الطفـــــــولة رعاية وتشـريعات إسـلاميـة رائـدة

مسؤولية عظمى –
حمود بن عامر الصوافي –

«علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أن نهتم بالطفل وأن نحرص على تعليمه القرآن الكريم وتدريسه مختلف علوم الحياة لينشأ نشأة علمية وتكون لديه مهارة مهنية وأخلاق عالية وتطبيق لمبادئ الإسلام. فالاهتمام بالأولاد ليس من الكماليات أو مما يحبذ فعله على ولي الأمر بل هو من صميم الدين الإسلامي والأب عليه مسؤولية عظمى تجاه أبنائه فلا يقتصر دوره على شراء الحاجيات والطعام والشراب بل عليه أن يعينهم ويشجعهم على المدرسة وأداء واجباتهم وحفظ القرآن وأن يضع كل الاعتبارات والظروف التي تسهم في تحسين أدائهم لأنه مسؤول عنهم بين يدي الله تعالى يوم القيامة».

لم يترك الإسلام شاردة ولا واردة إلا التفت إليها ووضحها وبينها بيانا شافيا، قال تعالى:«مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ»، أو ترك نصوصا جامعة شاملة يمكن للعلماء أن يجتهدوا فيها وينظروا في مآلاتها ويستنبطوا أحكامها على حسب الظروف والأماكن والمصالح المرسلة، قال تعالى:« فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا». لذا حرص الإسلام كل الحرص على كل ما يتعلق ببني الإنسان لا سيما عالم الأطفال المليء بالمفاجآت والمعجزات، فمنذ أمد بعيد وهو يحث الآباء والأمهات ويرشدهم قبل الإنجاب وتكوّن الجنين في بطن الأم، فاهتم بالأساسيات وأقام صرح الأسرة المتين قبل تكوّنها والتحامها فحث على اختيار الزوج الصالح والزوج الصالحة لأنهما الأسس التي ينبغي أن يتخيرها المرء حال عزمه على الزواج أو رغبته في الاقتران بالمرأة، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «تنكح المرأة لأربع: لجمالها، ومالها، وحسبها، ودينها فعليك بذات الدين والخلق، تربت يداك».
لقد جعل النبي صلى الله عليه وسلم الدين والخلق أساس المودة والعلاقة المتينة والتربية العالية، وترك ما يتفاخر به الناس ويبذلون التبر والدينار للحصول عليه وهو زائل فان لا محالة فما فائدة جمال دون خلق؟ وما فائدة حسب ونسب دون دين؟ وما فائدة مال دون التزام؟
فلا ريب أن أي زائل مصيره الزوال القريب العاجل، سيذهب الجمال في ومضة عين، وينتهي المال أو ينفد في لحظات وماذا سينفع النسب والحسب يوم القيامة وقد قال الله تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم)، وقال: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ)، وقال أيضا: (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ، وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ، يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ، مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ، هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ، خُذُوهُ فَغُلُّوهُ، ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ، ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، فما الفائدة من التماهي والجد في الحصول على شيء فان زائل سوى التعب والضناء في الدنيا والآخرة؟
ومن اهتمام الإسلام بالطفل أيضا أنه وجه المرء في أدق تفاصيل المولود، فأمرنا أن نختار له اسما مناسبا له فلا نسميه إن كان ذكرا اسما لينا يبعث فيه الأنوثة والميوعة ولا اسما قاسيا يؤدي به إلى العنف والقتل والتعدي على الآخرين بل ننتقي له الأفضل ونختار له الاسم المهذب المرتبط بمعان جميلة ومبادئ سمحة كعبد الله وعبد الرحمن وغيرها من الأسماء، فقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الأسماء عبدالله وعبدالرحمن ونحو هذا، وأصدق الأسماء الحارث وهمام، حارث لدنياه ولدينه، وهمام بهما. وشر الأسماء حرب ومرة»، وروي عن سبرة بن أبي سبرة: أن أباه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما ولدك؟ قال: عبد العزى وسبرة والحارث فقال: لا تسم عبد العزى فسماه عبد الله ثم قال: إن خير الأسماء عبد الله وعبد الرحمن ودعا له ولولده فلم يزالوا في شرف إلى اليوم».
