ما بين واقع الاتحاد الأفريقي ومجلس التعاون الخليجي

عوض بن سعيد باقوير –
صحفي ومحلل سياسي  –

المنظمات والتجمعات الإقليمية تواجه مشكلات متعددة بسبب الخلافات السياسية بين أعضائها تارة وقلة الموارد المالية أحيانا أخرى وفي ظل غياب الإرادة السياسية لكياناتها وقد أعلن مؤخرا الأمين العام للأمم المتحدة وهي أهم منظمة دولية في العصر الحديث بأن الموارد المالية للمنظمة العتيدة لن تكفي أو سوف تنفذ مع نهاية أكتوبر الحالي وهي حالة تعطي مؤشرا على حال الأمم المتحدة وبقية المنظمات الإقليمية.

وعند الحديث عن تاريخ المنظمات الإقليمية فإن أقدمها هي جامعة الدول العربية التي برزت للوجود عام 1945 أي قبل الأمم المتحدة بعدة شهور ورغم التجانس الحضاري والثقافي والجغرافي والتاريخي لأعضائها إلا أنها تعاني من مشكله بنيوية وبيروقراطية خلال نصف قرن وتحولت إلى منظمة مترهلة إن صح التعبير، كما أن ميثاقها بقي على حاله خاصة مسألة الإجماع في اتخاذ القرار، كما أن مواقفها السياسية لا بد أن تأخذ في الاعتبار الخلافات بين أعضائها وأحيانا الانتصار للكيانات الكبيرة مما أفقدها الكثير من هامش الحركة الدبلوماسية علاوة على عجزها عن حل خلافات أعضائها خاصة الحروب والصراعات التي اندلعت في أعقاب الحراك الشعبي في عدد من الدول العربية عام 2011.
وفي هذا المقال نلقي نظرة على دور منظمتين هامتين وهما منظمة الاتحاد الأفريقي والتي تضم اكثر من خمسين دولة ومنظمة أخرى هي مجلس التعاون لدول الخليج العربية وهناك فارق زمني بين المنظمتين يمتد لعدة عقود.
وهناك فرق كبير بين ما يدور في القارة الأفريقية من تعقيدات سياسية ومشاكل اقتصادية وسوء إدارة خاصة في مرحلة ما بعد الاستعمار ومواجهة الحروب الأهلية في أكثر من بلد أفريقي وبين منظمة خليجية تضم ستة دول متجانسة من حيث نظام الحكم الوراثي ومن خلال تاريخها المشترك وجوارها الجغرافي والتشابك الاجتماعي مما يجعلها منظمة مثالية ورغم أن منظمة الاتحاد الأفريقي واجهت مشكلات كبيرة منذ تسميتها القديمة وهي منظمة الوحدة الأفريقية ومقرها مدينة أديس أبابا عاصمة أثيوبيا إلا أن التحول حدث بعد إدخال إصلاحات حقيقية وتغيير تسميتها إلى منظمة الاتحاد الأفريقي.

