التحقيق مع ترامب.. قراءة في الوثائق الأساسية

صلاح أبو نار –

في الرابع والعشرين من سبتمبر أعلنت نانسي بيلوسي، المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب الأمريكي، بدء إجراءات التحقيق مع الرئيس دونالد ترامب. لم تكن قد مرت عدة شهور قليلة علي تقديم روبرت موللر لتقريره حول ما دعي « قضية التواطؤ الروسي»، والذي انتهى فيه إلى أنه لا وجه للتحقيق مع الرئيس الأمريكي، حتى انفجرت قضية أوكرانيا لتنتهي بسرعة مثيرة للدهشة إلى البدء في التحقيق معه.
فهل نحن أمام قضية فعلية تمتلك من الوقائع مايبرر هذا التحول؟ أم أننا أمام صراع حزبي ضار ازدادت حدته مع اقتراب انتخابات 2020 الرئاسية؟ في معرض الإجابة على هذا السؤال ينبغي أن نميز بين الوقائع ذاتها بما تحمله من أدلة وقرائن يمكن أن تبرر الشروع في هذا التحقيق، وبين إمكانية أن يمضي هذا التحقيق قدما مستكملا كل خطواته لينتهي بإدانة الرئيس. ومن المنطقي تماما أن نقول إن استكمال التحقيق لكل خطواته وانتهائه بإدانة الرئيس أمر مستحيل التحقق، ذلك أن القواعد المنظمة للتحقيق مع الرؤساء الأمريكيين، صممت قانونيا ودستوريا بما يجعل عزل الرئيس مسألة مستحيلة عمليا. على مدار التاريخ الأمريكي كله لم تحدث عملية التحقيق ثم المحاكمة مع الرئيس الأمريكي إلا مرتين، انتهت الأولى مع اندرو جونسون 1868 والثانية مع بيل كلينتون1998 بتبرئتهما. وفيما يتعلق بالتحقيق مع الرئيس ريتشارد نيكسون في فضيجة ووترجيت 1973 – 1974 فلقد كانت الصورة أكثر تعقيدا. فلم تتمكن اللجنة القضائية في مجلس النواب من إصدار قرار التحقيق، إلا بعد صدور قرار من المحكمة العليا يلزم الرئيس بتسليمها نسخة كاملة من تسجيلات تتعلق بالحادث جرت في مكتبه، وبعد صدوره بأيام صاغت قرار التحقيق في 30 يوليو 1974 ووجهته الى مجلس النواب للتصويت عليه. ولما كانت الأدلة مؤكدة، فلقد توافق الجمهوريون والديمقراطيون على عدم الدفع بالعملية الى نهايتها الدستورية، وفضلوا الضغط على الرئيس ريتشارد نيكسون ودفعه للاستقالة في 9 أغسطس. هذا فيما يتعلق بالقيود الدستورية والقانونية، وإذا نظرنا للقيود السياسية سنجد أن مجلس النواب يسيطر عليه الديمقراطيون، وبالتالي من الممكن صدور قرار التحقيق، وهو ما يجري الإعداد له الآن. ولكن بما أن دور النواب يقف عند إصدار القرار، فإن مجلس الشيوخ هو المسؤول الأساسي عن التحقيق. ولما كان الجمهوريون يسيطرون على عضوية مجلس الشيوخ ولجانه الأساسية، فمن المتصور أن تمضي عملية التحقيق قدما، ولكن ليس من التصور أن تأخذ كل مداها، ولا أن تنتهي الى الإدانة عبر المحاكمة، لأن الإدانه تتطلب أغلبية الثلثين. إلا أن القراءة الأولية للوثائق الأساسية للقضية المثارة، توحي بأن القضية مؤهله لتفجير مفاجآت كبيرة تحمل معها احتمالات غير متوقعة، وهكذا سيكون الأكثر فائدة أن نركز اهتمامنا على الجانب الأول في انتظار ما قد تسفر عنه التطورات.
من المفيد بداية أن نحدد ما نقصده بالوثائق الأساسية. حتى الآن هناك وثيقتان تستحقان هذا الوصف، وإن كان من المتوقع ظهور وثائق أخرى؛ الأولى هي التقرير الذي كتبه «المبلغ»، وهو «أحد» العاملين داخل جهاز المخابرات المركزية الأمريكية، وتتكون من 9 صفحات سبع منها مصنفة رسميا كوثيقة مفتوحة أو قابلة للتداول، وصفحتان مصنفتان كوثيقة سرية. الوثيقة كتبت داخل الجهاز، ووجهها كاتبها الى رئيس الجهاز، ونشرت علنا يوم 26 سبتمبر مع إخضاع الجزء السري منها لشطب أجزاء، وصلت مساحته إلى حوالي ثلث صفحة.
والوثيقة الثانية هي التفريغ الكتابي الرسمي للمكالمة التي أجراها الرئيس ترامب مع رئيس أوكرانيا، ونشر علنا يوم 28 سبتمبر ويتكون من خمس صفحات. ونظريا يبدو التفريغ كاملا، ولكن عمليا فإن احتمال تعرضه لشطب عفوي أو مخطط واردة، لأن الوثيقة تحمل في أولى صفحاتها تنبيها يقول ان التفريغ الوارد فيها ليس حرفيا. ومن غير الواضح، إذا كان هذا التنبيه أضيف الى النص المفرج عنه، أم انه نص يضاف تقليديا الى تفريغ كل المكالمات.ما الذي تخبرنا به الوثائق الأساسية؟ سنجمع في رصدنا بين ما تقوله الوثائق مباشرة، وبين ما نستنتجه بالتحليل من سطورها. تتعلق الملاحظة الأولى بهوية كاتبي الوثيقة الأولى. يبدو من قراءتها أن فكرة كون الكاتب فردا واحدا مستبعدة بنسبة كبيرة، والأرجح أنها شكوى كتبها فريق من العاملين في المخابرات المركزية، وفضلوا تقديمها لأغراض من السهل استنتاجها على أنها شكوى فردية. ويبدو هذا واضحا من صياغة الوثيقة، فعلى امتداد صفحاتها يذكر « المبلغ» مرارا ومباشرة أنه في مسألة أو أخرى كان يتشاور مع عاملين داخل الوكالة، أو يحصل على معلومات محددة منهم. وعبر الصفحات السبع الأولى، تنتشر الهوامش التي تقوم بتقديم معلومات واقعية تفصيلية في سياق تحليلي، لدعم المعلومات المحددة التي افصح عنها المبلغ، وهي معلومات تبدو حصيلة لأوراق ومناقشات داخلية أكثر من كونها مجرد عمل فردي. والواقع أن ما نقوله قد لفت أنظار الجميع تقريبا. فالكثير من التعليقات داخل تحليلات الصحف الأمريكية، أشارت الى هذا الأمر واستخدمت ضمير الغائب للجمع للإشارة الى من كتب المذكرة، فكانت تكتب «هم» وليس «هو». وفي مناقشة لجنة مجلس النواب لشهادة جوريف ماجوير القائم بأعمال رئيس المخابرات، طرح عدة أعضاء من بينهم رئيس اللجنه نفسه هذه الفكرة، بل ووجه إليه سؤال مباشر عنها. وتتعلق الملاحظة الثانية بثلاثة اتهامات مباشرة، وجهها التقرير الى الرئيس الأمريكي وايدها نص المكالمة المنشور، تندرج كلها تحت اتهام واحد هو استثاره تدخل خارجي لصالحه في الانتخابات الرئاسية القادمة، الأمر الذي يشكل إساءة لاستخدام السلطات وتهديدا للأمن القومي.
يفيد الأول ان ترامب اتصل بالرئيس الأوكراني وطلب منه فتح التحقيق مجددا، في قضية تتعلق بشركة يمتلكها هانتر بايدن ابن جو بايدن منافسه الديمقراطي المرجح في الانتخابات. ولقد جاء تفريغ المكالمة مؤيدا لما جاء في التقرير، بل إنه جاء في سياق يحمل معه دلالات أخرى داعمه للاتهام. فلقد مهد ترامب لطلبه بحديث طويل عما فعلته أمريكا لأوكرانيا، وحرص على إجراء مقارنه طويلة بأوروبا التي وفقا لما يقوله لم تقدم لأوكرانيا سوى الكلمات، في رسالة ضمنية لكنها واضحة تماما تقول إن من يملك المنح يملك الامتناع عن المنح. كما ان ترامب ارفق طلبه بحديث مطول عن المدعي العام الأوكراني السابق والحالي، في سياق يرمي للدفع بالرئيس الأوكراني نحو توظيف المدعي العام في خدمة طلبه السابق، وهو الأمر الذي التقطه الرئيس الأوكراني فورا ومرحبا. ولكن ما سبق يخص فقط ما جاء في التقرير والمكالمة، والواقع ان التقرير يضيف سلسلة من المعلومات الاستخبارية عن مقابلات أجراها مبعوثون من ترامب مع مسؤولين أوكرانيين، هدفها كما قال متابعه تنفيذ الرئيس الأوكراني لما طلبه ترامب.
ويأتي الاتهام الثاني علي سبيل دعم مصداقية دلالة الاتهام الأول، لكنه يشكّل ايضا انتهاكا لقواعد سياسية متعارف عليها، لكنها هذه المرة قاعدة تنظيم مؤسسي داخلي. يفيد الاتهام أنه في أعقاب المكالمة المذكورة التي تم تفريغها فورا كما هي العادة، صدرت أوامر من مسؤولين في البيت الأبيض شعروا بخطورة ما جاء في التسجل وبناء على آراء لفريق من القانونيين، بنقل مكان حفظ التفريغ التقليدي والرسمي للمكالمة داخل نظام الكمبيوتر، وهو مكان وثائقه مفتوحة ومتاحة للاستخدام الداخلي وفقا لمقتضيات العمل الوظيفي، الى مكان آخر منفصل لحفظ الوثائق السرية ذات الحساسية للأمن القومي، ويتولى إدارته مجلس الأمن القومي وإدارة تدعي «إدارة برامج الاستخبار». ويأتي الاتهام الثالث مدعما أيضا لمصداقية الأول، ويلاحظ ان كاتب التقرير قد حرص على إيراده في الصفحات المعتبرة سرية من تقريره. ويفيد الاتهام حصول الكاتب على معلومات مصدرها «مكتب الإدارة والميزانية» و«مجلس الأمن القومي»، تشير الى صدور أمر من ترامب في اوائل يوليو بإيقاف معونة أمنية موجهه لأوكرانيا. ويضيف انه في لقاء مباشر بين وكالة المخابرات الأمريكية ومسؤولي مكتب الإدارة والميزانية، اقر مسؤولو المكتب صراحة ان الأمر الخاص بإيقاف المعونة قد صدر عن ترامب مباشرة، لكنهم صرحوا أيضا انهم لا يعرفون سبب هذا الإيقاف.
وتتعلق الملاحظة الثالثة والأخيرة بما يفتحه التقرير من إمكانيات للتوسع في التحقيق. على امتداد صفحاته أشار التقرير الى عشرات المسؤولين الذين تناقش معهم أو حصل منهم على معلومات محددة هامة ومؤيدة لمعلوماته، ولم يذكر أي أسماء لكنه كان حريصا على ذكر جهات عملهم، التي توزعت بين المخابرات ذاتها والبيت الأبيض والخارجية الأمريكية ومجلس الأمن القومي ومكتب الإدارة والميزانية. وهو يشير الى هؤلاء إما كمجرد مصدر للمعلومات يقدمونها بحيادية، أو كمصدر للمعلومات حول وقائع يستنكرون حدوثها ويشاركون الكاتب نفس تقييمه لها، وينطوي ما يقولونه على إشارات الى مسؤولين أمريكيين حضروا اجتماعات واجروا مقابلات في الوقائع المشار إليها. ماذا يعني ذلك؟ يعني ببساطة ان ماهو مطروح يفتح الأبواب أمام سلسلة من الاستدعاءات لمسؤولين أمريكيين أمام الكونجرس، سواء للتحقيق أو لمجرد تقديم الشهادة، ومع كل ذلك إمكانيات واسعة لتراكم الوقائع والأدلة.