بناء الأوطان.. التعليم هو القضية وهو الحل

إميل أمين – كاتب مصري –
emileamen@gmail.com –

أحد أهم الأسئلة المعاصرة المطروحة في عالمنا العربي في حاضرات أيامنا هو ذاك المتعلق بأنفع وأرفع السبل من أجل بناء أوطان عربية عصرية، قادرة على المجاوبة عن سر الصعود إلى الذرى، ذاك الذي خبرته أمم وشعوب كثيرة من قبلنا، ولا نزال نحن نتساءل لماذا يتقدم هؤلاء ونتأخر نحن؟!

الشاهد أن كثيرين قد قدموا اجتهادات قيمة في هذا الإطار وأن بقي هناك متسعا لتعددية في الرأي، وتنوع في الرؤى والطروحات، ولعل من أفضل ما قرأ المرء مؤخرا ما جاد به الكاتب والأكاديمي والمفكر الدكتور «علي النعيمي»، في كتابه «الدولة الوطنية.. صناعة النهوض».
يخبرنا البروفيسور النعيمي أن التعليم هو أولى خطوات بناء الوطن، وهو جوهر تكوين المواطن، وهو الاستثمار الحقيقي الذي تقوم به الدول لترسيخ أركانها وتعظيم قدرات شعبها لأنه يركز على أهم ما تملك الدول وهو الإنسان، الذي يطلق عليه عادة «رأس المال البشري»، لأنه اعظم ثروة واعظم رأسمال تملكه الدولة.
تقتضي حالة الوطن العربي في حقيقة الأمر الكثير من المصارحة حتى نصل إلى درجة خلاقة من المصالحة تلك التي تدفعنا في اطر بعيدة من النجاحات، وفي مقدمة المكاشفات التي لابد منها الإقرار بأن هناك خلل جسيم في العملية التعليمية في عالمنا العربي، خلل يعتبره الدكتور النعيمي يمثل أكثر الأزمات التي أعاقت تقدم كثير من الدول العربية والإسلامية، فقد ارتبكت النخب المثقفة في عديد من الدول وتشتت بين التمسك بالماضي والتطلع للمستقبل، بين ما تعتبره أصالة لابد أن تحافظ عليها، وما تعتبره معاصرة من الضروري أن تلحق بها، وهذا الارتباك والتشتت لا يزالان موجودين منذ الحملة الفرنسية على مصر والشام، في نهاية القرن الثامن عشر، حينها اكتشف العرب والمسلمون أن أوروبا حققت قفزات في مضمار الحضارة لم يكونوا يحلمون بها، وظهرت لديهم التكنولوجيا الحديثة ممثلة في الآلات العسكرية، أو المدنية مثل الطباعة واجهز الاتصال وغيرها.
هل هي ثنائية التشارع والتنازع الكامنة في العقل العربي طوال القرن الماضي، والتي تبدو ظاهريا لا حل لها، وكأنها صراع «سيزيفي» ما بين الأصالة والمعاصرة، الاستشراق والتغريب، السلف والخلف؟
ينهي الدكتور النعيمي حالة الجدل الدائرة في العقلية العربية بالإشارة إلى انه منذ ذلك الحين والعرب والمسلمون حائرون بين الماضي بكل أمجاده وعظمته، الحاضر بكل تراجعاته وتخلفه والمستقبل الذي لا يعرفون كيف يعبرون إليه..
ومن هنا تأتي أزمة التعليم في معظم المجتمعات العربية والإسلامية.
الأسئلة في واقع الأمر عديدة وحائرة بدورها.. فهل يركز التعليم على الماضي الحضاري بكل ما فيه من تألق وعظمة، وعلى التراث الفقهي الفكري، وعلى التاريخ أم يكون التركيز على فهم الحاضر والانطلاق إلى المستقبل؟
أم يتم المزج بين الاثنين؟
وإذا تم المزج فبأي نسبة؟
وبأي مكونات يكون ذلك المزج بين الماضي والمستقبل؟
يجمل صاحب هذا المؤلف الشيق الحال بالنسبة للعملية التعليمية في العالم العربي بالقول: إن المجهودات تشتت في الإجابة عن الأسئلة المتقدمة وتنوعت اختياراتها بين الماضي والحاضر والمستقبل، وانحازت غالبيتها للماضي مع قليل من الحاضر وغياب شبه تام للمستقبل، وهذا هو السبب الرئيسي في عديد من المشكلات والأزمات التي مر بها العالمان العربي والإسلامي.
ما هي الخطيئة الأصلية إن جاز التعبير التي أدت إلى هذا المصير التربوي والتعليمي العربي في المائة عام الماضية على أقل تقدير؟
في نظر المفكر الدكتور النعيمي أن هناك صراعا دار بين منظورين، تعليم القيم والأفكار من جهة، وتعليم المعلومات من جهة مقابلة، وبشيء من التوضيح يمكن القول: إن مناهج التعليم في معظم الدول العربية والإسلامية قد اعتمدت على حشو أكبر كم من المعلومات في كل موضوع من موضوعات المنهج، وكأن الهدف الأعلى للتعليم هو المعلومة في حد ذاتها، ولذلك كان التلاميذ والطلاب يحفظون المناهج، حتى وإن لم يفهموا دلالاتها ومعانيها، أو يكتسبوا مهاراتها. أو يستنبطوا قيمها ويتمثلوا أفكارها.
المشهد المتقدم كارثي لأن نظاما تعليميا يقوم على المعلومة ويحول الإنسان إلى مجرد آلة حافظة غير قادرة على التفكير أو التوليد أو الابتكار، إلا من رحم ربي، بتدخل عوامل أخرى في تربيته وتعليمه.
هذا النظام التعليمي – للأسف – كان سائدا في مناهج المجتمعات العربية والإسلامية. ولا يزال في الغالبية العظمى منها، ولذلك تراجع التعليم وتخلف في كثير من القطاعات، وتراجعت الجامعات العربية في سلم التصنيف العالمي، وتراجعت جودة التعليم في معظم المجتمعات العربية والإسلامية.
كالطبيب النطاسي يقدم الدكتور النعيمي وصفة العلاج ولا يقتصر دوره عند مرحلة تشخيص المرض فحسب، إذ يذهب إلى أن التخطيط لدخول المستقبل بجدارة وتنافسية يستلزم الانتقال من التركيز على المعلومة في المناهج إلى التركيز على الفكرة والقيمة والمهارة، لأن المعلومات متاحة بضغطة زر على الحاسوب، فلم يعد الحصول على المعلومة مشكلة في حد ذاته، لأنها متاحة بصورة تفوق قدرات العقل البشري على التحليل والتفكيك والتركيب والفهم، وإنما التحدي الحقيقي للنظم التعليمية الحديثة يكمن في تعليم الفكرة والقيمة والمهارة، هذا الثلاثي الذي تقوم عليه المجتمعات الحديثة التي تعتمد على الأفكار الإبداعية والقيم الحضارية والمهارات الابتكارية.
ما الذي تحتاج إليه النظم التعليمية في عالمنا العربي؟
من خلال خبراته التراكمية كأكاديمي يرى الدكتور النعيمي أن دولنا في حاجة إلى إعادة هيكلة كاملة، تحول المناهج من الاهتمام بالمعلومات إلى الاهتمام بالأفكار والقيم والمهارات، وهذا يتطلب بناء مناهج جديدة تعتمد على فلسفة المعايير والمخرجات، وليس على الحشو المعلوماتي، ويتطلب كذلك تكوين معلمين قادرين على تنفيذ تلك المناهج، وتحويل المعايير والمخرجات إلى موضوعات وأنشطة وتطبيقات، وهذا النوع من المعلمين يحتاج إلى وجود مؤسسات تعليم عالية، وكليات تربية حديثة تعلم طرق التدريس والمناهج الحديثة، ووسائل الاختبار والتقويم الحديثة، وهذا بدوره يستلزم ثورة تعليمية في العالم العربي والإسلامي، تعيد للتعليم والمعلم رونقهما ومكانتهما وجاذبيتهما في المجتمع، وتضعهما في الصف الأول من نخبة المجتمع، لأنهما يصنعان ويشكلان اهم مكونات المجتمع، فالمعلم هو المسؤول الأول عن مستقبل المجتمع والدولة وامنهما، وهو الذي يؤتمن على أغلى ما يملك المجتمع. سطور الدكتور النعيمي الأخيرة تقودنا لاسترجاع الحوار الذي دار قبل بضعة أعوام بين المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وبين أطباء ألمانيا بعد أن رفعت رواتب المعلمين في ألمانيا لتضحى أعلى رواتب، بل وأعلى من كافة وظائف الدولة بما فيها من الأطباء، وساعتها اعترض الأخيرون معتبرين أنهم يفوقون مكانة المعلمين، لذا جاء رد ميركل قويا حاسما وحازما إذ أخبرتهم أنها لا يمكنها أن تساوي بينهم وبين المعلمين المؤتمنين على عقول النشء الألماني، والذين من دونهم لن يكون لألمانيا أطباء أو عسكريون مرورا بكافة الوظائف المعروفة.
