النسبية السياسية للحداثة!

محمد جميل أحمد –
نسبية الإنسان، بالرغم من كونها حقيقة واقعة من حيث؛ أن الإنسان محدود بالزمان والمكان واللغة، إلا أن تلك النسبية تضيق مساحتها إلى حد التطابق حين يرى الإنسان ذاته كذات مؤثرة وفاعلة عبر تهيؤات إرادة ذاتية لا ينقصها الخيال المطلق، أحياناً كثيرة.
بطبيعة الحال، سياقات وعي الإنسان بذاته وثقته في نفسه، ورؤيته لذاته والعالم تتفاوت بين فرد وآخر، ولكن الثقة الأصلية الكامنة في الذات العاقلة لكل فرد؛ هي ثقة تصور لصاحبها، باستمرار، تطابقاً ما إلى حد كبير في قدرته للتماهي بين ذاته تلك وبين الواقع، حين تغلب عليه تصوراته الرغائبية؛ فيرى العالم من خلالها خاضعاً لشروط تفاعلات أحاسيسه الوجدانية فقط،
وكلما كان الإنسان أكثر انفصالا عن الواقع، كانت تلك الثقة أعمق أثراً، وكلما كان قليل التجارب؛ تكون حدود ثقته بنفسه وقدرته على وعيه بها خاضعة لخطوط التطابق. وهكذا يظل الإنسان باستمرار عرضة للتقديرات الخاطئة في الأفكار والمواقف كلما كان على تلك الشاكلة.
ومن هنا كانت التجربة جزءا من التصحيح الذي يطوِّر أفعال الإنسان وردود فعله كلما مر بتجربة جديدة تعينه على تجاوز أخطائه السابقة.
إن هوية التربية الأساسية، إذاً، تكمن في الاكتشاف المستمر لقوانين قدرة الإنسان على تبيين الفروق التي تؤكدها له التجارب، أي بين وعيه لذاته وحدود نظرته الذاتية لقدرته على فعل الأشياء، وبين قدرته الحقيقية على التغلب علها.
ذلك أن الإنسان، ليس فقط هو الكائن الوحيد في هذا الكون الذي تعلمه التجارب، بل هو، كذلك، الكائن الوحيد الذي يمكن أن يكون قادرا على نسيان تلك التجارب، واستعادة الأخطاء ذاتها مرةً بعد مرة.
لقد أصبح الإنسان اليوم سيد العالم الحديث، وتصور أنه استقل عن السماء عبر الحداثة التي جعلته صانعاً لأقدراه (أو هكذا خيل له)، لكن، في الوقت ذاته، لا تعكس هذه السيادة اعتباراتها الأخلاقية بسوية واحدة بين البشر، أي لا تعكس قدرة الإنسان على أن يكون المعيار الأخلاقي لديه جزء من مقتضيات عقلنة الحياة ذاتها. فلا يكفي أن يتعقل البشر فكرة العدل والسلام والمساواة مثلاً، ثم يكونوا عاجزين عن تدبير القوة الأخلاقية والمادية التي تعمم مبدأ العدالة والمساواة بسوية واحدة للبشر!
لقد تُرك الأمر للفلاسفة والمفكرين الكبار الذين في إمكانهم؛ تعقل وتصور ممكنات يقدر البشر من خلالها على تعميم قيم العدل، لكن دائماً هناك نقص في المنظومة المؤسسة لفكرة العالم الحديث، بحيث تستطيع تلك المنظومة أن تتعقل أفكار عظيمة؛ كالسلام والعدل والمساواة والكرامة، لكن في الواقع، تتجسد تلك القيم على نحو مخصوص، أي في حدود التبادل الذي يعكسه مبدأ الندية المقارن في علاقات الدولة ـ الأمة؛ (دولة وستفاليا) التي ابتدعتها أوروبا هرباً من هول الحروب في امبراطوريات العالم المسيحي.
وإذا كان من شأن تأطير العالم الحديث ضمن هويته السياسية اليوم، أن يكون ذلك الشرخ مقيماً؛ من حيث العجز عن تعميم العدالة والسلام بسوية واحدة بين البشر، فإن الأخطر من ذلك؛ ما سيبدو دائماً في مرجعيات علاقات القوة ومبادئ العلوم السياسية التي تفسر علاقات القوة من نقطة غير أخلاقية أصلاً أي من نقطة مادية قائمة على تصور علاقات القوة وموازينها كما لو أنها قدراً لا غالب له ، بحيث حين يتصور المحللون السياسيون، مثلاً، فكرة المصالح المادية هي الأرجح في تفسير العلاقات الدولية دون أي تعليل، وبحيث يكون القانون الدولي هو الحلقة الأضعف في قوانين الحداثة السياسية المنظمة لعلاقات البشر من حيث أخذه في التنفيذ على محمل الجد.
وخير دليل يفسر ذلك هو علاقات القوة وموازينها التي أفرزت الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن العالمي عقب الحرب العالمية الثانية، ممثلاً في خمس أمم من أمم العالم، فقط، دون سائر الأمم. وما ترتب على ذلك من مبدأ حق «الفيتو» الذي يمكن عبره؛ تمرير الظلم والمجازر والفظاعات التي تطحن الضعفاء لحساب الأقوياء الخمسة في ذلك المجلس.
بكل تأكيد حققت البشرية في العالم الحديث جزءاً مهماً من حلم الفيلسوف الألماني الكبير إيمانويل كانط الذي بشر قبل قرنين بفكرة السلام العالمي بين البشر في يوم ما. لكن الشرخ المادي في فلسفة الحداثة السياسية، والإطار الدولي الذي يعكس تصور مبدأ السيادة في الحدود الوطنية لدولة وستفاليا سيظل باستمرار عاجزاً عن تحقيق مبدأ السلام والعدل والمساواة بسوية واحدة بين البشر.
هذا لا يعني، بطبيعة الحال، أن منظومة الدولة القومية الحديثة، منذ اتفاقية وستفاليا في عام 1648م لم تلعب دوراً كبيراً عقلنة العالم الحديث وتحويل أسباب الحروب إلى حروب زمنية، بعد أن كانت حروباً دينية طاحنة قبل وستفاليا. ولكن، في الوقت نفسه، لا ينفي إشكالية مأزق الحداثة السياسية وجذورها المادية التي هي، في تقديرنا، المانع الحقيقي في شل قدرة العالم الأول للبشر (أمريكا ـ أوروبا الغربية ـ أستراليا) عن تعميم القيم الإنسانية من حيث حاجة البشر كلهم إليها، كما دعا إلى ذلك فلاسفة كبار في ذلك العالم ذاته!