ترامب و«أوكرانيا جيت» .. صراع بلا نهاية !

رشا عبدالوهاب –

يبدو أن فضائح القوى العظمى لا تتكشف إلا عبر التسريبات والاعترافات، فهناك دائما «عين وأذن» صغيرة تفضحان وتكشفان ما يحدث بين جدران الغرف المغلقة، وما يقوله المسؤولون الكبار، فبعد كشف الصحفيين كارل برنستين وبوب وودورد لفضيحة «ووترجيت»، وجرأة إدوارد سنودن المتعاقد في وكالة الأمن القومي الأمريكي الذي كشف عن فضيحة تنصت أمريكا على العالم.. وغيرها الكثير من الفضائح.
ومنذ دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لم يتوقف سيل الفضائح، ويبدو أن هذه الفضائح كلها تدور في فلك روسيا. فبعد ما سمي بـ «روسيا جيت»، حيث تم اتهام الرئيس الأمريكي، إمبراطور العقارات سابقا، بالتواطؤ مع موسكو خلال انتخابات الرئاسة الأمريكية، تفجرت منذ أيام فضيحة سياسية جديدة من العيار الثقيل تمثلت في اتهام الرئيس الأمريكي باستغلال سلطاته السياسية من أجل مصالح سياسية شخصية، ومن بينها تشجيع التدخل الأجنبي من قبل أوكرانيا في انتخابات الرئاسة الأمريكية 2020.
وثار جدل حاد حول ما سمي بفضيحة أوكرانيا بعد قيام الديمقراطيين باتخاذ إجراءات لمساءلة ترامب. وفي 24 سبتمبر الماضي، أعلنت نانسي بيلوسي رئيسة مجلس النواب عن بدء إجراءات المساءلة رسميا ضد ترامب أمام ست لجان في الكونجرس، وهي: العدل، والاستخبارات، والرقابة والإصلاح، والعلاقات الخارجية، والخدمات المالية، والطرق والوسائل. ووجهت بيلوسي اتهامات نارية للرئيس الأمريكي حيث قالت إن «أفعال رئاسة ترامب كشفت حقيقة مخجلة تتمثل في خيانة الرئيس للقسم، وخيانته للأمن القومي، وخيانته لنزاهة الانتخابات».
وأعلن البيت الأبيض أن بعض المزاعم التي ذكرها «فاضح» المكالمة الهاتفية التي أجراها الرئيس الأمريكي مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في يوليو الماضي يطالبه خلالها بالتحقيق في أنشطة شركة «كراود سترايك» التي يمتلكها منافسه المرشح الديمقراطي المحتمل جو بايدن ونجله هانتر، ومناقشة النتائج التي تتوصل إليها التحقيقات الأوكرانية مع كل من رودي جولياني المحامي الشخصي لترامب، ومع ويليام بار وزير العدل الأمريكي. المكالمة الرئاسية، التي يطلع عليها المسؤولون الأمريكيون، ليست مباحة ولا متاحة لأحد، حيث يتم نقل تسجيل المكالمة إلى نظام شديد السرية، حيث يعمل مسؤولو البيت الأبيض على تشفير نص المكالمة، ونقلها إلى نظام كمبيوتر عالي الحماية والخصوصية.
وفي وقت لاحق بعد تسريب فحوى مكالمة ترامب وزيلينسكي، اتضح أن نصوص مكالمات الرئيس مع قادة الدول الأخرى، مخزنة على خادم «سيرفر» شديد الإحكام بدون سبب واضح، ومن بين هذه المكالمات، مكالمة مع سكوت موريسون رئيس الوزراء الأسترالي، يطلب فيها ترامب مساعدة كانبيرا في التحقيق حول أصول تحقيق روبرت مولر المحقق الخاص في قضية التدخل الروسي في انتخابات الرئاسة الأمريكية في 2016، والتي فاز فيها ترامب.
