النفقة على المطلقة ثلاثا وبيع النخل قبل التأبير والتسوية في العطية بين الأولاد «نكاح الشغار».. اتفق العلماء على عدم جوازه واختلفوا في فسخه وبطلانه

«تبصير العقول بعلم الأصول» يعرض مسائل فقهية اختلف فيها العلماء –
قراءة: سالم الحسيني –

ورد في كتاب «تبصير العقول بعلم الأصول» لمؤلفه د. سليم بن سالم بن سعيد آل ثاني بعض المسائل التي اختلف فيها الفقهاء بناء على الخلاف في بعض القواعد الأصولية ومن ذلك:

النفقة على المطلقة ثلاثا:

من المسائل والتفريعات الفقهية التي اختلف فيها فقهاء الأمة الإسلامية وتعددت فيها آراؤهم مسألة النفقة على المرأة المطلقة ثلاثا إذا كانت غير حامل، هل يلزم مطلقها بالإنفاق عليها إلى حين انتهاء عدتها أو لا يلزم ذلك؟

وقد ورد في هذا الكتاب أن من أسباب اختلافهم في هذه القضية هو اختلافهم في مسألة أصولية، وهي الأخذ بعموم المخالفة فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة الطلاق: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) حيث نصت الآية الكريمة على وجوب الإنفاق على المطلقة ثلاثا إن كانت حاملا وقد اتفق الفقهاء على ذلك بناء على ما صرحت به الآية الكريمة حيث يخاطب المطلق بالإنفاق على مطلقته في هذه الحالة حتى تضع حملها واختلفوا فيما إذا كانت هذه المطلقة حائلا – أي غير حامل – فذهب فريق من الفقهاء إلى عدم وجوب الإنفاق عليها، فلا يكلف المطلق بذلك بينما ذهب فريق آخر إلى وجوب الإنفاق عليها. فمن قال بعدم وجوب ذلك احتج بمفهوم المخالفة المستفاد من الآية الكريمة وبيان ذلك أن الله تعالى أتى بصيغة الشرط : (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) حيث شرط الإنفاق على هذه المطلقة كونها ذات حمل وهذا هو منطوق الآية فيفهم منه أنها إن كانت غير حامل فلا ينفق عليها، أي لا يخاطب ولا يكلف المطلق بالإنفاق عليها في أثناء عدتها حيث أصبحت أجنبية عنه.
وأما من قال بأن المطلقة ثلاثا يجب على مطلقها أن ينفق عليها سواء كانت حاملا أو غير حامل فإنه يذهب إلى عدم الأخذ بمفهوم المخالفة وعليه فإن قول تعالى: (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ) تدل بمنطوقها على وجوب الإنفاق على المطلقة ثلاثا إن كانت حاملا أما غير الحامل فإن حكمها مسكوت عنه، فالآية لم تتعرض لحكم هذه المسألة لكننا نقول – أي أصحاب هذا المذهب – إن وجوب النفقة عليها جاء استصحابا للأصل، فالزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته لكونها محتبسة لحقه، فهكذا بعد الطلاق تبقى محتبسة لحقه ما دامت في عدتها منه، إذ هي في أثناء العدة لا يجوز لها الزواج من شخص آخر، فلهذا السبب قلنا أنه – المطلق – مخاطب بالإنفاق عليها إلى حين انتهاء العدة.

بيع النخل قبل التأبير:

وأشار الكتاب إلى أن مما وقع فيه الخلاف بين الفقهاء وكان مبنى اختلافهم هو اختلاف الأصوليين في الأخذ بمفهوم المخالفة هو مسألة بيع النخل قبل التأبير هل ثمرتها تكون للمشتري أم للبائع؟
وهنا وقع الخلاف بين الفقهاء فالذي عليه جمهور الفقهاء كما يقول الإمام السالمي – رحمة الله عليه – إن من باع نخلا وعليها ثمرة مؤبرة فإن تلك الثمرة لا يشملها البيع بل هي ملك للبائع ما لم يشترطها المشتري، ويترك الثمر في النخل إلى الجذاذ ويفهم منه أن الثمرة قبل التأبير للمشتري تبعا للأصل فهي داخلة ضمن النخيل التي تم بيعها إذ هي جزء منها فهؤلاء اعتبروا بمفهوم المخالفة. بينما ذهب فريق من الفقهاء إلى أن ثمرة تلك النخيل هي ملك للبائع سواء وقع البيع قبل التأبير أم بعده، فإن الثمرة غير النخلة، وقد وقع البيع على النخلة فقط، وكان محور الخلاف حول مفهوم الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من باع نخلا قد أبّرت فثمرتها للبائع إلا أن يشترطها المشتري) حيث فهم الفريق الأول انه يفهم من الحديث الشريف أن البائع لو باع تلك النخيل قبل أن يقوم بتأبيرها ثم أبّرت بعد البيع فإن ثمرتها للمشتري عندئذ. وفهم آخرون أن الحديث السابق لا يدل على أن المشتري يملك تلك الثمرة فيما إذا بيعت النخيل ولم تؤبّر.

غسل المرفقين:

وأوضح آل ثاني في كتابه أن من الفروع الفقهية التي وقع الخلاف فيها بين فقهاء الأمة وأصل اختلافهم مرجعه إلى قاعدة أصولية في مسألة غسل المرفقين مع اليدين في الوضوء، هل يجب على المتوضئ أن يغسل مرفقيه مع اليدين أو أنه مخاطب بغسل ما دون المرفقين ولا يدخلان في الوجوب حيث انه غير مخاطب بغسلهما؟
في هذه المسألة اختلف الفقهاء على قولين: ذهب بعضهم إلى عدم وجوب ذلك، فلا يخاطب المتوضئ بغسلهما، بينما ذهب فريق آخر إلى أن غسل المرفقين واجب شرعا وانهما داخلان في الغسل، وهذا هو قول جمهور الفقهاء، وسبب الخلاف دلالة الحرف «إلى» الوارد في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، فالحرف «إلى» في قوله تعالى: (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) يأتي بمعنى «مع» كما يأتي بمعنى انتهاء الغاية. فمن جعلها مفيدة معنى «مع» قال بوجوب غسل المرافق، إذ يصير معنى الآية يجب عليكم غسل اليدين مع المرفقين، أما إذا حملت معنى «إلى» أي أنها تفيد انتهاء الغاية ففي هذه الحالة ذهب فريق من الفقهاء إلى أن ما بعد «إلى» غير داخل فيما قبلها؛ لأن ما يجعل غاية للحكم يكون خارجا عنه كما في قوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فـ«إلى» في هذه الآية تدل على انتهاء الغاية وغاية الصوم هو حضور الليل ومن المعلوم أن المسلم غير مخاطب بصيام الليل بل يعتبر مفطرا بحلول أول جزء من الليل. ففي الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أقبل الليل من ها هنا، وأدبر النهار من ها هنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم» فهكذا الحكم بالنسبة للآية الكريمة (إِلَى الْمَرَافِقِ) فإن الحد الذي ينتهي إليه وجوب الغسل هو ما دون المرافق لأن ما بعد «إلى» لا يتناوله حكم ما قبلها. لكن جمهور الفقهاء لم يسلموا لهذا الفريق ما قاله، وردوا على وجه استدلاله، وذلك انهم قالوا: إن ما بعد «إلى» التي تفيد انتهاء الغاية يأتي على وجهين:
الوجه الأول: أن يكون من غير جنس ما قبله، فلا يدخل في الحكم حينئذ كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) فإن الليل الواقع بعد الحرف «إلى» ليس من جنس النهار، ولذلك لم يتناوله حكم وهو وجوب الصوم، فينتهي الصوم بحلول ذلك الليل. والوجه الثاني: أن يكون ما بعد «إلى» من جنس ما قبله كآية الوضوء فإن المرافق من جنس الأيدي، وفي هذه الحالة يتناوله الحكم كما يتناول ما قبل «إلى»، فالمرافق يجب غسلهما، وقد أيّد الجمهور مذهبهم بما روي عن نعيم بن عبدالله، قال: رأيت أبا هريرة يتوضأ فغسل وجهه فـأسبغ الوضوء، ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم يده اليسرى حتى شرع في العضد، ثم مسح رأسه، ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق، ثم غسل رجله اليسرى حتى أشرع في الساق، ثم قال: «هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ».

