إشكالية العزل.. عقبة في طريق أمريكا

إميل أمين –

لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تنفجر فيها الألغام في وجه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فقد انفجرت من قبلها إشكالية « روسيا – جيت »، والتي قال البعض إنها يمكن ان تؤدي الى عزل الرئيس ترامب من موقعه كرئيس للولايات المتحدة الامريكية.
غير أن الحال هذه المرة أي مع ظهور أزمة « أوكرانيا – جيت »، يبدو مختلفا بعض الشيء، سيما وأن مقدرات الأزمة تدور بالقرب من الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي ستجري العام القادم وبالتحديد في نوفمبر 2020.
عدة اسئلة تطرح ذاتها بذاتها امام القراء: ما الذي فعله ترامب حتى يتعرض الى احتمالات الاتهام والعزل، مرورا بفكرة الإجراءات، وصولا الى عمق هذه القراءة، أي ما هي استحقاقات الجدل الدائر في أمريكا اليوم على الانتخابات وهل نتيجة ما يحدث هي فقط التي ستحدد من هو الفائز ومن هو المهزوم، أم أن الأمر سيتجاوز النتيجة الى انسحابات تخص الحزبين الكبيرين ويمكن ان تؤدي الى خسارتهما معا؟
حتى لا نرهق القارئ بالتفاصيل التقنية، تدور الأزمة حول مكالمة هاتفية جرت في شهر يوليو الماضي ما بين الرئيس الأمريكي ونظيره الأوكراني تتعلق بإعادة فتح التحقيق في اتهامات سابقة كانت موجهة الى ابن « جو بايدن »، نائب الرئيس أوباما والمرشح الديمقراطي الذي كان الأوفر حظا قبل اندلاع الأزمة للوصول الى البيت الأبيض.
هل هذه المكالمة يمكن أن تقود الى عزل ترامب ولماذا؟
المعروف ان الدستور الأمريكي نظم عملية عزل الرئيس في حالات بعينها أهمها الخيانة العظمى، أو قبول الرشوة، وكذلك الجرائم الجنائية الخطيرة، وهذه غالبا ما تخضع لتفسيرات المحكمة الدستورية العليا، هذا بجانب عدم مقدرة الرئيس على القيام بمهامه الوظيفية، وساعتها يكون العزل أمر واجب الوجود.
وباختصار غير مخل أيضا يبدأ المشهد من عند مجلس النواب الذي يعمل بمثابة جهة ادعاء وجمع أدلة وإعداد قرار الإدانة، ثم يرفع الاتهام الى مجلس الشيوخ، والشاهد انه إذا كان الأمر في حال مجلس النواب لا يحتاج لإعداد قرار الاتهام إلا الى أغلبية بسيطة، النصف زائد واحد، فإن الأمر في مجلس الشيوخ مختلف ويحتاج الى موافقة ثلثي الأعضاء.تاريخيا لم يعزل أي رئيس أمريكي فقد جرت محاولا من قبل مجلس النواب لعزل كل من الرئيس اندرو جونسون في العام 1968، واتهام مماثل في العام 1998 للرئيس بيل كلينتون، غير انه في حال جونسون لم يتجاوز الأمر مجلس النواب، وبالتالي لم يصل الى مجلس الشيوخ، وفي حال كلينتون رفضت أغلبية الشيوخ الديمقراطية الموافقة على عزل ترامب.
أما الرئيس نيكسون ففي العام 1974 فضل الاستقالة على ان يتم عزله، وجاء لاحقا الرئيس فورد ليعفو عنه، الأمر الذي لم يغفره له الأمريكيون ولهذا اخفق في الانتخابات الرئاسية في مواجهة الرئيس جيمي كارتر.
والثابت أن مسالة التحقيقات قد تطول الى اشهر او عام، ما يعني ان الانتخابات الرئاسية سوف تجري سياقاتها وسط الصخب القاتل لأزمة أوكرانيا – جيت، هذا ان لم تظهر تسريبات لمكالمات أخرى من البيت الأبيض، وهناك مخاوف لظهور اتصالات ترامب وبوتين، الأمر الذي بات يزعج الرئيس أيما إزعاج، وما يمكن ان يقضي على مستقبله السياسي مرة والى الأبد.
والى حين ذلك يبقى السؤال الأهم ما هي الارتدادات الآنية والمستقبلية على امريكا رئاسة وادارة، سياسة داخلية وخارجية، لاشكالية اوكرانيا – جيت ؟
بداية يمكن القطع دون تزيد ان مجرد فتح ذلك الملف سوف يعمق من خلافات الأمريكيين ويضعف اللحمة والسدى في الداخل الامريكي، ويزيد من اهتراء النسيج المجتمعي، سيما وان اشكالية « روسيا – جيت «، تركت خدوشا تكاد تصل الى حد الشقوق في ثقة الرأي العام ليس في ترامب أو الجمهوريين فقط، بل في كافة طغمات السياسيين الأمريكيين الحاليين، وقد كان انتخاب ترامب، مجرد مكايدة سياسية في مواجهة هيلاري كلينتون المحملة بأوزار وخطايا سياسية عديدة، ومنذ الأيام الأولى لرئاسته لم يكن ترامب عامل توحيد بل تفريق، فالناظر الى القضايا العديدة التي اضرم نيرانها مثل رفض مهاجري أمريكا اللاتينية، ومنع دخول رعايا دول غالبيتها ان لم تكن كلها إسلامية، وقد جاءت الاتهامات بأن ترامب وحملته الانتخابية قد تعاطت مع الروس للتأثير على مسار الانتخابات، لتضعف من بنية النظام الديمقراطي الأمريكي، ذاك الذي أضحى قابلا للاختراق.
والمعروف ان المحقق موللر، وان لم يجد أدلة اتهامات تقطع بعلاقة ترامب مع الروس، فإنه أيضا لم يخلص الى ان ترامب بريء بالمرة، بل انه غير قادر على توجيه اتهام له بسبب غياب الأدلة، وكأن المحقق موللر هنا يخبر الأمريكيين باستفتاء قلوبهم قبل ان يفتيهم اي احد آخر.
والشاهد ان الاضطراب الذي خلفه موللر وراءه، امتد الى حال ومآل إدارة ترامب، فالرجل استبدل أربعة مستشارين للأمن القومي ووزيري خارجية، وعدد من كبار المسؤولين، ما يعني انه لا استقرار داخلي في إدارة الرئيس الذي يتطلع لأن يكون قيصر أمريكا الى الأبد، وهذا لن يحدث.
وفي ظل التوتر الحادث بدا وكان هناك اختراقات مختلفة حدثت للبيت الأبيض، الأمر الذي يعمق مسالة الصراع الداخلي بين الأجهزة الأمريكية، ولعل السؤال الأول الذي يتبادر الى ذهن القارئ من الذي تنصت على الرئيس واحضر نص المكالمة، وهل هذا يعني ان بعض الأجهزة الاستخباراتية ضمن المجمع الاستخباري الأمريكي تعمل ضد الرئيس؟
هذا الطرح يعزز ما ذهب إليه الرئيس ترامب من ان ما يجري حاليا هو انقلاب، ففي تغريدتين له على توتير قال:« لقد توصلت الى استنتاج مفاده ان ما يحدث ليس عزلا بل هو انقلاب هدفه الاستيلاء على سلطة الناس وتصويتهم وحرياتهم ». تبدو هذه العبارة مثيرة وخطيرة في الداخل الأمريكي، وتسبب مخاوف كبيرة على مسيرة البلاد الديمقراطية والتي تشهد انتكاسات واضحة في العقدين الأخيرين، وترامب من جهته يغذي هذه الهواجس معتبرا ان محاولات الديمقراطيين التي لا تكل ولا تمل تعد أيضا انقلابا على التعديل الثاني للدستور وعلى الجيش والجدار الحدودي وعلى حقوقهم التي وهبها إياهم الله كمواطنين للولايات المتحدة الأمريكية. توجهات ترامب سوف تزيد من اشتعال الجبهة الداخلية وقد تأتي بنتائج عكسية وقاتلة بالنسبة للديمقراطيين، إذ ترى أطياف مختلفة من الشعب الأمريكي وبخاصة الذين لهم الحق في التصويت أن الأمر مؤامرة ديمقراطية لإبعاد ترامب، وأن رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي، تتجاوز المنافسة السياسية الى التضليل السياسي، وعليه فقد يخسر الديمقراطيون أصواتا عديدة تؤيدهم، وإن كان ذلك لا يعني بحال من الأحوال ان الأمر سوف يصب مباشرة وبشكل تلقائي في كفة الجمهوريين، فيما المفاجأة التي يمكن ان تحدث في الداخل الأمريكي تتمثل في إمكانية ان يصعد تيار ثالث يتمثل في الاشتراكية الديمقراطية الأمريكية، وهذا حديث آخر.
