المحاكمة.. ومناورات معركة الانتخابات الأمريكية 2020

مروى محمد إبراهيم –

إن الإطاحة بترامب لن يكون بالسهولة التي يتوقعها الديمقراطيون، فشعبية الرئيس الجمهوري قوية حتى وإن ترنحت لفترة ما. فإنها في النهاية مضمونة. والكونجرس لن يجازف في أي مرحلة في إشعال الحرب بين أنصار ترامب وخصومه، ولذلك فلا بد من الحكمة في تحريك دفة الاستجواب وقياس موقف الشارع قبل المسارعة بإصدار الأحكام عليه.

قبل أيام، نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على حسابه على موقعي تويتر وانستجرام للتواصل الاجتماعي صورة لخريطة للولايات المتحدة مظللة أغلبها باللون الأحمر، وعلق عليها قائلا «كيف تحاكمون ذلك». اللون الأحمر الذي سيطر على 98% من الخريطة يشير إلى القاعدة الانتخابية لترامب. وعلى الرغم من وصف الكثير من وسائل الإعلام للخريطة بأنها مضللة وغير حقيقية، إلا أن الواقع يؤكد أن الرئيس الأمريكي يتمتع بشعبية واسعة. وأنصاره يتميزون بالوفاء الكامل له. وهو ما يثير التساؤلات حول مدى تأثير الإجراءات المتلاحقة لعزل ترامب على الانتخابات الرئاسية 2020.
في البداية، لا بد وأن نشير إلى أن الاتصال بين ترامب ونظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والذي أعطى الديمقراطيين في مجلس النواب الأمريكي ما يكفي من المبررات لإطلاق الإجراءات لعزل ترامب، ترتبط بشكل مباشر بالانتخابات الرئاسية المقبلة. بل يمكن أن نؤكد أنها تدخل في قلب الحملة الانتخابية، فالمكالمة لم تكن سوى محاولة للنبش في ماضي جو بايدن نائب الرئيس الأمريكي السابق والمرشح الديمقراطي المحتمل الأوفر حظا في الانتخابات المقبلة. وبالتالي لا يمكن فصل الأزمة عن الانتخابات القادمة.
في الواقع، في الربع ساعة الأولى من بداية الأزمة، تفاخر ترامب بأنه جمع ربع مليون دولار كدعم له في حملته الانتخابية.
في حين، تشير التقديرات إلى أن حملته الانتخابية جمعت أكثر من 308 ملايين دولار منذ بداية العام، ليتفوق على منافسيه من المعسكر الديمقراطي.
فقد أعلنت حملة إعادة انتخاب ترامب واللجنة الوطنية للحزب الجمهوري أنها جمعت 125 مليون دولار في الربع الثالث من عام 2019. وأشارت الحملة إلى أن هذا المبلغ إلى حد كبير يأتي كتعبير عن الدعم للرئيس الأمريكي في مواجهة التهديدات محتملة بإقالته. وهذا ما اعتبره المراقبون تعبير مجازي عن الدعم الشعبي الذي يحظى به ترامب.
وإذا ما قارنا بين حجم التبرعات التي جمعها ترامب وتلك التي حصدها المعسكر الديمقراطي المنافس في نفس الفترة، فتشير الأرقام إلى أنه في الأشهر الثلاثة الماضية، جمع المرشح الرئاسي المحتمل بيرني ساندرز 25.3 مليون دولار. في حين جمع منافسه بيت بوتيج 19.1 مليون دولار. أما منافستهما كاميلا هاريس فجمعت 11.6 مليون دولار.
وبتحليل هذه الأرقام نجد أن السيناتور الديمقراطي ساندرز تمكن من حصد النسبة الأكبر من التبرعات في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية، واعتبر المراقبون هذا الرقم دليلا على القوة المتزايدة للمانحين الصغار لإعادة تشكيل السياسة الرئاسية. فقد تحركت حملته بسرعة ولتأكيد قوته المالية. واحتفظ بأول إعلاناته التلفزيونية للحملة، بقيمة 1.3 مليون دولار لمدة أسبوعين في ولاية أيوا. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، فقبل أيام أعلنت حملة ساندرز تعرضه لوعكة صحية واضطر لإجراء عملية محدودة بالقلب تطلبت التزامه الراحة التامة وإلغاء كافة التجمعات الانتخابية التي كانت ضمن جدوله خلال الفترة الماضية. وهو ما يعني بالضرورة أن عامل السن والحالة الصحية ليسا في صف ساندرز الذي يبلغ من العمر 78 عاما ويعاني من متاعب صحية جمة، علما بأنه لايزال في بداية معركته الانتخابية الراهنة.
أما بالنسبة لبايدن، فالوضع ليس أفضل كثيرا. فعلى الرغم من أن مكالمة ترامب- زيلينسكي المثيرة للجدل تلقي بظلالها الوخيمة على مستقبل الرئيس الأمريكي وتهدد بعزله، إلا أنها أيضا تلعب دورا لا يمكن تجاهله في الإساءة لموقف بايدن الانتخابي. فسواء تمت إقالة ترامب من عدمه، فتهمة الفساد ارتبطت باسم بايدن حتى وإن كانت بدون إدانة قضائية له. فرجل الشارع الآن أصبح شبه متأكد من أن بايدن ونجله تورطا في فضيحة استغلال سلطة للقيام بأعمال جنيا منها أرباحا طائلة في أوكرانيا. بل إنهما أيضا لعبا دورا لا بأس به في تعميق الفساد في هذه الجمهورية السوفييتية الصغيرة السابقة. وفي النهاية تهمة ترامب لا تعدو استغلال نفوذه وسلطته في الكشف عن تفاصيل مخطط فاسد كانت البطولة فيه لبايدن ونجله.
