الأيام: هل تحلحل الانتخابات المأزق الفلسطيني الحالي

في زاوية آراء كتب عقل أبو قرع مقالاً بعنوان : هل تحلحل الانتخابات المأزق الفلسطيني الحالي؟،جاء فيه:
مع إعلان الرئيس عن نيته الدعوة إلى انتخابات عامة في فلسطين ، في الضفة وغزة والقدس، ومع احتمال التوجه الحقيقي إلى إجراء الانتخابات خلال الأشهر القليلة القادمة، أصبح السؤال المطروح وبجدية: هل هذا المسار من الممكن أن يؤدي إلى النتائج المرجوة ، ألا وهو الخروج من المأزق الفلسطيني الداخلي، أي الخروج من الانقسام وما ترتب وما زال يترتب عليه من تعقيدات وانتكاسات في كثير من نواحي الحياة الفلسطينية ؟ وهل التوجه إلى صناديق الاقتراع، أي إلى الانتخابات، سواء أكانت انتخابات تشريعية أو رئاسية أو غير ذلك ، والتي من المفترض أن تعكس إرادة وخيارات الناس إن تمت بشكل نزيه وشفاف وحيادي في كل المناطق الفلسطينية، سيؤدي إلى الانتهاء أو سيشكل بداية الانتهاء من وضع سئم منه الجميع ومن كافة نواحي الحياة ، ألا وهو الانقسام بتبعاته؟
وبالطبع، فلأن هذه الدعوة إلى الانتخابات شاملة جغرافياً، أي تشمل الانتخابات في الضفة وغزة والقدس، والترحيب المبدئي من الجميع بذلك أمر إيجابي ، ولكن رغم هذا الترحيب المبدئي من قبل بعض الأطراف الفلسطينية بالدعوة للتوجه إلى الناس من خلال الانتخابات، إلا أن الأمور لم تتجاوز الكلام أو التصريحات حتى الآن، ولم تتقدم ولو خطوة عملية في هذا الصدد، رغم إعلان الحكومة ولجنة الانتخابات المركزية عن الجاهزية أو جاهزية التحضير لها، وبقي الترحيب يراوح مكانه، في ظل تصريحات متبادلة من الأطراف المعنية، وشروط وتخبط ومراوحة ومناورات وتهديدات تتفاوت حدتها، والأهم الصمت الإسرائيلي فيما يتعلق بموضوع القدس.
حتى لو افترضنا أن الانتخابات جرت في الوقت الحالي وفي منطقة ما، فالسؤال المهم هو: هل من الممكن أن تؤدي هذه الانتخابات إلى تجاوز مرحلة قاتمة ، أو إلى حلحلة الجمود الحالي في الوضع الفلسطيني؟ وهل من الممكن في ظل الظروف الحالية ، أن تؤدي الانتخابات إلى البدء العملي لحل المأزق الداخلي، أو أن ما سيحدث هو العكس، أي هل من الممكن أن تؤدي نتائج الانتخابات، وليس الانتخابات نفسها، إلى تعقيد الوضع الفلسطيني، وإلى تعميق الانقسام، وإلى إفراز سلبيات وتعقيدات وتشرذم أكثر مما هو في الوقت الحالي، وإلى الوصول إلى أوضاع أسوأ من الأوضاع الحالية؟
ومن المعروف، وعلى صعيد العالم، أن الناس أو السياسيين أو المشرعين يلجؤون إلى الانتخابات، وبغض النظر عن نوعها، من أجل أخذ رأي أو حكم الناس في مواقف وأوضاع وأشخاص حاليين وأمور حالية ومستقبلية ، تخص الناس والمجتمع والبلد، وبالتالي فالمهم ، ليس الانتخابات بحد ذاتها، وإنما نزاهة وشفافية وتغطية أو مصداقية عملية الانتخابات ، وكذلك نتائج أو تطبيق نتائج هذه الانتخابات، أي تطبيق طبيعة اختيار الناس، والأهم كذلك احترام نتائج الانتخابات من قبل كافة الأطراف الحالية على الساحة، أو من قبل القوى المتواجدة والفاعلة والمؤثرة في الوضع الفلسطيني، وبالتالي التوقع بأن يتم تطبيق اختيار الناس، من خلال صناديق الاقتراع، على الأرض، سواء من خلال اختيار الأشخاص أو السياسات، أو من خلال نتائج الاستفتاءات، التي في العادة ترافق الانتخابات، وبالتالي فإن السؤال الأهم هو: هل الأرضية والشروط والقناعة متوفرة عند كافة الأطراف الفلسطينية من أجل توفير الأجواء الديمقراطية، وإجراء انتخابات نزيهة، واحترام نتائج انتخابات، وبغض النظر عن هذه النتائج، أو مهما أفرزت هذه الانتخابات، سواء أكان هذا الإفراز في الضفة أو غزة أو كليهما معاً.
