التكنولوجيا تُجهِز على القوى العَاملة البشريّة

مازن مجوّز – كاتب وإعلامي من لبنان –
يقف العالَم على أعتاب الثورة الصناعيّة الرّابعة في تاريخ البشريّة، بعدما بلغت «الثورة الصناعيّة الثالثة» ذروتها. ووصفَ المشاركون في منتدى دافوس العالَميّ الذي اختار عنوان «الثورة الصناعيّة الرّابعة «شعاراً لدورته الـ 46 في العام 2016، هذه الثورة بمثابة «تسونامي» التقدّم التكنولوجيّ الذي سيُغيِّر الكثير من تفاصيل الحياة البشريّة. وتدعم التكنولوجيا الحيويّة ما يسمّى «الاقتصاد الحيويّ» أو استخدام البيولوجيا لتحفيز التقدّم في الزراعة والإنتاج الصناعيّ والطّاقة النظيفة والصحّة وحماية البيئة.
شهدت البشريّة منذ فجر التاريخ وحتّى اليوم أربع ثورات صناعيّة، كلّ واحدة منها امتازت بابتكارٍ تقنيّ أو عِلميّ مُذهل، فتفجَّرت الشرارة الأولى للثورة الصناعيّة في بريطانيا باكتشاف الآلة البخاريّة والفحم في ستينيّات القرن الثامن عشر، وحملت معها ازدهار صناعة النسيج والصلب وكيماويّات الجيل الأوّل. وقدَّمت الثانية مع بدايات القرن التاسع عشر الكهرباء والفولاذ والاتّصالات بعيدة المدى والعَولمة وعصر التصنيع إلى الدول الأوروبيّة وعلى رأسها فرنسا. أمّا الثالثة فقد بدأت في ستينات القرن العشرين، وقد قادها الحاسوب وعُرفت بالثورة الرقميّة، وتميَّزت بولادة أوّل الحواسيب في العالَم والهواتف النقّالة (الذكيّة) والإنترنت.
واليوم دخل العالَمُ على أعتاب نقلة نوعيّة جديدة من شأنها أن تغيّر، ليس شكل الصناعات وطُرق الإنتاج فحسب، بل أيضاً المنظور المعرفي للبشر تجاه الأشياء بصورة عامّة، وذلك بعد الثورة الزراعيّة التي حدثت منذ ما يقرب من عشرة آلاف عام. وتمثَّل ذلك بالثورة الصناعيّة الرّابعة التي أُعلن رسميّاً عن انطلاقها في المنتدى الاقتصادي العالَمي في دافوس في العام 2015، وهي ثورة لم يشهد التاريخ مثلها على الإطلاق سواء من حيث سرعتها (سرعة التغيير) أم نِطاقها أم حتّى تعقيداتها (أي تأثير هذه التحوّلات في النُّظم السائدة)، وهي تجمع بين الأنظمة الرقميّة (بما فيها وسائل التواصل الاجتماعي) والأنظمة الفيزيائيّة والبيولوجيّة، وستكون لهذه التكنولوجيا تداعيات كبيرة في وقتٍ قصير نسبيّاً.
يقود هذه الثورة عددٌ من المحرّكات الرئيسة هي: الذكاء الاصطناعي، الروبوتات، المركّبات ذاتيّة القيادة، الطباعة الثلاثيّة الأبعاد، البيانات العملاقة، العملات الافتراضيّة، إنترنت الأشياء، تكنولوجيا النانو، تخزين الطّاقة، التكنولوجيا الحيويّة، علوم المواد، الحوسبة الكموميّة وغيرها. فعلى سبيل المثال، سيبلغ حجم سوق إنترنت الأشياء مليار دولار بحلول العام 2020، مع عدد أجهزة تصل إلى 50 ملياراً وفقا لتقديرات «مؤسّسة جارتنر» البحثيّة العالَميّة، يقابلها مليار دولار كفُرص استثماريّة توفّرها إنترنت الأشياء بحلول العام 2020، بحسب ما تفيد مؤسّسة «سيسكو»، وهي شركة أمريكيّة عملاقة مختصّة بأنظمة الحاسوب وشبكاتها، حيث ستصبح البيانات والمحتوى عبر الإنترنت وقود المستقبل ونفطه.
هذا الواقع، الذي فرضه التطوّر الهائل للتكنولوجيا في عصرنا الحالي، يطرح إشكاليّة كبيرة تتعلّق بآثار الثورة الصناعيّة الرّابعة وانعكاساتها، وهذا ما يقودنا إلى التطرّق إلى الإيجابيّات والسلبيّات والتحدّيات التي بات من الضروري الإضاءة عليها، من باب التخطيط المُسبق لهذه الأنواع من المشكلات والاستعداد لمُعالجتها.
يشرح مؤسِّس ورئيس منتدى دافوس الاقتصادي العالَمي البروفسور الألماني «كلاوس شواب» في مقال في الأجندة العالَميّة «الثورة الصناعيّة الرّابعة: ماذا تعني؟ كيف نستجيب؟» (14 يناير 2016): «تتطوّر الثورة الصناعيّة في شكل طفرات هائلة للنموّ وليس بصورة خطيّة، ومن الفُرص التي تتيحها، العمل على تحقيق معدّلات نموّ عالية في التنمية الاقتصاديّة والاجتماعيّة والإنسانيّة، وتحسين رفع مستوى الرعاية الصحيّة، واختصار الكثير من الوقت في عمليّة التطوّر، وانتشار المُنجزات في مناطق متعدّدة، وخفْض تكلفة الإنتاج، وتأمين الخدمات وتسهيل وسائل النقل والاتّصال بشكل أكثر كفاءة وأقلّ تكلفة، وفتْح أسواق جديدة، وتحفيز النموّ الاقتصادي، وتطبيق الروبوتات والذكاء الاصطناعي، والعمل على جذب الاستثمارات الأجنبيّة المباشرة».
ومن الواقعيّ القول إنّ التكنولوجيا الحيويّة ستُصبح جزءاً من حياتنا، من الطبّ والعلاج إلى المواد الكيميائيّة والوقود والمواد الصديقة للبيئة.
لكنّ الوجه الآخر لهذه الإيجابيّات هو التحدّيات التي لا يُمكن تجاهلها، والتي تتمثّل بعددٍ من السلبيّات من أبرزها:
– انتشار البطالة على نطاقٍ واسع، حيث تؤكِّد تقديرات خبراء الاقتصاد أنّ «الثورة الصناعيّة الرّابعة» من شأنّها أن تُقلِّص فُرص العمل.
– اضمحلال دَور الشركات المتوسّطة والصغيرة في العمليّة الإنتاجيّة، وهَيمنة الشركات الكبرى.
– عدم المساواة واتّساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء.
بالنسبة إلى تقليص فُرص العمل يحذِّر خبراء الاقتصاد (في تقريرٍ بثَّته قناة سكاي نيوز في 12 نوفمبر 2017 حمل عنوان «الثورة الصناعيّة الرّابعة») من تقليص فُرص العمل إلى 50 في المائة تمسّ الفئات المتوسّطة والدنيا من الأيدي العاملة، ومن أنّ الاستغناء عن نصف العمالة القائمة حاليّاً بالآلة والتقنيّة من شأنه أن يوفِّر 16 تريليون دولار كرواتب على مستوى العالَم، وهذا يعني أنّه بحلول العام 2020 ستختفي ما بين 5 ملايين إلى 7 ملايين وظيفة تقليديّة وستظهر وظائف جديدة متعلّقة بالحاسوب والبرمجيّات.
وتفيد دراسة لشركة الأبحاث «بي دبليو سي» صادرة في الربع الأوّل من العام 2017 أنّ نحو 40% من الوظائف في الولايات المتّحدة قد تكون مهدَّدة بأن تتولّاها الروبوتات خلال الـ15 عاماً المُقبلة، فيما سيكون لدى الاقتصادات الأخرى المتقدّمة وظائف أقلّ عرضة للخطر، حيث تقدِّر أنّ 30% من الوظائف في المَملكة المتّحدة تُهدِّدها الأتمتة الناجمة عن التطوّر التقني في الذكاء الاصطناعي والروبوتات، مقارنةً بنحو 35% في ألمانيا، و21% في اليابان.
وما يجب التوقّف عنده أنّ هناك تفاوتاً ملحوظاً في الإحصاءات بين دراسة وأخرى حول نسبة الوظائف القابلة للاختفاء:
– استخلصت دراسة أُجريت في جامعة أكسفورد في العام 2013، وشملـت 702 وظيفة مختلفة في أمريكا، أنّ الآلات ستستطيع القيام بنحو 47 % منها في العقد أو العقدَين المُقبلَين.
– في دراسة أخرى أجرتها منظّمة التعاون الاقتصادي والتنمية في العام 2015، وشملت 34 دولة معظمها من الدول الغنيّة، تبيّن أن هناك 14 % وظائف في بلدان المنظّمة معرضةٌ لخطرٍ كبير، و32 % معرّضةٌ لخطرٍ أقلّ.
