه ناجم عن انفجار سيارة مفخخة»، ما تسبب بسقوط «ضحايا مدنيين» لم يتمكن من تحديد عددهم.
وأكد المرصد السوري لحقوق الإنسان من جهته «سقوط قتلى وعدد من الجرحى» جراء التفجير الذي لم يتمكن من تحديد ما إذا كان ناجماً عن تفجير سيارة أم دراجة نارية.
واتهم المسؤول الكردي تنظيم داعش بالوقوف خلف التفجير. وأظهر شريط فيديو نشرته قوات سوريا الديمقراطية عناصر الإطفاء وهم يخمدون الحريق، بينما بدت خمس سيارات على الأقل متفحمة.
وبثّ التلفزيون السوري مشاهد مباشرة تظهر تصاعد ألسنة النيران وسحب دخان سوداء من عربة أثناء احتراقها وسط الشارع.