تبدو اليوم أمريكا داخليا منقسمة على نفسها فقبل أسبوع كانت قلة فقط تؤيد عزل الرئيس باعتبار انه استخدم سلطاته الرئاسية في تحقيق مصالح شخصية موصولة بالشأن الداخلي، بل وبالتدخل في اهم إجراء في البلاد، اي الانتخابات الرئاسية، غير ان هذا تغير الآن، فبحسب استطلاع للرأي أجرته شبكة التلفزيون « سي بي اس »، فان 55% وافقوا على محاكمة ترامب، في مقابل 45 % عارضوا الخطوة، وحتى شبكة فوكس المفضلة لدى ترامب لم تحمل إليه أخبارا جيدة. فقد اظهر آخر استطلاع لها ان 52% بالمائة من الأمريكيين يقولون انهم مرهقون بسبب ترامب، ويتطلعون الى رحيله، مقابل 37% ينظرون بإيجابية الى ولاية ترامب.
من بين الانعكاسات الداخلية الأولية لصدى المطالبة بعزل ترامب، ما جرى في ترتيب صفوف الديمقراطيين الساعين للترشح عن الحزب الديمقراطي في الانتخابات القادة، فقد كانت « جوزيف بايدن » هو المتقدم الأول بدون منازع، غير انه وخلال أسبوع من تفجر الأزمة أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة ان السيناتورة التقدمية « اليزابيث وارن »، تتصدر نوايا التصويت لدى ناخبي الحزب الديمقراطي للانتخابات الرئاسية المقررة في 2020، في أول تقدم لها على نائب الرئيس السابق بايدن الذي ظل متصدرا حتى ظهور الأزمة الأخيرة.
الاستطلاع الذي أجرته جامعة كوينيباك أعطى السيناتورة عن ولاية ماساتشوستس 27% من نوايا التصويت في حين حاز بايدن على 25%.. هل يمكن القول بأن أصداء الاتهامات الترامبية لبايدن قد تركت انطباعا سيئا إوليا عند الديمقراطيين ؟ الشاهد ان ذلك يمكن ان يكون كذلك بالفعل، اما المثير فإن القلق والتوجس قد امتد الى صفوف الجمهوريين ايضا فقد قال السيناتور « ميتش ماكونيل» زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس الشيوخ الأمريكي انه لن يكون أمامه أي خيار سوى مساءلة الرئيس اذا قرر مجلس النواب ذلك، مضيفا، انه وفقا لقواعد مجلس الشيوخ، نحن مطالبون بالمضي في ذلك إذا قر مجلس النواب السير في هذا الطريق .
هل يمكن ان لا يناقش مجلس الشيوخ القضية برمتها؟
المعروف انه بإمكان أي سيناتور السعي لإلغاء توجيه الاتهامات في المراحل الأولى من إجراءات المساءلة، لكن ذلك يتطلب تصويتا من مجلس الشيوخ.على انه مهما يكن من أمر ولاء الجمهوريين لصديقهم ترامب، إلا ان ذلك لا يعني ان رفض فكرة العزل لا يمكن ان تتغير، سيما إذا ظهرت أدلة أو تسريبات هاتفية أخرى يمكنها ان تدين ترامب، إذ يجري الحديث مؤخرا حول احتمالات مفتوحة لإذاعة مكالمات بين ترامب وبوتين، وهذا إذا حدث، ربما يكون الطامة الكبرى التي تقصم لا ظهر ترامب فقط، بل الجمهوريين، وتحرمهم من أي أغلبية في غرفتي الكونجرس الأمريكي الأدنى النواب والأعلى الشيوخ. في هذه الساعة سوف يجد أعضاء المجلس انفسهم أمام تصويت لا محالة لعزل الرئيس حفاظا على الحزب أولا، وسعيا من كل عضو للإبقاء على حظوظ إعادة انتخابه في نوفمبر 2020.هل من جانب لم نلتفت إليه ؟ بالطبع تأثيرات حديث العزل على سياسات أمريكا الخارجية عامة ورؤاها وأجندتها لشرق الأوسط خاصة… الى لقاء قادم.