مسجد ابن باديس.. صرح جزائري شامخ البنيان

الجزائر، العمانية: لم يستطعْ الزمن أن يُغيّر شيئاً من شموخ مسجد الشيخ عبد الحميد بن باديس، واعتزازه بكونه إحدى منارات الإسلام في العاصمة الجزائرية، بل زادته صومعتاه الشامختان خيلاء وكبرياء.
ومثلما هو حال العمائر التاريخية الجميلة، لم يحبس هذا المبنى الشامخُ عناصر جماله بين جنباته، بل منح شارعَي عبان رمضان وعلي بومنجل، اللّذين يُطلُّ عليهما، الكثير من عناصر البهاء والجمال، ولا يُمكنُ لمرتادي وسط العاصمة إلا أن ينبهروا بالمنظر الآسر لهذا المسجد الذي يُعدُّ أحد المعالم التاريخية الإسلامية الفريدة في بلدية الجزائر الوسطى.
ولهذا المسجد العظيم قصّةٌ مع التاريخ، إذ استغرقت مدة إنشائه عامين من الزمن، حيث بدأت أشغال البناء بتاريخ 8 مايو 1876، وانتهتْ بتاريخ 16 ديسمبر 1878، وذلك بإشراف المهندس المعماري الفرنسي تيودور شوفالييه.
وتمّت عملية البناء على أرض وقْف تابعة لأوقاف مدينة الجزائر، كانت تقعُ خارج أسوار حيّ القصبة العتيق. وظلّ هذا الصرح المعماري أيام الاستعمار الفرنسي للجزائر، يحتضنُ كنيسة كاثوليكية تحمل اسم «القديس أغسطينوس». وبمجرد استرجاع الجزائر استقلالها سنة 1962، عاد المسجد إلى أحضان دين الفطرة، الإسلام، بعد أن أجريت التعديلات الملائمة من قبة ومآذن، إضافة إلى تعديلات أخرى تتطلّبُها عمائرُ العبادة الإسلامية.
ويُمكن لمرتادي المسجد أن يُلاحظوا أنّ قاعة الصلاة الرئيسية، التي تفوق مساحتها ألف متر مربع، حافظت على بساطة هندستها والمواد التي تُزيّنُ جدرانها، التي اعتمدتْ أساسا على مربعات الزليج الأخضر والجصّ. كما أنّ محراب المسجد تُزيّنُه آياتٌ من القرآن الحكيم مكتوبةٌ بخط الثلث على قِطع من السيراميك، وتُحيط بها زخارف تتشكّل من ثلاثة ألوان وهي الأخضر والأزرق والبني. وتنزل من قبة المسجد ثريّا ضخمة مزوّدة بالعشرات من المصابيح، فضلاً عن ثريات أخرى صغيرة تنتشر، جنبا إلى جنب، على طول قاعة الصلاة الرئيسية وعرضها.
وتتوزّعُ رفوف المصاحف في كلّ زوايا المسجد، مثلما تصطفُّ نسخ المصحف الشريف على رفوف من الخشب ترتفع عبر الأعمدة الأسطوانية، التي يفوق عددها عشرة أعمدة، ويتجاوز ارتفاعُها 14 متراً لكي تقوى على حمل ثقل قبة المسجد.
أمّا القاعة الوسطى، وهي بمساحة 800 متر مربع، فقد خُصّصتْ للنساء. ويضمُّ المسجد أيضا قاعة سفلية، مساحتُها ألف متر مربع، تُفتح لأداء صلوات الجمع، والتراويح، والأعياد. ويوجد بجانب هذه القاعة السفلية أماكنٌ مخصّصةٌ للوضوء يُمكن الوصول إليها، إمّا عن طريق المدخل الخارجي، قبالة شارع عبان رمضان، أو عن طريق سلالم مجاورة لقاعة الصلاة الرئيسية.
أمّا المنظر الخارجي لمسجد الشيخ عبد الحميد بن باديس، فتُميّزُه سماتُ المهابة والجلال التي يستمدُّها من علوّ بنيانه، ولونه الأصفر الذهبي، ومآذنه المرتفعة، وقبته الخضراء، فضلا عن نوافذه المتناظرة التي أخذت شكل الأقواس، وأبوابه الخارجية التي تُطلُّ من الجهة السفلية على شارع عبان رمضان، ومن الجهة العلوية على شارع علي بومنجل.
ومن الخصائص الإضافية لهذا المسجد سهولةُ الوصول إليه لكونه يقع بجوار محطة المترو. وقد كان، خلال سبعينيات القرن الماضي وثمانيناته، مركزا للإشعاع الفكري والعلمي، بسبب محاذاته للمركز الثقافي الإسلامي الذي دأب على تنظيم الندوات الفكرية، والمحاضرات العلمية، والدورات التدريبية، والمسابقات في تعليم وحفظ القرآن الكريم. وقد حاضر في هذا المركز العديدُ من القامات العلمية والفكرية الجزائرية، أمثال مالك بن نبي، ومولود قاسم نايت بلقاسم، والطاهر بن عائشة، وعبد الرحمن شيبان، وعبد الرحمن الجيلالي، وأبو القاسم سعد الله، وأحمد حماني، وأحمد توفيق المدني، فضلا عن الكثير من ضيوف الجزائر من أئمة وعلماء العرب والمسلمين.
كما أنّ مسجد الشيخ عبد الحميد بن باديس يستفيدُ من عائدات أربعة دكاكين، تقعُ بمحاذاته، وتتبعُ إداريّاً لمصالح الأوقاف، حيث يتمُّ تأجيرها للتجّار، وتعود عائداتها لخزينة المسجد من أجل النهوض ببعض الأعباء التي تتطلبها أعمال الصيانة الدورية لبعض المنشآت التابعة لهذا الصرح الديني الذي يُعدّ دُرّة متوهّجة تُزيّنُ جبين الجزائر.