مسح الرأس في الوضوء

ومن المسائل الفقهية المختلف فيها بناء على قضية أصولية التي أشار إليها الكتاب مسألة مسح الرأس في الوضوء، هل يخاطب المتوضئ بمسح جميع رأسه أو أنه يكتفي بمسح بعضه ويعتبر مؤديا للواجب في هذا العضو حيث خاطبنا الله سبحانه في آية الوضوء بمسح الرأس حيث يقول: (وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) حيث انقسم الفقهاء في ذلك على فريقين: فريق يرى وجوب مسح جميع الرأس بينما يرى فريق آخر الاكتفاء بمسح بعضه. وسبب الخلاف: هل دلالة الباء في قوله تعالى: (بِرُءُوسِكُمْ) على الإلصاق ويراد بالإلصاق هو تعليق الشيء بالشيء وإيصاله إليه. فمن ذهب إلى أن الباء تفيد الإلصاق في هذه الآية الكريمة قال بعدم وجوب مسح كل الرأس لأن الباء إذا دخلت على المحل وهو الرأس هنا أي محل المسح فإنها لا تفيد الاستيعاب وهذا مذهب الحنفية وجمهور الإباضية، ومن ذهب إلى أن الباء هي للتوكيد فقد أوجب استيعاب مسح الرأس كما روي ذلك عن الإمام مالك بن أنس.
وذهب فريق من الفقهاء إلى أنه يجب مسح البعض من الرأس لكنه اعتمد على أن الباء في الآية الكريمة تدل على التبعيض أي امسحوا بعض رؤوسكم وليس للإلصاق، وممن اعترض على ذلك الإمام السالمي – رحمه الله – في طلعة الشمس ووجه الاعتراض أن حمل الباء على التبعيض يفضي إلى الترادف، فإن الدال على التبعيض هو حرف «من» ويراد بالترادف هو أن تتعدد الألفاظ ويتحد المعنى، مثل كلمة الأسد، والليث والهزبر فإنها ألفاظ متعددة لكن مدلولها واحد، وهو ذلك الحيوان المفترس المعروف، وقد وضعت العرب كل حرف من حروف الجر ليدل على معنى، فالباء وضعت لتدل على الإلصاق، و«من» تدل على التبعيض، و«إلى» لانتهاء الغاية، وهكذا بقية الحروف كل حرف وضع بإزاء معنى من المعاني. فلو قلنا بأن الباء في الآية تدل على التبعيض لكانت مؤدية معنى تدل عليه «من» وهو التبعيض فتعدد اللفظ واتحد المعنى، كما أن القول بأن الباء للتبعيض يؤدي إلى القول بالاشتراك، ويقصد بالاشتراك هو دلالة اللفظ على اكثر من معنى والأصل في اللفظ عدم الاشتراك، أي دلالته على معنى مفرد فقط، فلو قلنا أن الباء في الآية الكريمة تدل على التبعيض لترتب على هذا القول أن الباء وضعت لتدل على معنيين وهما الإلصاق والتبعيض، والأصل خلاف ذلك.