ووضع المرشحة الديمقراطية إليزابث وارين النائبة عن ولاية ماساتشوسيتس ليس أفضل كثيرا من زملائها، فوارين ترفع شعار «لا للفساد» ووضعت نصب عينيها شركات التكنولوجيا العملاقة لتعلن الحرب على فيسبوك وأمازون وأقرانهم من الشركات الكبرى. وهو ما دفع رئيس مجلس إدارة فيسبوك مارك زوكربيرج إلى تأكيد استعداده خوض حرب ضارية ضد وارين، وتضامن معه في ذلك رئيس مجلس إدارة أمازون. ويبدو أن حالة الكراهية لوارين تنتشر في مجتمع رجال الأعمال بشكل واسع.
فعدد من المانحين الديمقراطيين المعروفين بارتباطهم بـ« وول ستريت» أكدوا عزمهم التصويت لصالح دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية المقبلة في حالة فوز وارين في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، أو على أقل تقدير سيضطرون لمقاطعة الانتخابات بشكل كامل. فيبدو أن فوز وارين سيكون فألا سيئا على الحزب الديمقراطي.
أما المرشحة الديمقراطية كاميلا هاريس السيناتور عن ولاية كاليفورنيا فوضعها أكثر سوءا من أقرانها من مرشحي الحزب الديمقراطي، ففرصها ضعيفة فهي السيدة السوداء الوحيدة في المعركة الانتخابية. والمؤشرات تؤكد أن الناخبين لا يرغبون في إعادة تجربة الرئيس السابق باراك أوباما في الوقت الراهن. وهو ما يعني بالضرورة عدم اختيار مرشحة امرأة وسوداء أيضا.
ولكن المؤشرات التي تجري لصالح ترامب على صعيد المنافسة مع الديمقراطيين لا تنطبق مع استطلاعات الرأي العام الأمريكي، فأغلب الاستطلاعات تؤكد أن أكثر من 47% من الناخبين يفضلون المضي قدما في استجواب ترامب ومساءلته أمام الكونجرس. وهو ما يزيد من توتر الرئيس الأمريكي. ولكن في الوقت نفسه لا بد من الإشارة إلى أن مثل هذه الاستطلاعات لا تتمتع بالمصداقية الكافية وهي موجهة إلى حد كبير ويتم التلاعب بها لتخدم مصلحة الجهة التي تجريها.
يشير الخبراء إلى أنه بالنظر إلى توقيت التصويت بالمساءلة في مجلس النواب ومحاكمة مجلس الشيوخ، يمكن إصدار حكم خلال المعركة الانتخابية لعام 2020، أو حتى بين يوم الانتخابات والافتتاح. هذا من شأنه أن يخلق شكًا خطيرًا وانقسامًا عميقًا حول ما إذا كان الرئيس في حالة فوزه يمكن أن يؤدي اليمين الدستورية من جديد. وهو أمر لن يمر ببساطة ففوز ترامب بالانتخابات قبل إصدار الحكم ضده سيؤدي بالضرورة- كما يحذر الخبراء- إلى «اندلاع حرب أهلية ستتسبب في انهيار هذه الدولة»، بل إن أمريكا يمكن تعيش لعقود طويلة تعاني من تبعات مثل هذا القرار الذي سيدفع ثمنه الشعب الأمريكي غاليا.
الوضع بالطبع حرج للغاية بالنسبة لأمريكا، فالاتجاه إلى استجواب الرئيس يتحرك بخطى ثابتة ومضمونة. ومن وجهة النظر الديمقراطية، كل شيء يسير كما هو مخطط له بالفعل، فكل الأوراق والقرائن تؤكد إدانة ترامب وارتكابه تجاوزات لا تتناسب مع مكانته كرئيس للدولة. ولا أدل على ذلك من تصرفات الرئيس العفوية التي تفاجئ أقرب الناس إليه، قبل أن تفاجئ خصومه. فالتصريحات والمواقف كثيرة التي يمكن حسابها ضد ترامب. ولكن في نفس الوقت لابد من الأخذ في الاعتبار أن ترامب ليس ذلك الرجل العادي، ففوزه بمنصب الرئاسة في المقام الأول كان مفاجأة للعالم كله وليس للولايات المتحدة وحدها. ولكن اختياره كان يعني أن الشعب الأمريكي يبحث عن الواقعية، عن رئيس يعبر عنه ويخدم أهدافه بدون أي مناورات أو حسابات دبلوماسية تأتي عادة على حساب رغبات الشعب ومتطلباته.
وهو ما يعني أن الإطاحة بترامب لن تكون بالسهولة التي يتوقعها الديمقراطيون، فشعبية الرئيس الجمهوري قوية حتى وإن ترنحت لفترة ما. فإنها في النهاية مضمونة. والكونجرس لن يجازف في أي مرحلة في إشعال الحرب بين أنصار ترامب وخصومه، ولذلك فلا بد من الحكمة في تحريك دفة الاستجواب وقياس موقف الشارع قبل المسارعة بإصدار الأحكام عليه.