عاصفة تهدأ وأخرى تفور

مصباح قطب –

هل تذكرون كم ونوع التحليلات التي انطلقت في العالم كله محذرة بالويل والثبور وعظائم الأمور لأن معدل العائد على السندات انقلب بحيث أصبح الطويل المدى أقل من القصير والمتوسط؟. وكيف تنبأ المتنبئون انطلاقًا من هذه الظاهرة بأن ذلك يدل على قرب هبوب عاصفة الركود العالمي المقبل؟ وكيف قام الماليون الأرشيفيون بالبحث في السجلات ليؤكدوا لنا أن: نعم ! لهذا التوقع لأن تلك الظاهرة لم تحدث إلا وكان الركود قرينها، ولم تخب القاعدة سوى مرة واحدة في العقود الماضية؟. بعد الهوجة الكبرى وريدا رويدا تغيرت النغمة حين بدا أن أوضاع الاقتصاد العالمي أكثر تعقيدا بكثير من أن يقودها متغير واحد ناهيك عن أن يكون معدل العائد على السندات، بدأت الكتابات تتحول إلى التقليل من شأن ظاهرة الانعكاس ثم ركنها جانبا وصولًا إلى نسيانها تمامًا. هناك دائمة موجة كلام تسود في كل فترة ثم تنحسر وأغلب تلك الموجات عمرها قصير عموما وآثارها ليست كبيرة أو هي نوبات كلام ابن عم كلام كما يقول العامة في مصر المحروسة وبالتالي لا يتوقف المرء عندها. إن منها موضات لغوية مالية أو اقتصادية تعبر عن قدم بمفردة أو تعبير يبدو جديدًا (مثل الشمول المالي حاليًا – أو الاستدامة والنمو الاحتوائي والمسؤولية الاجتماعية ولعبة توازن المكاسب «وين وين جيم»- وكلهم سابقا – وهكذا) . لكن التكثيف الإعلامي القصدي على أمر معين في مجال أسواق المال يوجب التنبه؛ لأنه قد يعود بأضرار أكبر بكثر مما نتوقع ولهذا كان عدم السكوت واجبًا حيال موجة السندات والآجال والانعكاس تلك.
هناك من كانوا يعرفون جيدًا من البداية انه لا يمكن لعصر إشعال حرب يروح ضحيتها المباشرة 16 مليون بني آدم – أعنى الحرب العالمية الأولى – عقب قيام صربي متطرف بقتل ولي عهد النمسا. لا يمكن لهذا العصر أن يعود في العسكرية أو السياسة أو الاقتصاد. لن يعود حتى إذا كانت التناقضات الراهنة بين القوى الكبرى والإقليمية، أقوى مما كانت عليه في ذاك العهد، ولا يمكن لكساد كبير وحرب اقتصادية عالمية أن يشتعلا ويدمرا مستوى معيشة مئات الملايين من البشر ويحطما كيانات ومؤسسات وأصول ودول بمئات مليارات الدولارات أو تريليونات، لمجرد أن العائد على السندات انعكس. رصاصة سراييفو التي قتلت دوق النمسا لم تعد في جيب أحد الآن. ولعلي أقول إن من بين من اشعلوا النقاش حول ارتباط الانعكاس بالركود يعرفون عدم صحة ذلك جيدًا لكن لهم أغراضهم أو أمراضهم أو مخاوفهم الذاتية (وول ستريت تعتبر نفسها هي العالم والعالم هي)، ومنهم من لا يعرف لكنه يرى نقطة يمكن البناء عليها لإشاعة الخوف لأغراض في نفس يعقوب، ومنهم من لا يعرف ذلك ولا يعرف أنه بانخراطه في التبشير بالركود الذي يسمع عن مقدمه بناء على الانعكاس يساهم في حفر بئر قد يقع فيها مع الملايين. المتلقون أيضا لمثل هذا النوع من الأفكار هم فئات بلا عد ولا حصر بيد أن منهم ملايين من المستثمرين الصغار يتم التلاعب بهم بكل سهولة في السراء والضراء وحين البأس، فهم ليسوا في أي حسابات في اللحظات الكبرى بالذات بأي حال. لن أعود في المقابل إلى ترديد العوامل التي يمكن أن تقود إلى ركود عالمي مؤذ بالفعل فكلها معروفة و مازال المتوقعون يتنبؤون وأمامهم فترة لنختبر نبوءاتهم؛ لأن جلهم يتحدث عن ركود يأتي في 2020 أو 2021، وفي يقيني انه توجد عوامل مزعجة بالفعل في الوضع المالي والاقتصادي العالمي وبالتبعية الصناعي والاستهلاكي، بل وحتى العسكري بمعنى مدى القدرة على تصريف الأسلحة وأثر ذلك على التصنيع الحربي والتشغيل والعمالة في البلدان الكبرى المصدرة للسلاح ،والعسكري بمعنى الحروب والصراعات واحتمالات تطورها وخسائرها وما تتيحه من فرص أعمار بعد التدمير.. كل تلك قد تكون لها عواقب اقتصادية خطيرة في مدى ليس بعيدًا عن التاريخين السابقين.
