نوافذ : هل نحتاج إلى «عين ثالثة»؟

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

تقلقنا كثيرا ردة الفعل المباشرة تجاه كل سلوكياتنا المتبادلة مع الآخر، سواء تلك التي نتوجه بها إلى الآخر، عن قصد، أو عن غير قصد، أو تلك التي يدفع بها الآخر تجاهنا عن قصد، أو غير قصد كذلك، وفي كلا الأمرين نحن أمام خيارين لا ثالث لها، فإما أن نقبل فوضوية هذا السلوك في كلا الجانبين، كيفما تكون النتائج، وإما أن نرفضه، ونتحمل نتائج الرفض المتوقعة عنه.
قد يقول قائل هذا القبول أو الرفض يكون للسلوك الآتي من الآخر، فماذا عن سلوكياتنا نحن التي ندفع بها إلى الآخر؟ وأقول: هي كما جاءت المقولة «الكلمات تشبه المفاتيح إذ استخدمتها بشكل صحيح تغلق بها فم أو تفتح بها قلب» وليس هناك عاقل لا يعي ماذا يقول، وماذا يقصد، من أية كلمة يتفوه بها، ويدفع بها نحو الآخر؛لأن الجميع-أيضا- يعون أن الآخر؛ في المقابل، ليس «مكب نفايات» وعذرا على هذا التعبير، وأن الآخر لن يكون أبلهَ إلى درجة أنه لا يعي ماذا يقصد المتكلم من قوله، ولذلك فالذين يتعمدون الإساءة إلى الآخر، وخاصة في حضرة الناس، فإن سهامهم سوف ترتد إليهم حاضرا، أو مستقبلا، واتساقا مع هذه الرؤية لا أتفق مع من يقول: أن « لغة التأمل لا يجيدها الكثيرون وعين ثالثه لرؤية بواطن الأمور» فكلنا يملك هذه العين، وكلنا يجيد هذه اللغة، وإن كان بنسب متفاوتة، وحالة البلاهة التي يتقمصها بعضهم عندما يريد أن يسيء إلى الآخر، تظل حالة مكشوفة، وإن تدارى صاحبها وراء مواقف المكر والخديعة، وهذه الممارسات كثيرا ما تحدث في المجالس العامة، وفي الاجتماعات غير المنضبطة، التي يكثر فيها الهرج والمرج.
أقول هذا الكلام أيضا لأنه – كما يقال دائما -: «بمجرد أن تخطئ ينسى الجميع أنك كنت رائعا وأنهم كانوا يصفقون لك يوما ما» إذن، وما دام الأمر كذلك، فلا تسمح لهؤلاء الجميع، أو منفردين أن يقتربوا من استحكامات خلقك وتعقلك، وتغض الطرف عن مجموعة الإساءات التي تصوب إليك بحجة «نحن لا نقصد»، «نحن نمزح» ففي كل ذلك جس نبض لقدرتك على التحمل، ومتى أدمنت هذا التحمل من وصول هذه السهام إليك في كل مرة، يقينا؛ ستصبح ميدانا للرماية، يتجرأ كل واحد لأن يرسل إليك سهامه، والمهم في هذه المسألة أكثر أن تحصن نفسك بعدم المساس بالدائر المحيطة بالآخرين، وهم في حالة سكونهم، وتكورهم على سلوكياتهم، دون أن يرسلوها إلى الآخرين، حتى لا يكون هناك مبرر لهم لأن يتقصدوك بقول أو فعل، حيث لا مبرر يجدونه في ذلك، ولعل لنا أن نتخذ من مقولة: «حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» منطلقا مهما في موازنة العلاقة مع الآخرين.
فهل نحتاج، حقا، إلى «عين ثالثة» – حسب العنوان – نعم، نحتاجها لتبصير أنفسنا لنعرف «أين نضع أقدامنا في خطواتنا المتلاحقة»، فالهرولة التي نعيشها طوال الـ (24) ساعة، ربما لا تكون الرؤية المعتادة واضحة بالقدر المطلوب في تعاملاتنا المختلفة مع الآخر، ومنا تجاه الآخر، وهي تعاملات على قدر كبير من التعقيد، فـ «رضا الناس غاية لا تدرك» كما هي القاعدة، والاقتراب من شيء من تحقيق الرضا، يحتاج فعلا؛ إلى «عين ثالثة» التي نقيس بواطن الأمور، ويأتي العمر؛ هذا الامتحان العسير؛ الذي نقيس به مختلف أنشطتنا اليومية ليرصد لنا جميع سلوكياتنا الحسنة منها والسيئة، بمعنى آخر لا يعطينا ذلك النفس للمراجعة والتعديل والتبديل والتغيير، فليس لنا في كل ما نقوم به إلا المحاولة الأولى فقط، فإما أن تكون صائبة، ولنا فضل تصويبها، وإما أن تكون خائبة، وعلينا وزر خطئها، وفي ذلك (فليتنافس المتنافسون).