أسباب بقاء الحزب الشيوعي الصيني في الحكم

إيان بوروما – نيويورك تايمز – ترجمة قاسم مكي –

عندما خطا رئيس الحزب الشيوعي الصيني ماو زيدونج إلى الأمام في ميدان تيانانمين يوم 1 أكتوبر 1949 وأعلن بلغة صينية «فصحى» تشوبها «لكنة» تأسيس جمهورية الصين الشعبية ابتهج وطنيون عديدون. كما فرح عدد كبير من الصينيين من غير الشيوعيين لأن الصين توحدت أخيرا بعد سنوات من المهانة على يد القوى الأجنبية وغزو ياباني شرير وحرب أهلية دموية. فلأول مرة على مدى قرن تقريبا استعاد الصينيون كرامتهم. ويعزى الفضل في ذلك على نطاق واسع إلى ماو.
لكن وطنيين صينيين عديدين سيندمون يوما ما على حماسهم ذاك. فماو لم ينقلب فقط على من أسماهم «الأعداء الطبقيين» أو في الواقع على أي أحد لم يتبعه في ذل ومسكنة بل كان أيضا أقسى على الشعب الصيني من اليابانيين. ولم تكن الثورة الثقافية سوى آخر حملاته التطهيرية هي التي يعتقد أن مليوني صيني قتلوا أثناءها.
رغما عن ذلك لا تزال مأثرة ماو المتمثلة في توحيد البلاد واستعادتها لعزتها الوطنية سببا كافيا للعديدين في الصين لاحترام إرثه وللحزب الشيوعي الصيني لتبرير احتكاره السلطة. فالخوف من الفوضى العنيفة متغلغل عميقا ويتم غرسه باستمرار في نفوس الصينيين من كل الأعمار. ويصر مروجو الدعاية الحزبية على أن الصين بدون الحكم الشيوعي ستهوي مرة أخرى في الفوضى وتسقط في قبضة القوى الأجنبية المعادية.
غير أن هنالك أسبابا أخرى وراء استمرار بقاء الحزب الشيوعي في السلطة في الصين حتى بعد انهيار الحكم الشيوعي في كل بلد آخر تقريبا.
لقد تواءم الحزب إلى حد كبير مع الرأسمالية. فبعدما رأى حكام الصين ما حدث في الاتحاد السوفييتي في أعقاب الإصلاحات الديمقراطية التي أدخلها ميخائيل جورباتشوف رفضوا الاحتذاء به. وبعد سحق الصينيين الذين طالبوا بإصلاحات مماثلة بوحشية في ميدان تيانانمين عام 1989،عقد الحزب الشيوعي صفقة ضمنية مع الطبقة الحضرية المتعلمة التي جاء منها معظم المحتجين. وفقا لهذه الصفقة، سيرتب حكم الحزب الواحد أوضاعا تتيح للناس الثراء مقابل امتناعهم عن الاحتجاج السياسي.
بهذا المعنى لم تكن الصين مختلفة كثيرا عن سنغافورة التي شهدت صفقة مماثلة ولو أنها تمت بطريقة أقل قهرا. وفي الحقيقة كان دينج زياوبينج، الذي يعتبر أعظم مصلح حديث في الصين وهو من قمع المنشقين عام 1989، معجبا بالطريقة السنغافورية في الجمع بين الرأسمالية والاستبداد.
لكن هنالك سبب تاريخي أكثر تجذرا لنجاح حكم الحزب الشيوعي في الصين. كانت السلطة الإمبراطورية هناك مسنودة دائما بعقيدة (دوغما) شبه دينية. فالأباطرة الصينيون الذين يتصرفون كوسطاء بين السماء والأرض يعاملون كشخصيات شبه مقدسة وبذات القدر كحكام أرضيين. وصارت الكونفوشية التي هي أصلا فلسفة أخلاقية وسياسية آيديولجية مفروضة لترسيخ طاعة السلطة بداية من الآباء في العائلة وإلى شيوخ العشائر وحتى الإمبراطور.
ربما لم يكن ذلك المقصد الأصلي للحكيم كونفوشيوس أو تابعه مينسيوس. فهما كانا أكثر اهتماما بغرس الفضيلة في نفوس «المسؤولين- العلماء» والالتزام السليم بالقواعد الأخلاقية. لقد كانت الكونفوشية القديمة ترسيمة أو مخططا للنظام الاجتماعي المتسق. وتكشف الاحتجاجات الأخيرة في هونج كونج وكذلك الديموقراطية المفعمة بالحيوية في تايوان أن صينيين عديدين معارضون نشطون للنزعة السلطوية خصوصا في الأماكن التي حافظت على الثقافة الصينية التقليدية بشكل أفضل من الصين الكبرى. لكن الحكام استخدموا الكونفوشية اليوم بذات طريقة استخدامها قبل ألف عام لدعم التراتبية الاجتماعية والحكم الاستبدادي. ووضع المروجون الرسميون للعقيدة السياسية صبغة سلطوية لما كان قد بدأ كفلسفة إنسانية.