عطفا على ما تقدم فإن هناك جزئية أخرى يطرحها الكتاب بين سطوره وهي أن التعليم الهادف لتمكين المجتمع والدولة من الدخول إلى المستقبل بقوة وعزم وجدارة يجب أن يكون متناسبا مع القدرات التي يحتاجها الإنسان في المستقبل، وهذه القدرات هي:
أولا: منظومة قيم إنسانية راقية تجعل الإنسان نموذجا يحتذى به، ومثالا يتطلع الآخرون إليه، وقدوة لكل من يعرفه وهذه القيم تبدأ بالقيم الحضارية الشخصية، ثم القيم الجماعية، ثم قيم العمل والتعايش والتسامح والسلام العالمي.
وثانيا: قدرة الإنسان على فهم الأفكار واستخلاصها وتوليدها بما يجعل الإنسان قادرا على تقديم حلول ابتكارية لكل ما يواجه مجتمعه والإنسانية من تحديات.
وثالثا: مهارات مبدعة تجعل الإنسان فاعلا ومتفاعلا، وموهوبا في أي مجال من مجالات الحياة، إذا تحققت هذه الثلاثية فنحن أمام نظام تعليمي يقود المجتمع والدولة نحو مستقبل مشرق سعيد. من بين أهم وأجمل ما في الجزء الخاص بالتعليم في كتاب «الدولة الوطنية وصناعة النهضة»، هو ذاك المتعلق بتعليم التسامح وتعليم الكراهية.
يكتب المؤلف: إن الإنسان يولد صفحة بيضاء من دون معرفة، والمجتمع بعد ذلك من خلال التعليم يقوم بتشكيل عقل ذلك الإنسان، وحسب ما يغرس في عقله، ويرسم في نفسه تكون النتيجة تلقائية، فإذا تعلم الإنسان التسامح والمحبة والسلام في صغره كان إنسانا متسامحا ومسالما عندما يشب ويكبر، والعكس بالعكس، لذلك فإن الحديث عن غرس قيم التسامح والسلام ومحاربة التطرف والعنف والإرهاب يجب أن تبدا من التعليم.
لكن ما الذي يقصده الدكتور النعيمي بلفظة التعليم في هذا السياق؟
ربما المعنى هنا أوسع وأعمق من مجرد المؤسسات التعليمية على اختلاف مراحلها، إنه يرمي إلى جميع المؤسسات التي تشكل عقل الإنسان ونفسيته، وعلى رأسها المدرسة والجامعة ثم باقي المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، من الأسرة إلى دور العبادة وغيرها، جميعها مسؤولة عن تنشئة الإنسان وإكسابه الثقافة والقيم التي يحيا بها ولها في المجتمع، ولذلك كل ما تضخه هذه المؤسسات في الإنسان سوف يحدد سلوكه المستقبلي، إما أن يكون متسامحا مسالما إيجابيا يسهم في بناء الحضارة الإنسانية، وإما أن يكون مغلق العقل متطرفا وعنيفا أو إرهابيا، لذلك لابد أن تنظر المجتمعات جميعها إلى التعليم على اعتبار أنه أول خطوط الدفاع عن المجتمع، والمؤسسة السيادية الأولى، وأولى قلاع الدفاع عن الأمن القومي للدولة الوطنية، ولابد أن يعطى التعليم الأولوية الأولى في الاهتمام، وفي الميزانيات.
ولعل الحقيقة والخلاصة الجذرية لسطور هذا الجزء من الكتاب المبدع للدكتور النعيمي هي أن الإقرار بحقيقة أن التعليم هو المسؤول الأول عن تحقيق التسامح والسلام، أو الكراهية والعنف والإرهاب، يدفع جميع المجتمعات إلى القيام بخطوات جريئة في إصلاح التعليم، وإعادة النظر في بنية المناهج بصورة دوية، وتحقيق مراجعات دائمة في مناهجها وما تحويه من قيم ومعاير وأفكار وتوجهات سلوكية، ولعله من بشرى الخير أن هناك دولا عربية عديدة قد بدأت مؤخرا تأخذ خطوات قوية وغير مسبوقة في مضمار إصلاح نظمها التعليمية.