وتر : كي لا ننسى

شريفة بنت علي التوبية –

لعلكم نسيتم، ولكني ما نسيت، ولكن ربما للمرة الأولى أقف عاجزة عن الكتابة عنها، بقدر صوت أمها الجارح المتردد في داخلي ( غلا تموت) وبقدر عجزي عن تقديم يد العون لإنقاذ طفلة كانت تحتضر أمام عيني، لكني رغم عجزي سأكتب، فمن أجل كل طفل كان ضحية للإهمال والنسيان في الحافلات المدرسية سأكتب، وكي لا ننسى سأكتب، وكي نتذكر أن هناك طفلا آخر ربما سيرحل بنفس البشاعة سأكتب، قد يكون طفلي أو طفلكم، أعلم أننا لن نمنع قدر الموت عنهم، ولكن ربما نستطيع حمايتهم من هذا الموت البشع.
فيا من وضعنا فلذات أكبادنا بين أيديكم، نحن لا نريد منكم أن تحبّوهم محبتنا لهم، ولا نريدكم أن تضعوهم في أعينكم كما نضعهم، ولا نريد منكم أن تتقبّلوا شقاوتهم بمحبّة كما نفعل، ولكننا نريد منكم أن تعلموا أننا وثقنا بكم إلى درجة أننا وضعنا بين أيديكم أغلى ما لدينا، ومن هم أحب إلينا من أنفسنا، فلا نريدهم أن يكونوا مشروعكم الربحي في تجارتكم الخاسرة، فكيف استطعتم، وما هي الأسباب لتكون النتيجة بشعة ومؤلمة لهذا الحد؟.
لم يكن إهمالاً فقط بل نتيجة لأسباب كثيرة، فحينما يتم تحويل بيوت مستأجرة بين ليلة وضحاها إلى رياض أطفال ومدارس خاصة، وهي مجرد جدران لا تتوفر فيها شروط البيئة التعليمية فهكذا ستكون النتيجة، وحينما يتم استئجار حافلات مدارس لا تتوفر فيها شروط السلامة، ويتم النظر إلى مهنة سائق الحافلة كمهنة عادية وبسيطة فلا يُنتقى ولا يختبر، فهكذا ستكون النتيجة، وحينما يغيب طالب وتمر ساعات يوم دراسي كامل ولا تبادر المدرسة بالاتصال أو السؤال عنه فهكذا ستكون النتيجة، وحينما يتخاذل السائق عن توصيل الطالب أمام بيته بل يتركه على رصيف الشارع دون انتباه، فهكذا ستكون النتيجة، وحينما يخذلك الجميع وأنت تستغيث، والسماء تكاد تطبق عليك همّاً وتضيق بك الأرض غمّاً فهكذا ستكون النتيجة، وحينما يموت في العام الدراسي الواحد أكثر من طفل وبنفس الطريقة البشعة دون أن يتحرك ساكن أو يستيقظ غافل فهكذا ستكون النتيجة.
إنها النتيجة التي نصل إليها كل عام والأسباب واضحة، فإن طوت خيمة العزاء بساط حزنها على موت طفل، أصبح واجبا عليّ أن أكتب وواجبا عليكم أن تتذكّروا، قبل أن تذكّرنا ضحية أخرى بمن سبقتها.. وأسفي أنه قبل أن أكتب الكلمة الأخيرة في هذا المقال وردتني الرسالة التالية «طالبة تموت دهساً تحت عجلات حافلة مدرسية».