التربية الفنية مدخل للإبداع المعاصر

تظل النظرة إلى القيم الجمالية والفنون من المعاني الرفعية التي تُرقّي الذوق وتنقل الإنسان إلى طور الإبداع والابتكار، إذا ما تأسست هذه المسألة على مناظير غير تقليدية في رؤية الجمال، الذي هو شيء أصيل في الذات الإنسانية، وثمة ما يدعو لتأمل كل جميل في محيط الإنسان والطبيعة وفي الذوات البشرية، ما يعكس عظمة الخالق ويصوّر لنا بديع الخلق، ويرسم لنا من فضاء أو وجهة أخرى؛ كيف أن العقل البشري له قدرة على قراءة الأنساق والصور والأشكال وفق معايير الفن والتصوير البديع.
هذه الإشارات تأتي بمناسبة المؤتمر الدولي السادس لكلية التربية في جامعة السلطان قابوس، الذي يأتي تحت عنوان «التربية الفنية والتحديات المعاصرة»، ليعبر عن قضية هي من صميم الروح الإنسانية وفي الوقت نفسه تنعكس على مجمل تجليات الحياة في هذا العصر، من خلال أن روح الابتكار والتصميمات والتقنيات الحديثة تصبّ في نهاية المطاف في الإبداع الجمالي، وما القيمة الإضافية في هذه الأطر إلا نوع من القراءة والاستعداد الذهني الخالص الذي تدرب بشكل جيد على إدراك القيم الجمالية.
ويلفت المؤتمر الانتباه إلى أن موضوع مادة التربية الفنية قد عانى من التهميش وربما التناسي سواء المقصود أو عن غير قصد، عبر سنين طويلة، وتتداخل في ذلك عوامل عديدة، لكن المهم في المرحلة الراهنة ذلك الانتباه الكبير والمضاعف إلى دور التربية الفنية في صياغة الأجيال، إذ أنها تتكامل مع مجمل تصورات التربية الحديثة وعملية التعليم المنهجي الجديد الذي يهدف إلى إدخال الإنسان المعاصر في صميم متطلبات وحاجات العالم الحديث، وما المعنى الجمالي وإدراك الفنون الجميلة إلا مدخل مركزي في هذا الباب الذي تتجدد النظرة إليه وفق تصورات الفلسفات والعلوم الأكثر حداثة.
إن رد الاعتبار إلى التربية الفنية يعني إعادة ترتيب الكثير من الأمور في طريقة قراءة الذهن البشري لموضوعات كثيفة الدلالات ترتبط بالتفكير النسقي والمرتب، وأن القيم الجمالية لا تنفصل عن جدليات الابتكار والإبداع وتجديد الحياة الإنسانية عبر مجمل مسار الإبداعات والابتكارات ذات القيمة النوعية والتي تأخذ من منحى البيئة المحلية ومن صميم التجربة العالمية في تجليات الثورة الصناعية الحديثة، فقيم الابتكار هنا تتعلق بدرجة ملموسة بطريقتنا في فهم الفنون والجمال وثقافة الصورة والتعبير الفني.
يجب لفت الذوات إلى أن موضوعات التربية الفنية اليوم، لم تعد إطارا كلاسيكيا بل هي مادة دسمة تقودنا إلى فكرة الإنسان المبدع الذي يعطي ويقدم الجديد دوما، من خلال تغيير نمط تفكيره وتصوراته للعالم ومن خلال قدرته على توليد الأفكار وإنتاج المعاني المتجددة ولا يحدث مجمل ذلك إلا وفق تدريب شاق لكنه رائع، يقوم على وعي الفنون والاندماج معها في تصورات الثقافة الإنسانية المعاصرة.
كما يجب الإشارة إلى أن موضوع الفنون والتربية الجمالية والفنية يتجاوز الالتصاق المباشر بالفنون التشكيلية وهذه الصور بمختلف معانيها، إلى رحاب واسعة من التجربة الإنسانية التي تتطلع دائما إلى الجديد والمفيد.