لقد كان من الصعب على الإصلاحيين الحداثيين تحدي أو تفكيك هذا النظام المغلق والمرتكز على أرثوذكسية. ولم يكن كافيا الإطاحة بنظام إمبراطوري معين. فمن أجل إحداث ثورة حقيقية باسم الديموقراطية، وهي المحاولة التي جرت في العقود الأولى للقرن العشرين، شعر الإصلاحيون الصينيون بضرورة كنس الأرثوذكسية والحكام المقدسين معا.
تلك كانت النقطة الرئيسية فيما سمي حركة الرابع من مايو 1919 عندما نظم الطلبة والمثقفون مسيرة عبرت شوارع بكين تحت شعارات تمتدح العلم والديموقراطية. وكان لزاما لآيديولوجية الكونفوشية التي جمعت بين الثقافة والسياسة الصينية أن تذهب. وصار العلم بالنسبة لبعض المفكرين الصينيين نوعا جديدا من الدوغما التي تفسر لهم كل شىء.
لقد انجذب العديدون من جيل الرابع من ماو إلى الماركسية لهذا السبب بالضبط. فهي ملأت فراغ «ما بعد الكونفوشية «بأرثوذكسية سياسية وعلمية حديثة بديلة وتنطوي على مكون أخلاقي قوي. وكان ليو شاوكي، أحد أبكار القادة الشيوعيين (سجن لاحقا أثناء الثورة الثقافية) كتب في عام 1939 رسالة بعنوان» كيف تكون شيوعيا جيدا». وبدا وصفه للثوري المثالي مع تأكيده على «الترقية الذاتية» كونفوشيا على نحو لافت.
وحتى بعد تأسيس الجمهورية الشعبية عام 1949 لم يحدث الفصل بين العقيدة والدولة. فقد كان ماو يتصرف كإمبراطور مقدس يجب تعلم أفكاره عن طريق التلقين وينبغي أن تحظى بالتوقير مثلها مثل أي نص كونفوشي تقليدي. وكان عدم احترام أو حتى فقط تجاهل كتاب ماو «الأحمر الصغير» يعتبر في أعوام الستينات نوعا من التجديف يمكن بسببه إرسال مرتكبه إلى قولاق (معسكر عمل) لإعادة تربيته، هذا إذا لم يكن قد أعدم.
بعد وفاة ماو وخصوصا بعد الإصلاحات الرأسمالية لدينج، بدأت الماوية والماركسية تفقد جبروتها. فأعضاء الحزب صاروا يدافعون عن أرثوذكسية حزبهم دون إيمان به. وكان الأطفال لا يزالون يتعلمونها في المدارس. لكن عقيدة القومية بل وحتى نتف من الكونفوشية التي (جرى إحياؤها) بدأت تحل محل الدوغما الشيوعية القديمة. أوجد هذا أيضا ما أسماه بعض الصنيين والخبراء «فراغا روحيا».
إحدى طرق ملأ هذا الفراغ كانت اعتناق المسيحية أو الانضمام إلى جماعات روحية مثل جماعة فالون غونغ والتي ينظر إليها قادة الحزب بانزعاج شديد. وبالضبط لأن الدوغما التي تنافس أرثوذكسية الدولة هي بالتعريف» مخربة» سعت الحكومة بشدة لسحق المنظمات الدينية التي تعمل في استقلال عن سيطرة الحزب.
الرئيس شي جين بينج مدرك جدا لهذه المشكلة. وذلك ما يفسر محاولته تشديد قبضة الحزب على الآيديولوجية وأيضا إحياء الفكر الماوي وفي ذات الوقت قمع الفكر المنشق في الجامعات ووسائط الإعلام الجماهيري والإنترنت. وينظر على نطاق واسع إلى عبادة شخصيته التي تؤكد على القيادة الأبوية الحازمة وسلطة أفكاره الفلسفية كطريقة لإعادة ترسيخ «التنويعة» الشيوعية للحكم الإمبراطوري بعد سنوات من الحكم بواسطة سلسلة متعاقبة من التكنوقراط المضجرين. الرئيس شي جينبينج ليس في مقام رئيس الحزب الشيوعي ماو. فهو يفتقر إلى الكاريزما التي تجعله إمبراطورا حديثا. لكن من الممكن أن تنجح النسخة «الأشد خشونة» من النموذج السنغافوري لفترة طويلة من الزمن. وسيواصل الحزب الشيوعي الصيني تبرير حكمه بأنه يمثل النظام والعظمة القومية إلى جانب شيء يقال له «الاشتراكية بخصائص صينية.» وفي الأثناء يستمر (بعض) الناس في التحول إلى أثرياء. ليس مهما معرفة طبيعة هذا النوع من الاشتراكية بالضبط وإذا ما كان الناس يؤمنون بها حقا. فهنالك مدارس عديدة للكونفوشية أيضا. لكن الشيء المهم أن هذا النوع من الاشتراكية يجبر على الطاعة. وطالما بقي الحزب في السلطة ستمنع سيطرة الدولة على الحياة الروحية والفكرية الناس من إيجاد أي بديل قابل للتطبيق.

■ الكاتب أستاذ بكلية بارد