والنقطة التي أريد التوقف عندها فقط هي الديون العالمية وأضرارها المرعبة. الديون عادة تكشف ما لا يكشفه غيرها. كما أن انفجارها- كأزمة، انشطاري، أي يترك بصماته على البنوك وشركات التأمين والوساطة والتقييم والتصنيف والتسوية والصادرات والواردات، وتكلفة كل شيء تقريبا ، وهي تقلب الأوضاع في أسواق المال داخل الدولة لعاجزة عن السداد وفي
الدول والمؤسسات المقرضة معا ، ولعلنا نذكر كيف أن ألمانيا ضغطت بشدة لتسوية الديون اليونانية وتشكلت ترويكا معروفة لهذا الغرض وكان الحماس الألماني ناتجا بالأصل عن أنه توجد كيانات ألمانية ضخمة حكومية وبنكية واستثمارية عرضة للانهيار لو توقفت اليونان عن السداد. الديون أيضا طوال الوقت قصة سياسية ووراءها في بعض الأحيان أصناف من الفساد والصفقات غير الظاهرة والضغوطات الغامضة، ومعها في حالات أخرى نجد حسابات خاطئة وتوظيفات غير سليمة او مريبة في ثالثة وهي غريبة في الأثر الذي تتركه على نفسية المواطنين بمن في ذلك أولئك الذين لا يجيدون القراءة أو الكتابة.. فعند الناس العادية فان الدين ذل بالنهار وهم بالليل . والديون أيضا في انفجارها تكشف خللا طالما حذر منه الاقتصاديون وهو العلاقة بين عرض النقود العالمي – أو سيرك النقود الفائضة – وبين القدرة الفعلية للاقتصاد العالمي وعوالم الاستثمار والاستهلاك والإنتاج . وحسب تقرير البنك الدولي الأخير «إحصاءات الديون الدولية 2020» فإن رصيد الديون الخارجية للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل زاد بنسبة 5.2% في 2018 إلى 7.8 تريليون دولار، وبوتيرة تراكم أبطأ نسبيا مما كان عليه في 2017. وقال ان أكبر عشرة بلدان مقترضة هي الأرجنتين والبرازيل والصين والهند وإندونيسيا والمكسيك وروسيا وجنوب إفريقيا وتايلند وتركيا، وانه عموما وفيما عدا الدول السابقة ارتفع رصيد الديون الخارجية للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل بنسبة 4%. وتشير مؤشرات الديون إلى أن أعباء الديون قد تساهم في التعرُّض لصدمات اقتصادية. وظلت نسبة الديون الخارجية إلى إجمالي الدخل القومي للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل في المتوسط مستقرة عند مستوى معتدل 26%، ولكن ماعدا الصين التي سجلت مستوى منخفضا لنسبة الديون الخارجية إلى إجمالي الدخل القومي (14%)، بلغت نسبة الديون الخارجية إلى إجمالي الدخل القومي للبلدان منخفضة الدخل ومتوسطة الدخل في المتوسط نحو 35%. وماعدا الصين أيضا التي سجَّلت مستوى منخفضا لنسبة الديون الخارجية إلى الصادرات (68%)، فإن نسبة الديون إلى الصادرات لدى هذه البلدان بلغت 120%. علاوة على ذلك، زاد عدد البلدان التي ارتفعت فيها مستويات الديون إلى إجمالي الدخل القومي، وارتفعت نسبة البلدان التي تزيد فيها نسب الديون إلى إجمالي الدخل القومي عن 60% إلى 30%، وقفزت نسبة البلدان التي تخطت فيها نسب الديون إلى إجمالي الدخل القومي 100% .