التسوية في العطية بين الأولاد

ومن المسائل التي حدث فيها الخلاف مسألة وجوب التسوية في العطية بين الأولاد وأصل هذه المسألة الحديث النبوي الشريف عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني أن رجلا يسمى بشيرا أتى بابنه النعماني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله أني نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أكل ولدك نحلت مثل هذا؟ فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تشهدنا إلا على حق» فقد أمره النبي الكريم أن يعدل بينهم في العطية وأن يسوي بينهم في الهدية، والأصل في الأمر أن يدل على الوجوب ما لم تصرفه قرينة، ذهب جماعة من الفقهاء إلى وجوب العدل بين الأولاد في العطية وأن ليس هناك قرينة معتبرة تصرف الأمر عن الوجوب إلى غيره، بينما ذهب آخرون إلى أن الأمر يحمل على الاستحباب لوجود القرينة وقالوا: إن التسوية في العطية مستحبة، فلو فضل بعض الأولاد على بعض صحت تلك العطية مع الكراهة وقد ذكروا لذلك عدة قرائن لم يسلم بها الفريق الأول واعترض عليها بأنها قياس في مقابل النص، فبما أن النص وهو الحديث الشريف السابق أوجب التسوية فلا مجال للقياس، لأن النص مقدم على القياس. وساق كل من الفريقين بعض الاستشهادات والقرائن ومن القرائن التي اعتمد عليها واعتبرها القائلون بالندب أن في بعض روايات الحديث ما يفسد أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره بالعدل على جهة الإرشاد لا على الوجوب، وبهذا يتبين أن القرينة التي تصرف دلالة الأمر عن الوجوب إلى غيره لم تكن محل اتفاق بين الفقهاء في قضية العدل بين الأولاد في العطية.

مسألة نكاح الشغار

ومن المسائل والفروع الفقهية التي تناولها الكتاب ووقع في حكمها الخلاف نكاح الشغار وهو أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوج له الآخر ابنته، وليس بينهما صداق وكذلك الأخت بالأخت، فقد روى الإمام أبو عبيدة عن جابر بن زيد عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الشغار، وروى الحديث كذلك الإمام البخاري ومسلم أبو داود والترمذي. واختلف العلماء في هذا التفسير هل هو مرفوع إلى النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أو هو عن ابن عمر عن غيره من رواة الحديث. لكن الإمام السالمي قال: الظاهر رفعه، أي إلى النبي صلى الله عليه وسلم وسمي هذا النوع من الزواج شغارا لكونه خاليا عن الصداق فهو زواج ليس فيه مهر. وقد اتفق الفقهاء على مختلف مذاهبهم على منع هذا النكاح وانه غير جائز شرعا. لكن لو وقع من بعض المسلمين فزوج أحدهما الآخر زواج شغار وتم العقد بينهما على هذا النهج وبهذه الطريقة فهل يترتب عليه فسخ العقد وبطلان النكاح، أو أن العقد يبقى على حاله ولا نحكم بفساده رغم النهي الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ذهب جماعة من الفقهاء إلى أن هذا الزواج غير باطل، ولا نحكم بفسخه بل نقوم بتصحيحه فنفرض لكل من المرأتين صداق المثل، بينما ذهب فريق آخر وهم الأكثر إلى عدم جوازه وانه عقد باطل ينفسخ به النكاح. وبما انه باطل فلا يمكن تصحيحه ولا يجوز الاستمرار عليه. وبناء على ذلك ترتب الخلاف بين الفقهاء فأصحاب القول الأول: ذهبوا إلى أن النهي لا يقتضي الفساد فلا ينتقض العقد ولا يلغى الزواج لكنهم أوجبوا مهر المثل، لأن العاقدين لم يذكرا ولم يسميا مهرا فوجب فرض المهر وتسميته ويعتبر في ذلك مهر المثل وأيد هؤلاء مذهبهم بأدلة منها: أن هذا النكاح قام على شرط فاسد والنكاح لا تبطله الشروط الفاسدة وما كان هذا شأنه صح به العقد ووجب به مهل المثل. أما أصحاب القول الثاني فقد اختاروا أن النهي يدل على فساد المنهي عنه ولذلك حكموا ببطلان هذا العقد وإلغاء هذا الزواج حيث ورد نص نبوي صريح في النهي عنه ولذلك فلا مجال للقول بصحته ولا بإبقاء العقد على حالته وقد أيّد هذا الفريق مذهبه بأدلة وحجج منها أن العباس بن عبدالله بن العباس أنكح عبدالرحمن بن الحكم ابنته وأنكحه عبدالرحمن ابنته وكان جعلا صداقا فكتب معاوية إلى مروان يأمره بالتفريق بينهما، وقال في كتابه: «هذا الشغار الذي نهى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم»