تحقيقات الكونجرس تشعل المواجهة الحزبية

عوض بن سعيد باقوير صحفي ومحلل سياسي  –

في حين يري آخرون بأن عدم العزل في نهاية المطاف سوف يحدث أثرا سلبيا على الرئيس ترامب وحظوظه في انتخابه لفترة رئاسية ثانية وفي الولايات المتحدة ذات التعقيد السياسي والاستقطاب وجماعات الضغط ودور المال السياسي والإعلام الصاخب يصعب توقع اتجاهات تلك التحقيقات وبالتالي تأثيرها علي الانتخابات الرئاسية على الحزبين والمرشحين ولكن تلك التحقيقات سوف تترك أثرا بالغ الأهمية على الساحة السياسية في الولايات المتحدة.

يواجه الرئيس الامريكي دونالد ترامب عاصفة سياسية قد تفضي إلى عزله من قبل الكونجرس بسبب مكالمته الشهيرة مع الرئيس الأوكراني فلوديمير زيلينسكي والتي قيل إنه مارس ضغطا عليه لإجراء تحقيق بشأن نجل جو بايدن نائب الرئيس السابق باراك أوباما والمرشح الديمقراطي الأوفر حظا في السباق الرئاسي ضد الرئيس الجمهوري ترامب.
وقد بدأت التحقيقات التي تجريها لجنة الاستخبارات بمجلس النواب الأمريكي والتي يرأسها ادم شيف مع عدد من المسؤولين منهم السفير الأمريكي في أوكرانيا ورئيس وكالة الأمن القومي مع طلب الوثائق التي تكشف المراسلات بين الولايات المتحدة وأوكرانيا علاوة على إمكانية استدعاء رجل الاستخبارات والذي رصد المكالمة وفجرت العاصفة السياسية التي تعيشها المؤسسة السياسية والتشريعية في الولايات المتحدة.
ورغم الضجة الإعلامية التي صاحبت تلك التحقيقات التي تجري الآن فإن هناك شكوكا حول انتهاء التحقيقات بعزل الرئيس ترامب حتى مع إدانة مجلس النواب بأكثرية ثلثي الأصوات لأن ذلك يتطلب اغلبية في مجلس الشيوخ ذي الأغلبية الجمهورية ومع ذلك فإن تلك التحقيقات قد تضر بالحزبين في إطار الانتخابات الرئاسية العام القادم.
فالحزب الديمقراطي يتطلع إلى إدانة الرئيس الأمريكي ترامب خاصة وان تحقيقات المحقق الخاص موللر لم تؤدِ إلى نتائج حاسمة رغم أن تقرير موللر لم يبرئه بشكل حاسم وجعل الأمر قابلا للنقاش والتحليل من قبل الكونجرس ومن هنا فان مساءلة الرئيس الحالية سوف تفضي إلى نتائج حاسمه وتأثيرات حاسمة سوف تنعكس سلبا أو إيجابا مع اتجاهات الحزبين.

تاريخ العزل الرئاسي

هناك ثلاثة من الرؤساء الأمريكيين الذين واجهوا إجراءات العزل وبالتالي فإن الرئيس ترامب هو الحالة الرابعة وعلى مدار تاريخ الولايات المتحدة والتي مر عليها 45 رئيسا لم يتعرض سوى ثلاث رؤساء لإجراءات العزل من المنصب حيث فشلت في حالتين وانتهت الثالثة بالاستقالة وبالتالي لم تستكمل التحقيقات.
فقد تعرض الرئيس السابع عشر للولايات المتحدة اندرو جونسون والذي تولى الرئاسة بعد اغتيال الرئيس ابراهام لينكولن بسبب كونه نائبا للرئيس وسعى لإعادة الولايات المنفصلة عن الاتحاد الأمريكي بعد الحرب الأهلية، لكن خططه استثنت بعض العرقيات كالسود والذين حصلوا علي حريتهم ونالوا الجنسية الأمريكية مما أدخل جونسون في صراع مع الجمهوريين في الكونجرس وبعد صراع سياسي وقانوني انتهى بسحب الثقة منه من مجلس النواب ولكنه نجح في تجنب إدانة مجلس الشيوخ له وعزله من منصبه بفارق صوت واحد فقط.
الحالة الثانية الشهيرة فقد كانت مع الرئيس السابع والثلاثين وهو الجمهوري نيكسون والتي انتهت باستقالة نيكسون بعد فضيحة ووترجيت التي فجرتها صحيفة واشنطن بوست من خلال الصحفي الشهير بوب وودورد بسبب التجسس على الحزب الديمقراطي من خلال أجهزة تنصت، وكانت تحقيقات العزل تجري في الكونجرس ولكنها لم تستكمل بسبب استقالة نيكسون وهي الحالة التي فقد فيها الرئيس منصبه الرئاسي.
الحالة الثالثة كانت للرئيس الثاني والأربعين وهو بيل كلينتون بسبب فضيحة سياسية معروفة باسم لوينسكي وقد تم إدانة الرئيس الأسبق كلينتون بالكذب تحت القسم ورغم إدانته من قبل مجلس النواب وإصدار قرار بإقالته إلا أن مجلس الشيوخ برأه من التهم عام 1999 وقضى بأن يكمل فترته الرئاسية ومن خلال الحالات الثلاث فإن حسم الإدانة والعزل يعتمد علي تجاذبات حزبية في الكونجرس بغرفتيه مجلس النواب ومجلس الشيوخ ومن هنا فإن إدانة الرئيس ترامب إن حدثت في مجلس النواب وهو الأمر المرجح فإن تمريرها من قبل مجلس الشيوخ، وفي إطار العام الانتخابي عام 2020 يبدو صعبا ومع ذلك فإن التحقيقات الحالية سوف تترك أثرا سلبيا كبيرا علي الرئيس ترامب مع تصاعد نسبة الرأي العام في الولايات المتحدة المؤيد لإجراءات العزل والتي تجاوزت خمسين في المائة.

الاستقطاب الحزبي

هناك استقطاب وصراع حزبي في الولايات المتحدة بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري وكما هو معروف فإن دعوة الرئيس ترامب للصين لإجراء تحقيقات مع منافسه الديمقراطي المحتمل جو بايدن ونجله حول الصفقات التجارية مع أوكرانيا والصين قد ضاعف من الحملة الشرسة بين الحزبين ووصلت الأمور إلى مستويات متدنية من الألفاظ والاتهامات المتبادلة والهدف الأهم في هذا الاستقطاب هو الانتخابات الرئاسية القادمة والتي يتوقع لها أن تكون انتخابات غير مسبوقة.
فالتحقيقات الحالية حول مساءلة الرئيس ترامب سوف تأخذ شهورا ومع نهايتها سوف يكون قرار الكونجرس إما بالإدانة أو عكس ذلك، وهنا سوف تكون هناك تأثيرات واضحة حتى على المرشح الديمقراطي المحتمل جو بايدن وقد يكون هناك تفكير مختلف للحزب الديمقراطي للدفع بمرشح رئاسي آخر، كما أن هناك معارضة واضحة من عدد الجمهوريين لتصرفات الرئيس ترامب ودعوته دولة أجنبية للتحقيق مع شخصيه سياسيه أمريكية وكان يشغل منصب نائب الرئيس في عهد اوباما، ومن هنا فإن الانتخابات القادمة سوف تتأثر بشكل كبير بما يحدث الآن من استقطاب حزبي وسياسي وتحقيقات متعمقه والتي جعلت وزير الطاقة الأمريكي يعلن بأنه سوف يترك موقعه في شهر نوفمبر القادم، كما استقال السفير الأمريكي في أوكرانيا وقد تتوالى الاستقالات من إدارة ترامب مع التقدم في التحقيقات والكشف عن المعلومات والوثائق وخاصة نصوص المكالمات.
ويدور الحديث الآن في واشنطن عن مخبر سري آخر سوف يقدم شكوى ضد الرئيس ترامب حول الاتصالات مع أوكرانيا، ومن هنا فإن واشنطن تعيش فصلا ملتهبا من الاستقطاب السياسي والمعركة السياسية المحتدمة والتي سوف تقسم المجتمع الأمريكي.
الرئيس ترامب في وضع صعب ومعقد وبصرف النظر عن إدانته من عدمها فإن وضعه السياسي سوف يكون محل شك وهناك أصوات جمهورية بدأت توجه له النقد بسبب تصرفاته وتغريداته المثيرة للجدل.

الصخب الإعلامي

الولايات المتحدة ومن خلال تاريخها البعيد والقريب عاشت مثل هذه الأحداث كما تمت الإشارة مع الحالات الثلاث من الرؤساء الذين تعرضوا للتحقيقات وخطر العزل ولم تنجح سوى حالة نيكسون الذي استقال بعد أن أيقن أن إدانته ومن ثم عزله هو أمر محتوم
والذي يضفي المزيد من الإثارة علي تلك الأحداث السياسية الساخنة هو الإعلام الأمريكي والذي تشده مثل تلك التطورات خاصة وان الرئيس ترامب ليس على علاقة إيجابية مع الصحافة والإعلام الأمريكي حيث يصف بعض أدواته بالمزيفة، ومن هنا فإن استهداف عدد من القنوات الإخبارية وكبرى الصحف الأمريكية للرئيس ترامب واضحة وقد تكون لسلوكياته وتصريحاته حافزا لتلك الأدوات الإعلامية للهجوم على سياسته.
فضيحة ووترجيت فجرتها صحيفة واشنطن بوست واستقال الرئيس نيكسون علي اثرها ولعل الكم الكبير من التغطية الإخبارية والصحفية للتحقيقات الحالية في مجلس النواب يعطي مؤشرا علي الصخب الأمريكي المعتاد في مثل هذه القضايا المثيرة للجدل والتي تخص الرئيس نفسه، وسوف يستمر هذا الصخب الإعلامي لشهور وقد تكون هناك معلومات مسربة من جهات استخبارية للصحافه الأمريكية قد يشعل الموقف السياسي وهو أمر معروف حيث سرعة تدفق المعلومات والمصادر الخاصة واحيانا تأتي تلك السلوكيات في إطار تصفية الحسابات وعلي ضوء ما يجري الآن فإن المعركة التشريعية والسياسية وهي هنا بين مجلس النواب والبيت الأبيض سوف تستمر فصولها وقد تحدث مفاجآت تعقد من وضع الرئيس ترامب او قد تكون هناك أحداث كبرى تخفف من تلك العاصفة السياسية في واشنطن.
وفي كل الأحوال فإن المساءلة الحالية للرئيس التي تجري الآن والتي تقودها نانسي بيلوسي رئيس مجلس النواب مع عدد من لجان الكونجرس سوف تعقد المشهد الانتخابي العام القادم وسوف تكون لها تأثيرات كبيرة لدى الناخبين في الولايات المتحدة وسوف تكون نتائج تلك التحقيقات واتجاهاتها ذات أثر مباشر على الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري وعلى المرشحين من الحزبين فإذا لم يستطع الديمقراطيون النجاح في عزل الرئيس فقد ينقلب الرأي العام عليهم ومن هنا فإن هناك مخاطرة واضحة في الاتجاهين.
في حين يرى آخرون بأن عدم العزل في نهاية المطاف سوف يحدث أثرا سلبيا على الرئيس ترامب وحظوظه في انتخابه لفتره رئاسيه ثانية وفي الولايات المتحدة ذات التعقيد السياسي والاستقطاب وجماعات الضغط ودور المال السياسي والإعلام الصاخب يصعب توقع اتجاهات تلك التحقيقات وبالتالي تأثيرها على الانتخابات الرئاسية على الحزبين والمرشحين ولكن تلك التحقيقات سوف تترك أثرا بالغ الأهمية على الساحة السياسية في الولايات المتحدة.