الاستراتيجية العمرانية وآفاق التحول الحضري

تشكل الاستراتيجية العمرانية لأي بلد إطارا عاما ينظم البعد الحضري ويعمل على رؤية المدن وفق مناظير جديدة بحيث تربط بين التخطيط وعناصر الإنتاج وغيرها من القطاعات التنموية والحيوية بشكل عام، وفي هذا الإطار يمكن الحديث عن الاستراتيجية الوطنية للتنمية العمرانية التي من المفترض أن ترى النور في فترة لاحقة بعد أن وصلت مراحل متقدمة، عقب جولات بالمحافظات تم من خلالها التطرق إلى الأبعاد المتعددة التي يجب مراعاتها في كل محافظة استنادا على المعطيات المكانية والحوارات مع المجتمع المحلي التي من شأنها أن تُكسب القرار التخطيطي بُعدا راسخا من خلال مبدأ المشاركة الذي رسخت له تجربة السلطنة منذ فترة مبكرة في صناعة القرار القائم على الرأي الجماعي، وقد أخذت فكرة الاستراتيجية هذا الملمح في الحوار من الإطار العام للجولات السامية التي تأخذ بمبدأ المشاركة الفاعلة للمجتمع والأخذ برأيه في القضايا التي تهم الناس في مكان معين.
اليوم يمكننا الحديث عن أبعاد عديدة تمزج بين فكر التخطيط ولغة العصر القائمة على المعرفة ومزج ذلك بأفكار رائدة وحديثة كالابتكار والثورة الصناعية الرابعة والذكاء الاصطناعي، كل ذلك يتقاطع بشكل أو آخر مع معطيات الاستراتيجية العمرانية التي تأخذ أيضا دورها في التقاطع مع الرؤية المستقبلية «عُمان 2040»، ولابد أن عقدين من الزمان سوف تشهد الكثير من التغيرات على المستوى العالمي، إذ سوف تظل الأطر العامة للرؤية والقراءة في حين تبقى الممارسات والمسائل التنفيذية خاضعة للإطار الزمني حسب ما يستجد في واقع الحال في كل مرحلة من المراحل، وهي سمة البرامج والخطط والاستراتيجيات المرنة التي تتكيف مع الظروف الزمانية والمكانية ومستجدات الأحوال، وهو الأمر الذي طالما سعت إليه سياسة السلطنة في كل الخطط التنموية الخمسية السابقة وإلى اليوم.
إن الحديث عن الاستراتيجية العمرانية في ظل هذه الإشارات يعني قدرة على التكيف مع الأوضاع المستجدة، فالأطر الحضرية والمدن بكافة أنواعها هي بيئات يسكنها البشر وتقوم عليها المشاركات الاجتماعية والمعرفية وتتشارك فيها كذلك المؤسسات بكافة مشاربها، كل ذلك يجعل المدن والأنسقة العمرانية فضاءات رحبة للتحول السريع وفق كل زمن جديد أو متغير على المستوى المحلي أو العالمي، ما يعني المواكبة، وهو أمر أصبح أسرع من التصور في العصر الراهن منذ مطلع الألفية الجديدة، حيث شهدنا كيف تتسارع خطى التطور وأشكال المدن والتحضر في العالم، مع الأخذ في الاعتبار للقضايا المستجدة في العالم المعاصر كمسائل المناخ وحماية الكوكب بشكل عام ودور المدن بشكل عام في بناء الثقافة الإنسانية والتعايش السلمي والتحول إلى بيئات حقيقية لإنتاج المعرفة والتعلم لبني الإنسانية.
لهذا فقد جاء في مداولات الاستراتيجية التأكيد على مراعاة التوجهات والمتغيرات العالمية والإقليمية، بجانب تبني أهداف التنمية المستدامة 2030م، ولابد أن كل ذلك يعمل عبر شبكة متصلة عمادها الأساسي هو الإنسان، الذي يظل هو هدف التنمية والغاية منها في كل الأحوال.