وخلصت الدراسة إلى أنّ 210 ملايين وظيفة في 32 دولة معرّضةٌ للخطر.
ويشرح تقرير «الأُمم المتّحدة: الروبوتات ستحلّ محلّ ثلثَي العمّال في الدول النامية»، الصادر عن مؤتمر الأُمم المتّحدة للتجارة والتنمية، ونُشِر على مَوقع «مرصد المستقبل» في 16 (نوفمبر) 2016 أنّ «زيادة استخدام الروبوتات في الدول المتطورّة يهدِّد الأفضليّة التقليديّة للدول النامية من حيث انخفاض كلفة العمالة.» ويستشهد التقرير بتقرير آخر من البنك الدولي يقول: «إنّ نسبة الوظائف التي يُمكن أن تخضع لتغييرٍ جذريّ بسبب الأتمتة هي في الواقع أعلى في الدول النامية ممّا هي في الدول الأكثر تقدّماً، حيث اختفت الكثير من هذه الوظائف من قبل». يعني هذا أنّ الوظائف التي تتطلَّب مهارة مُنخفِضة في الدول النامية أصبحت معرَّضة للخطر، نظراً لإمكانيّة استخدام الروبوتات فيها أيضاً، ما يقلِّل من دَور القوى العاملة البشريّة مُنخفضة المهارة في تلك الدول. أي أنّ الأتمتة ستقضي على ما يقارب من «ثلثَي مجمل الوظائف» في الدول النامية.
وتصنِّف دراسة جامعة أكسفورد (الآنفة الذكر) الوظائف المهدَّدة بالانقراض من 10 إلى1: موظّف البنك، بائع الصحف، موظَّف المكتبة، سائق التاكسي، السكرتاريّة، رجل البريد، شركات السياحة، موظّف الصندوق في المحلّات التجاريّة، خدمة الزبائن عبر الهاتف، طيّار المُقاتلات الحربيّة.
وفي خضمّ هذه المَخاطر التي تُهدِّد عدداً من الوظائف، يبرز سؤالٌ عريض مفاده «هل نحن مستعدّون؟».
يؤكّد البنك الآسيوي للتنمية في دراسة أجراها في العام 2014 أنّ من أهمّ الاستراتيجيّات التي يُمكن استخدامها في تشجيع الابتكار في التعليم هو تعميق مُشارَكة أصحاب العمل، وهو ما لا يُمكن تحقيقه إلّا من خلال توسيع رقعة التعليم التقني والمهني بصفته القادر على تحقيق ذلك من خلال مَناهجه التي تُوازِن بين العلوم التطبيقيّة والعلوم الاجتماعيّة والإنسانيّة ومتطلّبات سوق العمل.
ويوضح خبراء أنّ الوظائف التي ستخلقها التكنولوجيا ستكون «قصيرة الأمد»، مشيرين إلى أنّ «المشكلة تكمن في مدى قدرة العمّال الحاليّين على التعامُل مع هذا النّوع من الوظائف التي ستظهر مستقبلاً».
وتقول الدراسات إنّ 6 من أصل كلّ 10 أشخاص لا يملكون أيّ خبرة في التعامل مع تكنولوجيا المعلومات والاتّصالات، في وقت ارتفعت فيه حصّة الوظائف المُتطلّبة للمهارات التقنيّة بـ25 في المائة خلال الأعوام العشرين الماضية.
في هذا السياق ينصح شواب (رئيس منتدى دافوس)، الدولَ بأن تتكيّف بشكل أفضل مع «الثورة الرّابعة» وأن تكثِّف استثماراتها في التعليم والوظائف الآمنة مستقبلاً. وفي المنتدى ذاته تقول جينيفر دودنا ( من جامعة بيركلي في كاليفورنيا) «نرى تقارُباً مشوّقاً بين التحرير الجيني ومعرفة تسلسل الحمض النووي، الحكومات تقوم بدَورٍ مُهمّ في تمكين الاستخدام الآمن والفعّال للتكنولوجيا»، فيما يؤكِّد جون كابات زين (من جامعة ماساشوستس الأمريكيّة) «علينا أن نتحمّل جميعاً المسؤوليّة على كلّ مستويات المجتمع، عن التكيّف مع هذه التحدّيات التكنولوجيّة التي تُعيد تشكيل معنى أن تكون جزءاً لا يتجزّأ من هذا العالَم».

  • المقال ينشر بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي