في أمريكا.. انقسام داخلي أو قبلية جديدة!

عاطف الغمري –

في سنوات الحرب الباردة التي بدأت مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، وانطلاق الصراع الأمريكي السوفيتي، ممتدا إلى بقاع العالم، كان هناك عنصر أساسي يوحد الأمريكيين معا على اختلاف انتماءاتهم السياسية، ويوحدهم كذلك في الدعم بلا حدود للسياسة الخارجية لمختلف الإدارات والرؤساء، وهذا العنصر هو وجود عدو، تتصدى له الدولة بكل أجهزتها بل وأفرادها. حتى إنه قد عرف في تلك السنوات ما كان قد سمي بثمار السلام Peace dividend.
والتي تعنى مطالب الحياه الاجتماعية للمواطنين والتي كفوا عن المطالبة بها، لصالح أولوية مواجهة العدو، وما تحتاجه من توجيه إمكانات الدولة نحو ما تحتاجه هذه المواجهة.
اليوم وبعد ظهور الانقسام الداخلي سواء بين أفراد الشعب أنفسهم، أو بين النخبة من السياسيين والقيادات في الدولة، تراجع مفعول العنصر الذي كان يقوى التلاحم الداخلي، ويمزق التيارات السياسية، حتى أن أحد الساسة وهو السيناتور جيف فلال انتشرت له مقوله هي «إن القبلية هي التي تقودنا اليوم».
وهو ما يعني دخول الولايات المتحدة في مرحلة معاكسة لما كانت توصف به عادة وهى أنها بوتقة الانصهار، لمختلف فئات الشعب، من كل العناصر والأجناس، التي هاجرت إليها واكتسبت الجنسية الأمريكية. وهي البوتقة التي ساعدت على إضعاف هويتها تغيرات داخلية، منها صحوة عنصرية البيض، والتي اتهم دونالد ترامب بأنه أحد، إن لم يكن أهم. المحرضين عليها. فضلا عن وجود مسببات أخرى للانقسام الداخلي، أبرزها تراجع المكانة المجتمعية للطبقة الوسطى البيضاء التي ظلت طوال عشرات السنين الماضية، تمثل التجمع الانتخابي القوى وراء فوز أي مرشح للرئاسة، بعد أن كانت هذه الطبقة في حالة صعود في سنوات الحرب الباردة، أي أن تأثرت ماديا واجتماعيا، بالتراجع الذي أصابها، نتيجة ما أصبح يطلق عليه في المصطلحات السياسية الأمريكية، حالة انعدام المساواة بين الأكثر ثراء، وبين الأقل ثراء خاصة أبناء الطبقة الوسطى.
صحيح أن هناك اتفاقا يكاد يكون عاما بين المختصين في الولايات المتحدة، بأن الأسباب المشار إليها هي التي تجمعت عنها الانقسامات الداخلية. لكن هناك من يرون ضرورة عدم تجاهل سبب آخر مؤثر وهو عدم الاستعداد الفكري والنفسي لدى كثيرين، لتقبل ما يقال من أن التحولات الجارية في العالم، ستنقل ميزان القوى العالمي، إلى ناحية تعددية القوى على قمة النظام الدولي، وإن مصلحة الولايات المتحدة، تقبل هذا التحول، بدل أن تدخل في صدام معه، نتيجة الإصرار على أن تكون هي القوة الوحيدة المهيمنة عالميا.
والذين يدركون نتائج هذه التحولات يقيسونها بما حدث في مناطق من العالم، من صعود قوى دولية أبرزها الصين، بما يدفع بالخريطة الاستراتيجية إلى تغيير جوهري. وهو ما أدركته الإدارات الأمريكية منذ بوش ثم أوباما، والتي حاولت البحث عن استراتيجيات جديدة للحيلولة دون إتمام وجوده بالشكل الذي تتوقعه مؤسسات اقتصادية واستراتيجية كبرى في الغرب.
بينما المعارضون لهذه النظرة، يتعللون بأن الولايات المتحدة، مازالت تملك القوه العسكرية الأكبر في العالم، والإمكانات الاقتصادية والتكنولوجية الهائلة، وهو ما يتيح لها الإمساك في يديها بمقدرات الهيمنة في العالم. ولعل هذا المنطق يمثل سببا آخر يضاف إلى مجموعة الأسباب التي تقوى من شوكة الانقسامات الداخلية، والتي وصلت إلى حد وصفها بالقبلية الجديدة.