من تراث الإذاعة المصرية (1): كـتـابٌ عربـيٌّ عـلّـم الـعـالم

إيهاب الملاح –

في عام 2016، توفي الإذاعي المصري القدير أمين بسيوني (عن عمر ناهز الثالثة والثمانين)، وهو أحد أعمدة الإذاعة المصرية في عصرها الذهبي، وأحد كبار نجومها من أصحاب الأصوات التي لا تُنسى والأداءات الرصينة الواثقة، فضلا على ارتباط صوته بواحدٍ من أهم وأروع بل أجمل برامج الإذاعة المصرية وكنوزها التي لا تقدر بثمن، عبر تاريخها الطويل، أقصد برنامج «كتاب عربي علم العالم»، الذي كان إحدى البوابات السحرية لاكتساب ثقافة ممتازة عن تراثنا العربي القديم في مجالاته المتعددة والمتنوعة، في الأدب واللغة والفقه والتاريخ والتراجم والسير والشعر والنثر.. إلخ.
كل من أسعده حظه من أبناء جيلي، ممن تفتحت آذانهم على سماع إذاعة البرنامج العام في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، وسعد بقضاء أوقاتٍ خالصة من المتعة والجمال والثقافة الرفيعة مع برامج الإذاعة، تعرَّف على صوت أمين بسيوني باعتباره أحد الأصوات الذهبية في تاريخ الإذاعة المصرية (في وقتٍ كانت الإذاعة، بصفة عامة، تشهد منافسة رهيبة مع التليفزيون، وتراجعت أدوارها بكل تأكيد، لكن، وبفضل هؤلاء الكبار من نجوم الإذاعة في عصرها الذهبي، وبرامجهم التنويرية التثقيفية الممتعة، ظلت الإذاعة محتفظة إلى حد كبير بجاذبية لا تقاوم ورونق متجدد لا يخبو مهما جرى من تطورات وتغيرات).
كان أمين بسيوني من هؤلاء الكبار الذين يأسرون روحك ووجدانك بمجرد سماع صوتهم عبر أمواج الأثير، لا أشك لحظة أن عددًا كبيرًا من أبناء جيلي ممن تمنوا أن يكونوا مذيعين كان مثلهم الأعلى «إذاعيا» و(صوتيا) هو أمين بسيوني، جنبًا إلى جنب أصوات: صفية زكي المهندس، جلال معوض، فهمي عمر، حلمي البلك، فاروق شوشة، حمدي الكنيسي، إيناس جوهر، عمر بطيشة، نادية صالح، ومن سبقهم أيضًا من الرعيل الأول والثاني من أبناء الإذاعة المصرية وإعلامييها الكبار.
ظل صوت أمين بسيوني قويًّا وراسخًا داخل وجدان كل من استمع إليه وتابع برنامجه، وانجذب لأدائه الذي لا تشك لحظة واحدة أن وراءه مهارات وإمكانات ضخمة، ترفدها ثقافة واعية وحقيقية وخبرة طويلة في مجال العمل الإذاعي، فضلًا عن تمكن ومستوى رائع ورفيع من اللغة العربية (التي صار التمكن منها والبراعة فيها أندر من الكبريت الأحمر في هذا الزمن الأغبر)، كل ذلك في ما أظن وازاه خبرة إدارية وممارسة طويلة لإدارة العمل الإذاعي بصفة خاصة، والعمل الإعلامي بصفة عامة.
أما شهرته الأكبر والأوسع فكانت بسبب ارتباطه بواحدٍ من برامج الإذاعة في زمنها الجميل أقصد برنامج «كتاب عربي علم العالم»، الذي لعب أخطر الأدوار وأهمها في تشكيل ثقافة وتكوين معرفة أجيال بكاملها، برنامج نجح ببساطة في أداء أدوار ومهام أخفقت مؤسسات كاملة في القيام بها، رغم رصد الملايين لتحقيق ذلك دون جدوى، وأقصد تلك الغاية التثقيفية الرائعة التي كانت تستهدف قطاعاتٍ واسعة من الشباب، ما بين الثانية عشرة وحتى العشرين وما فوقها، للتعرف على صفحات زاهرة من تاريخنا وتراثنا القديم.
وفي ظني ما كان لهذا البرنامج الجميل أن يحقق ما حققه من شهرة ورواج منذ ظهوره الأول، إلا بفضل عدة عوامل يأتي على رأسها ارتباطه بصوت أمين بسيوني الرخيم، الهادئ، الواثق، الواضح النبرات، والإعداد المتقن للمادة المقدمة فضلا عن تجسيد هذه المادة دراميا بفضل أداء عمالقة الأداء الإذاعي التمثيلي من نجوم الدراما المصرية.
ورغم مرور سنوات طويلة على آخرِ ما سمعت من هذا البرنامج العظيم الممتع، فقد ظل ماثلا في ذاكرتي وقارا في وجداني لا يفارقني أثره ولا تفارقني لذة الاستماع إليه، ولا الشغف الذي كان يغمرني، وأنا أتابعه حلقةً فحلقة، وكم تمنيت أن تُجمع حلقاته على أسطوانات (DVD) وأن تطرح للبيع، وتكون بين أيدي جمهور عاشق لمثل هذه النوعية من البرامج، يفيدون منه ويستمعون إليه ويتعرفون على مادة إذاعية وثقافية وفنية رائقة، لم يعد لها مثيل إلا فيما ندر.