وفي ظل الحديث عن كل ذلك، فإن علينا التذكر أن الواقع الذي له علاقة مباشرة بالانتخابات، والذي ما زال ينخر في جسد المجتمع الفلسطيني وفي أجياله كافة، وبعيداً عن الخلفيات السياسية والحزبية والفكرية هناك الانتماءات العائلية أو العشائرية، ورغم الوعي والنسبة الكبيرة من الأجيال الشابة، ورغم النسبة المتصاعدة لمشاركة النساء في نشاطات عديدة في المجتمع ومن ضمنها الانتخابات ، ورغم النسبة الكبيرة التي يضمها المجتمع الفلسطيني من خريجي الجامعات والمعاهد وكليات التعليم العالي، إلا أن الانتماء العائلي كان وما زال وربما سيكون واضحاً أو حتى مؤثراً في الانتخابات المستقبلية، وبالأخص لانتخابات للمجلس التشريعي، وهذا الإقحام للعنصر العائلي وبعيداً عن الكفاءة، يمكن ألا يؤدي إلى النتائج التي يطمح لها المواطن الفلسطيني، وبالأخص في إفراز نتائج، تؤدي في المحصلة إلى حلحلة المأزق الفلسطيني الداخلي، أو نتائج تؤدي إلى الخروج من مأساة الانقسام الذي بدأ يترسخ كأنه أمر طبيعي.
وبالإضافة إلى توفر الأجواء المحلية، ووجود القناعة الداخلية بأهمية إجراء الانتخابات، وضرورة احترام نتائجها، من أجل الخروج أو من أجل حلحلة المأزق الفلسطيني الحالي، فالسؤال المهم كذلك هو: هل الأجواء أو الظروف أو مصالح الأطراف الكثيرة، أو اللاعبون المتعددون، سواء في المنطقة من حولنا، أو في العالم، أي هل هذه الأطراف تريد إجراء انتخابات في الوقت الحالي، وبالتالي التخلص من الانقسام الفلسطيني، أم أنها تحبذ المحافظة على الجمود الحالي والانقسام والتشرذم من أجل استخدامه في أوراق سياسية ولخدمة المصالح، أو لإضعاف هذا الطرف أو ذاك.والمتتبع وبشكل سريع للمواقف والأفعال يرى أن هذه الأطراف ذات المصالح المتفاوتة في الوضع الفلسطيني الحالي، ببساطة، لا تريد تحريك أو حلحلة الوضع الفلسطيني الحالي، الذي أصبح بالنسبة لهم وضعاً مريحاً وطبيعياً، أو أنها تريد القيام بخطوات، بشكل تعيد فيه اللحمة الفلسطينية الحقيقية وتنهي الانقسام، وهذه الأطراف كثيرة وغاياتها متعددة، وحتى لو افترضنا أن هناك أطرافاً تريد بشكل جدي إنهاء الانقسام، فإنها ربما تكون غير قادرة على ذلك، وبالأخص في ظل التأثير القوي للأطراف المحيطة بالمناطق الفلسطينية أو تأثير الأطراف الداعمة اقتصادياً أو مالياً لهذا الطرف الفلسطيني أو ذاك، ونحن نعرف أن هذه الأطراف قادرة على إصدار وتنفيذ التهديدات، سواء بالحصار السياسي أو الاقتصادي أو حتى اللوجستي على الأرض، هذا إذا أبدت الأطراف الفلسطينية الرغبة الجدية لإنهاء أو حل المأزق الفلسطيني الداخلي من خلال الانتخابات.