وزعم «المخبر» أو «المبلغ» عن نص المكالمة بين الرئيسين الأمريكي والأوكراني أن المكالمة كانت جزءا من حملة أوسع يشنها ترامب وإدارته والمحامي جولياني للضغط على أوكرانيا للتحقيق في أنشطة عائلة بايدن، وتضمنت الحملة قيام الرئيس الأمريكي بإلغاء زيارة نائبه مايك بنس إلى أوكرانيا، كما أوقف مساعدة مالية كانت مقررة لها أيضا. وقدم ترامب تفسيرين متناقضين لوقف المساعدة المالية لأوكرانيا، الأول أنه قرر وقف المساعدة بسبب الفساد في أوكرانيا، ثم عاد وقال إن السبب يتمثل في أن الدول الأوروبية لا تساهم بشكل كاف في مساعدة كييف. وقدم «المخبر» بلاغا ضد ترامب وعددا من المسؤولين في إدارته إلى محقق في وكالة المخابرات المركزية «سي. آي. إيه»، والذي قدمه بدوره إلى مايكل أتكينسون، المفتش العام لعموم المخابرات الأمريكية، بموجب أحكام قانون «حماية المبلغين عن المخالفات». وبدأ أتكينسون بالتحقيق، واستدعاء كبار المسؤولين الذين كشف عنهم «المخبر» لاطلاعهم على المكالمة. وقال أتكينسون إن البلاغ ذو مصداقية ويجب التحرك حيال ما ورد فيه، وقام بتحويل البلاغ إلى جوزيف ماجواير القائم بأعمال مدير وكالة المخابرات الوطنية، ووفقا لقانون حماية المبلغين عن الانتهاكات، لم يقم ماكجواير بالتزام القانون عبر إرسال البلاغ إلى لجنتي المخابرات بمجلسي النواب والشيوخ، وهو ما جعل أتكينسون يرسل رسائل إلى الكونجرس يخبرهم فيها بملخص ما حدث. وفي 10 سبتمبر الماضي، كتب آدم شيف رئيس لجنة المخابرات بمجلس الشيوخ خطابا إلى ماكجواير يسأله حول عدم إرسال البلاغ، ليرد الأخير أن ذلك تم بتوجيه من السلطة العليا لأنه يتضمن الحديث عن اتصالات رفيعة المستوى. وبررت إدارة ترامب حجب البلاغ بتأكيد من وزارة العدل إن المفتش العام لعموم المخابرات الأمريكية «ليس جهة اختصاص».
واتهم المفتش العام، خلال جلسة استماع أمام لجنة المخابرات بمجلس النواب، ترامب بانتهاك قانون تمويل الحملات الانتخابية الفيدرالي عبر طلب مساعدات أجنبية، وردت المتحدثة باسم وزارة العدل بأن الشعبة الجنائية بالوزارة راجعت مكالمة ترامب مع زيلينسكي كاملة، ولم تجد ما يدعم اتهامات المفتش العام، وأشار مسئول آخر إلى أن الاتصال لا يحمل طلبا «له قيمة»، وبالتالي لا يشكل انتهاكا للقانون.
وفي البداية، تم حجب البلاغ عن الكونجرس بتوجيه من البيت الأبيض ووزارة العدل، مع أنه قانونا، يجب توجيه هذه البلاغات إلى لجنتي الاستخبارات بمجلسي النواب والشيوخ خلال 7 أيام. وتم توجيه البلاغ إلى الكونجرس بعد 30 يوما.
وتعود قصة عمل هانتر بايدن في أوكرانيا إلى 2014، عندما قررت إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما دعم حكومة أرسيني ياتسينيوك رئيس الوزراء الأوكراني وقتها، والتي تم انتخابها بعد الثورة الأوكرانية في 27 فبراير 2014، وكان نائب أوباما جو بايدن يقود جهود مساعدة كييف في مواجهة النفوذ الروسي، وانضم هانتر كعضو إلى مجلس إدارة شركة «بوريسما» القابضة للطاقة كمحام، وذلك لمساعدة الشركة على تطبيق أفضل الممارسات التجارية.
وخلال مقابلة مع جو بايدن في ديسمبر 2015، قال إنه لم يناقش نشاط هانتر مع بوريسما، على الرغم من أنه نصح، في وقت سابق، الحكومة الأوكرانية بتقليل الاعتماد على إمدادات الغاز الطبيعي من روسيا، مشددا على أن الولايات المتحدة قدمت لكييف «الخبرة الفنية» لتوفير الإنتاج المحلي من الغاز، وهو ما اعتبره البعض إشادة بنجله هانتر. وكانت شركة بوريسما الأوكرانية، التي يمتلكها الملياردير ميكولا زلوتشيفسكي، محل تحقيق من المدعى العام الأوكراني بسبب اتهام مالكها بغسيل الأموال والتهرب الضريبي والفساد. وفي 2015، تولى فيكتور تشوكين منصب المدعى العام الأوكراني، وأعربت حكومات غربية، ومن بينها إدارة أوباما، عن مخاوفها من أن تشوكين لا يفعل ما يكفى لتعقب الفساد، وأنه يحمى النخبة السياسية.
وفي ديسمبر 2015، زار جو بايدن أوكرانيا، وأعلن تعليق قروض بقيمة مليار دولار حتى يتم تنفيذ إصلاحات مكافحة الفساد، وإقالة تشوكين، وهو ما دعا البرلمان الأوكراني إلى التصويت على إقالة المدعي العام، ومن ثم تم الإفراج على القروض الأمريكية في وقت لاحق.
وأعلن تشوكين أن إقالته تمت بسبب تحقيقات شركة بوريسما، بعد استهداف هانتر. وحتى الآن، لم يثبت بالدليل القاطع تدخل نائب الرئيس الأمريكي السابق لحماية نجله من الملاحقة بتهم الفساد بالأدلة، على الرغم من أن ترامب وجولياني وحلفائهما أشعل التكهنات حول ذلك، خصوصا أن يوريلوتسينكو، خليفة تشوكين، اتخذ نهجا متشددا ضد بوريسما، لكنه أعلن لاحقا أن الإجراءات القانونية والاتهامات الجنائية ضد زلوتشيفسكي تم إغلاقها بالكامل بسبب غياب الأدلة.
ومنذ مايو الماضي، سعى محامي ترامب إلى الضغط على حكومة فولوديمير زيلينسكي لإعادة التحقيق في أنشطة بوريسما، وإذا ما كان هناك أي مخالفات ارتكبت بحق بول مانافورت المدير السابق لحملة الرئيس الأمريكي، الذي حكم عليه بالسجن بتهم التلاعب الضريبي والاحتيال المصرفي، وأحد المتهمين في قضية التدخل الروسي حيث إنه من بين حضور الاجتماع الشهير مع مسؤولين روس في برج ترامب في 2016، من أجل تشويه سمعة المرشحة الرئاسية الديمقراطية هيلاري كلينتون، ولكن الاتهام الذي يرتبط بسياق فضيحة أوكرانيا كان العمل مع الرئيس الأوكراني السابق فيكتور يانوكوفيتش وحزبه الموالي لروسيا، وقيام بغسيل أموال والتهرب الضريبي لصالح يانوكوفيتش. وبدأت جهود جولياني لتبييض صفحة مانافورت لدفع ترامب إلى إصدار عفو عنه، وقال إن لديه معلومات مؤكدة من خمس أوكرانيين تشير إلى أن إدارة أوباما السابقة سعت إلى تلويث سمعة ترامب ومانافورت، وأوضح أنه ألغى رحلة مقررة إلى أوكرانيا بسبب رفض المسؤولين جهودا لمحاولة فضح الديمقراطيين. ويعتبر المراقبون أن ما يحدث يصب في صالح ترامب، ولن يؤدي إلى عزله، بينما يرى آخرون أنه يأتي في إطار الصراع التاريخي بين الجمهوريين «رمز الفيل» والديمقراطيين «رمز الحمار».