أطفالنا.. هل يعانون منا؟

أحمد بن سالم الفلاحي –

أشارت تقارير سابقة إلى أن «خط حماية الطفل تلقى (87) مكالمة خلال الفترة من الأول من يوليو إلى الـ(30) من ديسمبر من عام 2017م رصد خلالها (48) حالة إساءة، على مستوى السلطنة، كما تعاملت لجان حماية الطفل خلال الفترة نفسها مع (88) طفلا تعرضوا للإساءة (50) منهم من الذكور و (38) من الإناث أغلبهم من محافظة مسقط».
ينظر إلى مرحلة الطفولة على أنها من أهم مراحل عمر الإنسان، ذلك أن هذه المرحلة هي الموكول إليها تشكل شخصية الفرد، وتأسيس حالته الإنسانية، التي سوف تمتد إلى آخر العمر، وانطلاقا من هذه القناعة تحتل هذه الفترة العمرية أهمية خاصة لدى المربين، وأهمية قصوى لهذا الكائن الذي للتو يتكوّن تكوُّنا فسيولوجيا، وبيولوجيا، وسيكولوجيا، وكل محطة من هذه المحاطات الثلاث تحتاج إلى كثير من الاهتمام، وكثير من الرعاية، وكثير من المعاناة والعناية، فالمسألة مرتبطة بتأسيس كائن بشري، سوف يكون له شأن كبير في حياته أولا وفي حياة الآخرين من حوله ثانيا وفي حياة الوطن الذي يعيش فيه ثالثا ولعمري ما عانت البشرية ولا تزال إلا من أناس لم تكن تربيتهم سوية، فأذاقوا من حولهم المهالك، والمصائب، وتلبست الحياة لباسا قاتما، من المآسي التي جلبوها على أنفسهم، وعلى غيرهم من الناس، الذين عاشوا في وسطهم، ومن يقرأ عن الشخصيات المشهورة التي عاثت في الأرض فسادا، فسيجد العجب العجاب عن حقيقة تنشئتهم غير السوية، ولذلك كانت حياتهم غير سويّة، فأهلكوا النسل والزرع، لأنهم جاؤوا إلى الحياة بنفوس مشوهة، وبعقول معتوهة، وبقلوب قاسية، فتكالبت هذه الأوراق المتساقطة من الشجرة الإنسانية السوية، فشوهت وجه الأرض، كل هذه يحدث لأن التربية الإنسانية لا تزال لم تكتمل دورتها السوية، ولا تزال التربية تعاني من مفاهيم مغلوطة في حياة البشرية، ولا تزال التربية تخضع لارتجال في تطبيق المبادئ التي جاءت بها القيم الإنسانية، والقيم الدينية، والقيم الاجتماعية السوية منها، وقيم التجارب التي رافقت الحياة البشرية طوال هذه السنين كلها، وقيم الخبرات المتراكمة لكل حياة الإنسان الممتدة.
وبدلا أن يعيد الإنسان ترتيب أولويات التربية لمن يأتي بعده بعد أن اكتوى هو من مآسي من سبقه، ومن شطحاته هو التي يدرك أنها خطأ، فإنه لا يزال يكرر نفس الأخطاء، ويعيد نفس السيناريوهات التي كان عليه من كان قبله «على ما كان عوده أبوه» لوجود المعتقد المتأصل في النفس البشرية، أن «مشكلات الطفل طبيعية، وستزول مع تقدم العمر، في حين أن الدراسات تثبت أن جل مشكلات الكبار أصولها منذ الصغر» لعل أقسى حالات العنف الذي يواجه به الطفل هو الضرب، والضرب هنا هو الضرب المبرّح الذي يترك خدوشا على الجسم، ولا تندمل جروحه المادية، والنفسية، وخاصة الضرب الذي يترك تشوهات واضحة على الجسم، هذا إذا تم تجاوز العنف اللفظي، وهو الذي لا يقل قسوة من العنف الجسدي «المادي» والسؤال هنا: لماذا تصاب النفس بهذا الهياج الشيطاني الذي يعمي البصر والبصيرة، أثناء ممارسته؟
هل هو لفرض واقع يريده الكبار أن يتحقق بأي ثمن؟ أم أن القائم بالعنف يرى في ممارسة سلوكه أنه مهان في شخصيته وكرامته بعدم تنفيذ أوامره – على سبيل المثال – ولذلك هو يثبت شخصيته، ويعلي من كبريائه ونرجسيته؟
أم أن هذا العنف هو السعي نحو تأصيل شخصيته الممتدة، وكأنه يقول في ذاته: «لا بد أن يكون هذا (الابن/‏‏‏ الابنة) نسخة مني، ولا يمكن أن أقبل أن يستقل بشخصية ثانوية لا تعبر عن امتدادي الأسري والسلوكي؟
أم أن المسألة لها علاقة بتفريغ شحنات عاطفية لا علاقة للطفل بها في تلك اللحظة، وإنما هي تراكمات قد تكون موجودة من خارج المنزل، ويجد ولي الأمر حينها فرصته اللاواعية، لتنفيذها على أحد أجساد أبنائه، كلهم في بعض الأحيان؟
كل هذه الاحتمالات لوقوع العقاب البدني على الأطفال هي واردة، وتحمل جزءا كبيرا من الحقيقة، ولا يجوز تجاوزها عند مناقشة هذا الموضوع من جميع جوانبه، لأن المسألة مرتبطة بعامل واحد رئيسي، وهو الحالة النفسية التي يكون عليها القائم بالعقاب، وتتعقد هذه المسألة أكثر، عندما يكون صاحبها يعاني من خلل نفسي، وهو غير مدرك لحقيقة الفعل الذي يقوم به، وهنا تكمن الطامة الكبرى، حيث يكتوي بذلك جيل بأكمله، ويقدم إلى المجتمع بكل تشوهاتها الجسمانية والنفسية، والفكرية، وعلى المجتمع في المقابل أن يتعايش مع هذا النوع من البشر بكل إخفاقاته على الواقع.