مجلس التعاون

منذ انطلاق مجلس التعاون في قمته الأولى عام 1981 في مدينة أبوظبي وآمال شعوب المنطقة تتصاعد نحو قيام هذه المنظمة بدور حيوي في النهوض بالتكامل والتعاون الاقتصادي والاجتماعي وإيجاد السوق الخليجية المشتركة وتوحيد التشريعات والقوانين بل ووصلت تلك الأحلام التي تبني البرلمان الخليجي الموحد ورغم أن مجلس التعاون بدا بشكل حماسي من خلال إطلاق مسميات علي القمم التالية وتبني استراتيجية تعاونية وإلهاب حماس المواطنين بالمنطقة بالأغاني الوطنية التي تتحدث عن الخليج الواحد وعن المصير المشترك إلا أن مجلس التعاون ظل يراوح مكانه.
صحيح أن هناك بعض الإنجازات على صعيد التعرفة الجمركية والربط المائي والكهربائي وانتظام القمم واللجان الوزارية إلا أن العمل ظل يسير بوتيرة بطيئة حتى أكمل المجلس اكثر من أربعة عقود قبل أن تندلع أول أزمة خلافية بين عدد من أعضاء المجلس عام 2017 لأسباب غير معروفة ولكنها قد تكون منطلقة من التنافس والنفوذ في المنطقة.
وفي ظل عجز المجلس عن حل الأزمة الخليجية التي تقترب من عامين شهدت منظمة مجلس التعاون الخليجي ركودا في العمل المشترك وأصبح التمثيل في أدنى حالاته في قمتي الكويت والسعودية ورغم ذلك فإن ترؤس السلطنة للقمة الحالية أوجد تحركا في مجال انتظام اللجان الوزارية لتدب الحركة من جديد في منظومة مجلس التعاون ولكن بقيت الأزمة دون حل.
ولعب الإعلام لبعض دول المجلس دورا سلبيا مما جعل منظومة مجلس التعاون تفشل في تطبيق الاستراتيجية الإعلامية والتي تهدف إلى الحفاظ علي كيانات الدول الأعضاء وأن الخلافات السياسية تبقى محصورة في الإطار السياسي لمعالجتها من خلال القمم الخليجية والمبادرات الفردية، كما في الحالة الكويتية حيث بذلت السيادة الكويتية دورا مقدرا لإصلاح ذات البين ولاتزال تلك الجهود متواصلة.
لقد بينت الأزمة الخليجية ضعف المنظومة الخليجية عند أول اختبار بعد اكثر من أربعة عقود ومن هنا فان المنظومة مصيرها مجهول إذا تواصلت الأزمة وتعمقت وتواصل التراشق الإعلامي وخاصة الإعلام الالكتروني وشبكات التواصل الاجتماعي والذي ظلت الدول الأعضاء خاصة وزراء الإعلام في المجلس عاجزين عن إيجاد آليه لضبطه حفاظا على كينونة المجلس وتطبيقا لميثاقه وحتى لا تنجرف الأمور إلى سياق معقد.
وكمراقبين للمشهد الخليجي فإن هناك شعورا بخيبة الأمل من قبل شعوب المنطقة إلى الحال الذي وصل إليه مجلس التعاون والذي كان أملا يراود الأجيال الجديدة نحو منظومة فعالة تنشد التعاون والتكامل وربما أبعد من ذلك في ظل المنظمات الإقليمية الأخرى كالاتحاد الأوروبي ومنظمة الأسيان وهما أكثر المنظمات الإقليمية نجاحا إضافة إلى منظمة الاتحاد الأفريقي.

الاتحاد الأفريقي

شهدت السنوات الأخيرة لمنظمة الاتحاد الافريقي فاعلية سياسية خاصة على الصعيد الهيكلي للاتحاد وأيضا الحركة السياسية في أفريقيا خاصة بعد وصول رئيس الوزراء الأثيوبي ابي احمد وعدد من الزعماء الأفارقة الذين ينشدون الإصلاح والتطوير والتجديد على مستوى أفريقيا وحل صراعاتها.
ورغم ان الاتحاد الأفريقي يضم في عضويته اكثر من خمسين دولة وفي مواجهة صراعات مزمنة في الكونجو وقضايا الإرهاب في دول جنوب الصحراء والوضع المتأزم في السودان وقضايا الفقر إلا ان الاتحاد نجح في انهاء الحرب في روندا وهي حرب عرقية بين قبيلتي الهوتو والتوتسي، كما نجح بامتياز في الاتفاق التاريخي في السودان، كما أن هناك دورا مهما لقوات الإيجاد لحفظ الأمن والسلم في الدول الأفريقية واصبح للاتحاد دور سياسي وعسكري مهم، وهذا أعطى حالة من الحركة الدبلوماسية للاتحاد الأفريقي واصبح اكثر فاعلية رغم ان المشكلات التي يواجهها هي اكبر بكثير من تلك التي يواجهها مجلس التعاون الخليجي ومن هنا فان مجلس التعاون لدول الخليج العربية يواجه وضعا معقدا وافق مجهول في ظل تواصل الأزمة الخليجية والتي لاتزال تعصف بالمجلس ووضع المنطقة والذي يواجه تحديات حقيقية أبرزها استمرار الحرب في اليمن وتداعياتها الخطيرة على اليمن ودول الجوار تم رصدها في العمليات العسكرية الأخيرة.

إلى أين الاتجاه؟

وعلى ضوء تلك المحددات السياسية فان الفرصة لاتزال موجودة نحو استعادة مجلس التعاون لحيويته وانطلاق عمله المشترك ولكن من خلال حل الأزمة الخليجية بشكل موضوعي ومن خلال آلية الحوار بين الفرقاء، كما أن منظمة مجلس التعاون سوف تتآكل تدريجيا في ظل الضبابية الحالية حتى أن القمة القادمة في ديسمبر لم يعلن عنها وقد يتكرر التمثيل الأدنى لبعض دوله.
إن الاتحاد الأفريقي أصبح منظمة فعالة وأصبحت تدخلاته في قضايا القارة الأفريقية ذات فاعلية ولعل النموذج السوداني مؤخرا هو أبرز مثال رغم تعقيدات الأزمة السودانية والتي تفوق الأزمة الخليجية.
العمل الخليجي المشترك يمر بأزمة حقيقية ولعل ما يدور من حراك في العمل الخليجي كان سببه رئاسة السلطنة لقمة المجلس، حيث توالت اجتماعات اللجان الوزارية وبدا الجميع يشعر بأن حركة المجلس بدأت تدور من جديد وهذا يحسب للحركه الدبلوماسية العمانية والتي تحرص على تماسك اللحمة الخليجية وانتظام العمل الخليجي المشترك تمهيدا لحل الأزمة الخليجية والتي طال أمدها وأصبحت أزمة سلبية تؤثر على المجتمعات الخليجية والتقارب بين المواطنين في المنطقة، كما أن الإعلام الخليجي الرسمي والخاص وشبكات التواصل الخليجي لا بد أن يستوعب الوضع السياسي الحساس للمنطقه ولا بد من قرار رسمي لوقف الحملات والمناكفات الإعلامية والتي تكرس الانقسام والكراهية بين شعوب المنطقة.
وفي تصوري ان قرارا سياسيا من القمة القادمة لا بد ان يضع حدا لذلك الانفلات الإعلامي الذي لم تشهده المنطقة طوال تاريخها فالخلافات السياسية بين الدول هو أمر وارد ولكن الانفلات الإعلامي وتدني الخطاب الإعلامي حتى أخلاقيا له انعكسات سلبية ولا يساعد منظمة مجلس التعاون على النهوض من جديد في ظل تلك المناوشات غير الحميدة. الخلافات في أفريقيا عديدة وهناك صراعات ولكن هناك انضباط إعلامي إلى حد كبير ومن هنا ندعو القادة في المنطقة ومن خلال القمة القادمة في ديسمبر أن يكون القرار الأبرز هو وضع حد لذلك الانفلات بين بعض دول المجلس تمهيدا لإدارة الخلاف بشكل مهني خاصة وان التحديات التي تواجه دول المجلس تحتاج الى لحمة ومواقف موحدة بعيدا عن التشرذم والذي لن يخدم مصالح دول المنطقة في ظل سلام بين كل دول المنطقة على ضفتي الخليج حتى تستقر المنطقة لتتفرغ شعوبها إلى مزيد من الإنجازات والعمل المشترك وإخراج المنطقة من اتون التوتر والصراعات والحروب واستغلال الموارد الكبيرة لصالح شعوب المنطقة ومستقبل أجيالها.