نوافذ :المحددات: «الفطرة، الدين، القيم»

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

يبدو لي؛ وفق هذه المناقشة فقط؛ أن هناك محددات ثلاثة يمكن القياس عليها في حالة النظر في تقييم معظم السلوكيات التي نتبادلها بيننا، سواء تلك المؤدية إلى نتائج إيجابية، أو تلك المؤدية إلى نتائج سلبية، هذه المحددات الثلاث؛ من وجهة نظر شخصية فقط؛ هي: (الفطرة، الدين، القيم) وتظل هذه المحددات الثلاثة، هي التي يحتكم إليها الناس في جميع سلوكياتهم المتبادلة، قد يظهر أحدهما على الآخر في بيئة اجتماعية ما، وقد يظهر أكثر من واحد في بيئة ثانية، وقد لا يكون لأي منهما أثر؛ أيضا؛ في بيئة ثالثة، وقد تتوازى الثلاثة في صياغة سلوكيات الناس وفق نسبية ضئيلة لا تكاد يعتمد عليها للجزم بتأثيرها جملة واحدة؛ إلى حد ما؛ لأن هناك عوامل أخرى تربك هذه الثلاثة، مما يؤدي إلى تصدع العلاقات بين الناس، وهذا ما نعيشه على الواقع.
لذلك ترى في تجارب المجتمعات المختلفة، هذه السياقات الثلاثة تكاد تكون متباينة إلى حد ما، وتأثيراتها متباينة كذلك، وإيمان الناس بها كذلك متباين إلى حد بعيد، ولعل الثقافة التي تفعّل نشاط مجتمع إنساني معين، غيرها تلك التي تفعّل نشاط مجتمع إنساني آخر، فهذه الثقافات في تقديري تربك هذه المحددات الثلاثة إلى حد كبير، في الوقت نفسه أن هناك ثقافات متوارثة ولكنها غير ثابتة، وذلك انعكاس لحركة الأجيال، ومدى إيمانها بما تنتجه من ثقافات، وما تؤمن به كذلك، فجل الأجيال لا تأخذ ثقافة الأجداد وممارساتهم هكذا بالجملة، حيث تكون هناك عمليات من التصفية، والانتقاء، والتغيير، والتبديل إلى الحد الذي يشوه الأصل، ولعل هنا محدد الـ «القيم» هو المتأثر الأكبر من عمليات التصفية هذه، وفق هذا الفهم.
يعيدنا الطرح هنا إلى الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» – وفق النص – فالتأثيرات الجانبية لها دور كبير في إرباك عمل هذه الأسس، أو المحددات المؤثرة على سلوكيات الناس، وخاصة محدد الـ «فطرة» وهي تأثيرات على قدر كبير من الأهمية، ويجب أن تؤخذ مأخذ الجد عند تقييم سلوكيات الناس، وأثرها على الواقع، ولا ينظر إلى المحدد بتجرده التام، وإلا أسقطنا كل التقييمات في هذا الجانب في موضع الإخفاق، وهذا ما لا يجب قبوله إطلاقا، وأتكلم هنا عن الفئة القادرة على التمييز بين هذه المحددات الثلاثة، ليست كمفاهيم عامة فقط، وإنما كمفاهيم لها معاني اصطلاحية مختلفة، لغة، وشرعا، وقانونا، ومعرفة، صحيح هذه التمييز يحتاج إلى مستوى معين من المعرفة؛ لا يملكه كل الناس؛ ولكن من يملك هذه القدرة على التمييز، عليه أن لا يتماهى مع العامة، وأن يكون له موقف محدد عند الحديث عن تأثير أي من هذه المحددات على سلوكيات الناس، وأنشطتهم، وإلا أصبح الأمر، كما يقول المثل: «اختلط الحابل بالنابل» وهذا أمر لا يقبل البتة.
كثير من التقييمات العامة تذهب سريعا إلى الدين، أو القيم، حيث يكونان الأقرب إلى الفهم، ويتناسون المحدد الثالث «الفطرة» وهي الأهم في تقديري، وإلا لما أشار إليها نص الحديث أعلاه، وجعلها مرتكزا رئيسيا للحكم على نصاعة السلوك، ومن ثم أتت العوامل الأخرى الجانبية لتحييد بهذه الفطرة على مسارها الصحيح، فتربك؛ في المقابل؛ نتائجها بعد ذلك على مجمل سلوكيات الناس، من دين، وقيم، مع أن كل هذه المحددات الثلاثة قابلة للتأثر، والتوظيف فيما بعد حسب ما يطوعها صاحبها وفقا لمصالحه، وتحقيق مآربه، وهذه إشكالية موضوعية عند كل البشر، على اختلاف أجناسهم، ومشاربهم، وبيئاتهم.