وكما هو متوقع انطوت بيانات الديون لدى البنك الدولي على رسالة مفادها أن تراجع عمليات الاقتراض الجديدة يُؤكِّد مخاوف المستثمرين بشأن القدرة على الاستمرار في تحمُّل أعباء الديون لدى بعض الدول. انتهى الاقتباس.
فى لحظة الحقيقة لا يجدي كثيرا من كان السبب او كيف حدث ما حدث ،على حتمية عمل ذلك في وقت لاحق ، لأنه بمجرد انقطاع السيولة عن بلد تهيأ للاقتراض أو اعتاد ان يقترض بتعجل أو دون تدقيق أو تحت ضغط عوامل تشغيلية أو انتخابية في الدولة أو في المجتمع فإن الدورة المقلوبة تعمل بمنتهى النشاط: فالاستقرار العام يتضعضع ، و يسود الذعر عند الحلقات كلها المنتجين والمستهلكين والجهاز المالي بل والجهاز السياسي والإداري ومن ثم تتابع الخطوات وصولا الى حلول كان بعضها في وقت من الأوقات يشمل إشعال حرب هنا أو هناك أو احتلال دول أو جرف خيرات وموارد أخرى ،او حدوث انقلابات او فورانات اجتماعية مدمرة بلا قيادة ولا هدف ، بيد ان حلول الاحتلال والحروب كما قلت مرارا أصبحت عصية حتى لو توفرت النوايا لان العالم في تطوراته وتشابكه لم يعد كما كان ولم يعد من السهل الإقدام عليها . لكل ما فات اترك الكثير وأتوقف عند الديون وأقول دوما إنها الخطر الأخطر إذا جاز القول ، فلتنظر كل دولة الى دفتر اقتراضها والتزاماتها الحالة والمستقبلة ومواردها الحالية والآتية ، وترى كيف تدير الموقف برشادة وبشفافية مع شعبها بعيد عن الوصفات الجاهزة التي تؤدي وأدت غالبا الى مزيد من الكوارث ، وعلى كل شركة مستدينة نفس الموقف ، والأهم انه على كل بنك مقرض ان يراجع أعماله وعملائه ومدينيه بعمق ، وان يقوم جهاز الرقابة والإشراف على البنوك في كل بنك مركزي بأقصى جهد ممكن في الوقت الحالي لكشف حقيقة مديونيات الشركات الكبيرة وبعض المتوسطة خاصة التي تقول بعض الإشارات إنها قد تشكل خطرا أولا تعطي أحوالها الداخلية أملا في إمكان السداد الكلي او الجزئي . في البنوك ألعاب خطرة يعرفها المختصون اكثر مني ولعل اكتشافها الآن – وبدون إعلان – أمر أوجب من الواجب . كل ذلك وإلا فالخطر الذي يخشاه الجميع يمكن أن يقع بفعل إهمال الجميع .