ومن طريف ما روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه غيّر أسماء كثيرة من أولاد الصحابة فذاك الذي أراد أن يسمي ابنه صخرا غيّره إلى حسن، ليحسن خلقه ودينه، وآخر اسمه قليل غيّره إلى كثير ليسمو وتعلو همته، وآخر اسمه أسود سماه أبيض؛ ليكون أبيض القلب والجوارح وأبيض الظاهر والباطن، وآخر اسمه السائب سماه عبد الله؛ ليعبد الله تعالى حق العبادة، وآخر اسمه العاصي سماه المطيع ليطيع ربه في كل حين وآن.. الخ الأسماء التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم وقصد منها المعاني الجميلة الرائعة المحفزة الطموحة، والمعينة على مكارم الأخلاق لا كما يفعل بعضهم اليوم يختارون أسماء لا صلة لها بديننا ولا أمجادنا ولا هويتنا؛ وإنما مجرد تقليد أعمى واتباع أرعن للمشاهير ولو كانوا على غير ملة الإسلام أو من أضعف خلق الله تعالى دينا.
وقد علمنا كذلك النبي صلى الله عليه وسلم أن نهتم بالطفل وأن نحرص على تعليمه القرآن الكريم وتدريسه مختلف علوم الحياة لينشأ نشأة عليمة وتكون لديه مهارة مهنية أخلاق عالية وتطبيق لمبادئ الإسلام.
وأمرُ الاهتمام بالأولاد ليس من الكماليات أو مما يحبذ فعله على ولي الأمر بل هو من صميم الدين الإسلامي والأب عليه مسؤولية عظمى تجاه أبنائه فلا يقتصر دوره على شراء الحاجيات والطعام والشراب بل عليه أن يعينهم ويشجعهم على المدرسة وأداء واجباتهم وحفظ القرآن وأن يضع كل الاعتبارات والظروف التي تسهم في تحسين أدائهم لأنه مسؤول عنهم بين يدي الله تعالى يوم القيامة؛ فلا ينبغي للأب أن يطلب من أولاده الحقوق وهو يتناساها في غمرة الحياة ولا يجوز له أن يعمل مع أبنائه كالتاجر فلا ينفعهم إلا بما يترجّى نفعه منهم بل لينفق من أجل تعليمهم وإصلاحهم ولا ينتظر العوض إلا من الله تعالى وليبذل الجهد لاختيار أفضل الأسماء لهم وانتقاء الأفضل فالأفضل من الألقاب الحسنة فقد روي عن أحدهم في هذا الشأن أنه جاء يشتكي من عقوق ابنه بين يدي الخليفة الفاروق عمر ابن الخطاب، فقال عمر ابن الخطاب للولد ما بالك عققت أباك ولم تحسن إليه فقال الفتى: يا أمير المؤمنين أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: أن ينتقي أمه ويحسن اسمه ويعلمه الكتاب. قال الولد: يا أمير المؤمنين إن أبي لم يفعل شيئاً من ذلك. أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي وقد سماني جعلاً (أي خنفساً) ولم يعلمني من الكتابة حرفا واحدا. فالتفت عمر إلى الرجل وقال له: جئت إلي تشكو عقوق ابنك وقد عققته قبل أن يعقك وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك. فكان لوم عمر للوالد أشد من لومه لولده والسبب في ذلك أن الأب هو من صنع الولد وتركه إهمالا يجرّئه على عصيانه والنيل منه.
فأراد عمر أن يضع النقاط على الحروف والأحكام في مقامها الصحيح الذي لا مرية فيه ولا تزلف ولا تملق للآخر ويجعل المسؤولية شراكة بين الجميع وكلما كبر الإنسان توجب عليه أن يسأل عن واجباته أكثر من غيره لمعرفته وعلمه بالحكم دون سواه.
ولو أن كل أب حافظ على أولاده وأسرته وأمعن النظر في حاجاتهم لخرج لنا جيل يخشى الله تعالى ولا يتهم في ريبة أو كفر أو معصية بل علينا أن نضع الأمور في نصابها وأن نهتم بأولادنا كاهتمامنا بأنفسنا وأكثر، ليكون جيل المستقبل على بالنا ومحور حديثنا لا نتسرع في أخذ المواقف أو النظر فيها أو تغيرها كما يجب علينا أن نشارك أبناءنا ولا نقتصر في دورنا التعليمي على تلقينهم الدرس في البيت أو المدرسة بل نعمق فيهم حب المعرفة ونجعلهم جريئين في المناقشة والاستفسار العميق ليكونوا أداة بناء في المستقبل يسيّرون كفة هذا العالم نحو الخير والأمن والسلام. كما ينبغي أن نوجه أبناءنا ونحفزهم على الإبداع واكتشاف طاقاتهم وذواتهم ومواهبهم فللأطفال طاقات خارقة قل استعمالها أو الانتباه والتنبه إليها فيجب أن تضع في سياقها وإلا ضاعت وأصبح الطفل قرين الإهمال والضياع فلا يدري أن يتوجه ولا يعرف كيف يمضي.
فإذا نحن اهتممنا بالأطفال ودربناهم على شيء معين مفيد فإننا استطعنا أن نزرع فيهم الأمل والجرأة في مواجهة الجمهور والتغلب على الخصوم فليكن ديدننا المتابعة والتشجيع والمناقشة ورفع قيمة الأولاد؛ فنوجههم نحو الأمل القادم ليكونوا أداة طوعية لأهلهم واحتراما وتقديرا لغيرهم وعلى الولي أن يكون واعيا في مساعدته لأبنائه وتقديم أفضل البرامج والسبل لنجاحهم قال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).