طلال حــيدر

عادل محمود –

«أينما كان الجمال والحياة…كان الشعر أيضا »
تعرفت إلى الشاعر اللبناني طلال حيدر، قبل أربعين عاما، التقينا فيها مرتين، الأولى في بيتي «سهرة» والثانية «لمدة شهر ـ لقاء يومي»، أتذكر مجيئه الحماسي والصاخب، برفقة الشعراء السوريين علي الجندي وممدوح عدوان وغازي أبو عقل. من اللحظة الأولى سألني، وقد رأى جدارا تكسوه أشرطة تلك الأيام، إن كان بينها شريط أغنية فيروز «وحدن» وهي كلمات طلال وألحان زياد الرحباني. وضعنا الشريط. فشعرنا ان المكان امتلأ برائحة تلك الزهرة العبقرية… البيلسان، والقصيدة لها قصة. وقد كتبها على أثر استشهاد ثلاثة فدائيين في عملية كريات شمونه داخل فلسطين. «وحدن بيبقوا متل زهر البيلسان
وحدهن بيقطفوا وراق الزمان
بيسكّروا الغابي
بيظلهن متل الشتي يدقوا على بوابي
يا ناطرين الثلج ما عاد بدكن ترجعوا؟
صرّخ عليهن بالشتي يا ديب بلكي بيسمعوا
يومها.. نام طلال حيدر عندي، فوضعت الى جواره على الكوميدين دفترا وقلما أزرق وزجاجة ماء. فقال لي: هذه اللفتة تؤكد لي أننا سنصبح أصدقاء «كنت أعرف من الصحافة انه يستيقظ من حلم أو هاجس فيكتبه، وإن حبره هو الأزرق. وفي اليوم التالي غادر الى مدينة السويداء ليجري مقابلة صحفية مع سلطان باشا الأطرش، أحد أهم قادة الثورة السورية ضد الاحتلال الفرنسي 1925وكان الرجل يعيش أيامه الأخيرة.

الأسبوع الماضي… ألقى طلال حيدر أردأ قصيدة كتبها مبتدئ في الصفوف الإعدادية، في مناسبة احتفال إحدى الدول بعيدها الوطني، قصيدة كأنها مصممة بأصابع لم تقتنع بحرف واحد مما جاء في مدائحها. مثلا: من يبغي رضا الله…بحد السيف تصحيح المسار.
تذكرت للشاعر المبدع كل جيده وجميله ونبيله لكي أنسى ـ كائنا ما تكون الأسباب والدوافع ـ هذا الشيء غير المفهوم، وقد سارعت الأقلام الى تسميته «المال»، وأضاف بعضهم… المال الذي لا يحتاجه ابن الـ85 سنة، البعلبكي، موفور الصحة والاحترام والماضي الجميل.
لكي انسى رحت أقرأ له:
في رثاء فؤاد الشمالي ـ رئيس الحزب السوري القومي:
فيه ناس قالوا قُتل… فيه ناس قالوا مات
فيه ناس قالوا… فتح عتمة خيالو وفات
وقرأت: لبسوا الكفافي ومشوا… ما عرفت مينن هنّ
ما عاد رح يرجعوا… يا قلب حاجي تعنّ
خليك متل القصب…كل ما عتق بيحنّ
وقرأت: يا فقر…
كبرنا كبرنا يا فقر، وصار بدنا نروح
وما حدا راح ينطرنا
بكرا ان سألوا عنا ودقوا الباب
قلن، يا فقر، حبستو كلمه بكتاب
قرأت حتى نسيت.
أريد أن يبقى طلال حيدر، في ذاكرتي الانفعالية، الشاعر الذي لم يرتكب من الحماقات سوى حكمة أشعاره التي كانت، طوال التوتر الشعري، مسكونة بروح هذه الجملة: «يازمان… يا عشب داشر فوق هالحيطان…ضوّيت ورد الليل عكتابي».