كانت فكرة البرنامج ببساطة تقوم على استعراض سيرة كتاب من التراث العربي، في الآداب أو العلوم أو الفنون، الجغرافيا والتاريخ، السير والتراجم.. إلخ، يكتبها فوزي خضر، ويخرجها مدحت زكي، وكان عمالقة الدراما المصرية يشتركون بالأداء التمثيلي في تجسيد حلقاته، مثل: جلال الشرقاوي، محمود مرسي، مديحة حمدي، مدحت مرسي، سهير المرشدي، نادية رشاد، أشرف عبد الغفور، محمد وفيق، محمود زكي، عادل الطوبجي، يسرية الحكيم، إسماعيل محمود، عمر الحريري، عبد الرحمن أبو زهرة، سميرة عبد العزيز، سميحة أيوب، وآخرون غيرهم.
أما راوية البرنامج، والمقدم له، فكان أمين بسيوني بصوته الرخيم العميق المؤثر، يستهل الحلقة بالعبارة الشهيرة «رحلة مع مشاعل الحضارة العربية التي أضاءت جنبات العالم»، ويقدِّم بين يدي الحلقة معلومات غاية البساطة والروعة عن الكتاب وصاحبه، ويستعرض طرفًا من سيرة هذا العالم أو الفنان أو الجغرافي أو المؤرخ أو الفقيه الذي تتناوله الحلقة، وأهمية كتابه وأثره، كل ذلك بلغة جميلة واضحة ونبرات ساطعة بالغة القوة والإحكام.
ثم يبدأ الأداء الدرامي الذي يجسد جوانب من سيرة مؤلف الكتاب، فتنتقل بخيالك بين المراكز الحضارية الإسلامية الزاهرة في القرون الثمانية الأولى للهجرة، من مكة والمدينة إلى دمشق وحلب، ومن الكوفة والبصرة إلى مرو وخراسان، تسافر إلى صفد وسمرقند وبخارى وبلخ وشيراز وأصفهان، تجول في القاهرة والقيروان وفاس وغرناطة وقرطبة. بآلة زمن الإذاعة، تعيش سحر بغداد، وأساطير الهند، وحكايات الشام ومصر.
من خلال هذا البرنامج الرائع، تعرفت لأول مرة على تفاصيل غاية في الروعة والإمتاع عن كتبٍ خالدة في تراثنا العربي والإسلامي، «الأغاني» للأصفهاني، و«البخلاء» و«الحيوان» للجاحظ، و«رسالة الغفران» و«الصاهل والشاحج» لأبي العلاء المعري، و«العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي، و«معجم البلدان» لياقوت الحموي، و«طبقات الأمم» لابن صاعد الأندلسي، و«زهر الآداب وثمر الألباب» للحصري القيراوني، و«نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين أحمد النويري، و«المقدمة» لابن خلدون و«تاريخه الكبير» أيضًا، و«البداية والنهاية» لابن كثير.. وعشرات أخرى من الكتب الرائعة، والمؤلفين الممتازين.
هذا البرنامج كان سببًا رئيسيا في تكوين مكتبتي التراثية التي استوعبت كتب التاريخ الإسلامي العام، وحوليات مصر الإسلامية، وموسوعات الأدب العربي الضخمة، تقريبا كل كتاب عرض له البرنامج وجسد سيرة صاحبه في حلقاته سعيت لقراءته واقتنائه والتعرف عليه تفصيلا والبحث عن الإشارات والمحطات التي توقف عندها وبسط فيها القول أو سلط عليها الضوء.
لم يكن سهلا أن أتعرف للمرة الأولى على كتاب «مروج الذهب ومعادن الجوهر»، مثلا، للمسعودي المؤرخ إلا من خلال البرنامج، ومثله كتاب أبي الريحان البيروني الكبير «تحقيق ما للهند من مقولة معقولة في العقل أم مرذولة» الذي ظللت أبحث عنه لسنوات حتى وقع بين يدي محققا ومصدرا بمقدمة ودراسة غاية في النفاسة والقيمة كتبها عالم التراث المحقق الكبير الراحل محمود علي مكي. وهكذا، وبسبب «كتاب عربي علم العالم» ترسخت في وجداني وذهني هذه الأسماء الشاهقة، «نهاية الأرب في فنون الأدب» للنويري، و«صبح الأعشى في صناعة الإنشا» للقلقشندي، و«معجم الأدباء» و«معجم البلدان» لياقوت الحموي، «والكامل في اللغة والأدب» للمبرد، و«الكامل في التاريخ» لابن الأثير، و«الفصل في الأهواء والملل والنحل» لابن حزم الفقيه الأندلسي الظاهري، وكذلك كتابه الآخر فائق الشهرة «طوق الحمامة في الألفة والألَّاف».. عشرات من الكتب والمؤلفين تعرفت عليها من خلال هذا البرنامج وسعيت لقراءتها واقتنائها بفضله، في زمن كانت الإذاعة إحدى منصات الإطلاق الثقافي العملاقة.. وما زلت على يقيني بأنها ضرورة في زمننا الراهن..

………………………..(وللحديث بقية)