ولأن الأمر كذلك فقد حدا بالجهات المعنية، سواء على المستوى المحلي لكل دولة، أو على المستوى العالمي عبر منظمات الأمم المتحدة المعنية بالطفولة إلى سن تشريعات ونظم، وآليات، وإجراءات لكي تحد إن لم توقف هذه النزيف السلوكي المشين من استمراره على طول خط سير البشرية، خاصة اليوم بعد أن ترقّت الحالة الإنسانية بفضل المعرفة من حالتها البدائية، القائمة على العنف، إلى حالتها الحضارية المحاطة بالمعرفة والخبرة والتجربة، لتوظيف كل ذلك لأجل صالح هذا الإنسان الموكول إليه إعمار الأرض، وإشاعة السلام والأمن والتسامح، والخروج من مأزق العقد النفسية البغيضة والممقوتة، لأن الحياة اليوم تفرض على الناس التخلص من مجموعة التجاذبات القديمة التي تحد من انطلاق الإنسان إلى آفاق أرحب في العطاء، وفي التفكير الواعي الذي يضع الأسباب والمسببات، وفي العيش بسلام، فحالات العنف الممتدة لا تنبت أنفسا تتميز بهذه المساحات الإنسانية السوية، حيث تخيّم السوداوية، والقنوط، والعصبية عند كل الذين يتعرضون للعنف، خاصة عندما يصدر هذا العنف من أقرب الناس إلى هذا الفرد، وهم مجموع أفراد أسرته على وجه الخصوص حيث ينتشي الحقد، ويتفرع، ويزيد رصيده حتى يطغى على صاحبه، فيفرّغه على من هم دونه، في صورة متكررة لمسلسل العنف الإنساني، وهذا ما يؤسف له حقا.
وعندما نقترب قليلا من واقعنا المحلي، نجد ذات الصورة تتكرر في هذا المسلسل العقابي على الأطفال، على الرغم من أن المجتمع في حالته العامة يعيش حالة من السلام والاطمئنان، والتعايش السلمي الملموس، فإذن والأمر كذلك ما الذي يدفع إلى ارتفاع حالات العنف على الأطفال وفق ما تؤكده المصادر الرسمية؟ سؤال بقدر ما يثير الاستغراب، يبحث عن الأسباب، وبالتالي هذا ما استدعى وزارة التنمية الاجتماعية على سبيل المثال بأن تستحدث خطا لحماية الطفل يحمل الرقم (1100) متاح للجمهور للإبلاغ عن حالات الإساءة على الأطفال، وقد كشفت مصادر هذه الوزارة عن «تضاعف عدد البلاغات عن الأطفال المعرضين للإساءة عبر خط حماية الطفل الذي يحمل الرقم (1100) خلال النص الأول من العام الجاري مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي بنسبة (400%)» مبينا نفس المصدر بأن هناك « أربع أنواع لهذه حالات وهي: إساءة نفسية، وإساءة جسدية، وإساءة جنسية، وإساءة إهمال» وذلك حسب – جريدة عمان في 21/‏‏‏12/‏‏‏2018م. العدد (13121) – كما بينت اللائحة الجديدة التي تنظم حياة الطفل بالسلطنة على اتخاذ تدابير جديدة، ومن ذلك: «يقوم مندوب حماية الطفل بمتابعة حالة الطفل الذي تعرض للعنف أو الاستغلال أو الإساءة واتخاذ الإجراء المناسب في شأنه، وفي حالة ثبوت وجود خطر محدق يهدد حماية الطفل أو سلامته، لمندوب حماية الطفل إخراج الطفل من المكان الموجود فيه، بالاستعانة بشرطة عمان السلطانية، أما في حال ثبوت تعرض الطفل للعنف أو الاستغلال أو الإساءة بعد فحص الشكوى أو البلاغ فعلى مندوب حماية الطفل اتخاذ تدابير أخرى… « جريدة عمان 19/‏‏‏8/‏‏‏2019م. العدد (13957).
كما أشارت تقارير سابقة إلى أن «خط حماية الطفل تلقى (87) مكالمة خلال الفترة من الأول من يوليو إلى الـ(30) من ديسمبر من عام 2017م رصد خلالها (48) حالة إساءة، على مستوى السلطنة، كما تعاملت لجان حماية الطفل خلال الفترة نفسها مع (88) طفلا تعرضوا للإساءة (50) منهم من الذكور و(38) من الإناث أغلبهم من محافظة مسقط» « حسب جريدة $ 4/‏‏‏1/‏‏‏2018م » وهذه كلها أرقام مخيفة، وأتوقع أن هذه الحالات لا تزال تراوح مكانها، إن لم تكن زادت عن معدلها الذي تبينه هذه التقارير، على عكس ما هو متوقع، حيث يعول كثيرا على ارتفاع المستوى التعليمي، والاقتصادي، والثقافي في خفض العنف بشكل عام، وعلى الأطفال بشكل خاص، إلا أنه حتى لو ارتفع الوعي من قبل الوالدين، أو كليهما، فإن هناك عاملا آخر دخل هذه الدائرة، وهو عمال المنازل من الجنسين، وما جملة القضايا التي نقرأ عنها، أو نسمعها، أو نشاهدها عبر مقاطع «الفيديو» في وسائل التواصل الاجتماعي لممارسات العنف من قبل هؤلاء أيضا لا يبعث على الاطمئنان في خفض نسبة العنف في المجتمع على فئة الأطفال بصفة خاصة.