حاجة جهود السلام إلى آلية تحقق الأمن للجميع

د. عبدالعاطي محمد –

منذ قيامها عام 1948 وإسرائيل تضع الأمن في صلب عقيدتها السياسية، لا يختلف في ذلك موقف أى من قادتها أو أحزابها سواء كانوا ممن يطلق عليه معتدلون أو كانوا متطرفين، أو يسار أو يمين. وقد فطنت الأطراف المعنية بعملية السلام، وفي المقدمة منها الأطراف العربية لهذا الاعتبار، ومن ثم حرصت على تضمينه في أية تحركات وخطوات على طريق التسوية السلمية. ولكن برغم كل ما تم بذله من جهد في هذا الإطار على مدى عدة عقود، لا تزال هذه القضية حجر عثرة في طريق إحلال السلام في الشرق الأوسط، حيث لم يتم التوصل إلى صياغة وآلية تحقق الأمن للجميع، الإسرائيليين والعرب والفلسطينيين.
منذ أيام أجرى الجيش الإسرائيلي تدريبات على كيفية اقتحام قوات من المدرعات لقرية لبنانية في الجنوب. وجاءت التدريبات ضمن الاستعدادات العاجلة التي يقوم بها الجيش تأهبا لمواجهات مسلحة بينه وبين قوات حزب الله اللبناني. ومعلوم أن أجواء الحرب تجددت على الحدود اللبنانية الإسرائيلية عقب قيام إسرائيل بقصف مواقع مهمة للحزب بطائرات مسيرة (درون) ورد الحزب بعملية صغيرة سريعة ضد القوات الإسرائيلية على خط المواجهة. ولم تكن هذه التدريبات مفاجئة في حد ذاتها لأنها لا تتوقف بوجه عام وتتنوع ما بين تدريبات للمدفعية أو القوات الجوية أو البحرية، وكلها في إطار التأهب لحرب مع حزب الله تم اتخاذ قرارها وفي انتظار موعد إعلانها. وبما أننا تابعنا في السنوات القليلة الأخيرة مشاهد عديدة لتسخين المنطقة لحرب جديدة، وتحديدا بعد أن تصاعدت حدة الصراع بين إسرائيل من جهة وكل من إيران وحزب الله من جهة أخرى، فإن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الهاجس الأمني لا يغادر الفكر والممارسة السياسية الإسرائيلية برغم كل محاولات ذرع الطمأنينة في عقل وقلب صانع ومتخذ القرار الإسرائيلي.
وقبيل انتخابات الإعادة للكنيست خرج مرشح الليكود بنيامين نتانياهو (رئيس الوزراء حتى موعد تلك الانتخابات) بإعلانه نيته لمد السيادة الإسرائيلية على غور الأردن، وتعمد عقد اجتماع للحكومة في تلك المنطقة لتأكيد هذا التوجه، مبررا ذلك بأنه لإحكام السيطرة الأمنية على الغالبية العظمى من الضفة الغربية، ولأن فرض السيادة الأمنية هناك يأتي ضمن إجراءات المواجهة مع حزب الله وإيران.
وقد عرف مسار الصراع العربي الإسرائيلي ثلاثة نظرات لمسألة الأمن كإحدى عناصر أية تسوية دائمة وعادلة وشاملة، كل منها يتبناها طرف أو أخر في فترة أو أخرى من مراحل الحل والتفاوض على تعددها، هذا حسب تطورات الظروف دون الاتفاق في النهاية على رؤية موحدة. والنظرات الثلاث تنطلق من فلسفتين أحدهما تؤكد على أن أمن إسرائيل يعنى بالنسبة لها عدم تحقيق الأمن للآخرين سواء من الأطراف الفلسطينية على تنوع اتجاهاتها، أو من الأطراف العربية المعنية مباشرة بالصراع. فإذا كان مفهوم الأمن بالنسبة لأي دولة يعد مفهوم ثابت وكلى، أي لا يقبل التغيير، ولا أن يكون قابلا للمساومة، فإن دولة إسرائيل منذ إنشائها تتجاوز هذا التصور إلى تصور أخر على النقيض وهو أن أمنها يعنى عدم الأمن لأطراف الصراع الآخرين. وتستند هذه الفلسفة على أن وجود إسرائيل من الأساس غير شرعي أو مشكوك فيه أو على أقل تقدير موضع جدل، وذلك على عكس قيام الدول الأخرى التي تنشأ دون مشاكل في شرعيتها. وتولد عن ذلك شعور دائم لدى الإسرائيليين بالخوف وبأنهم مهددون دائما في وجودهم. وبناء عليه لا يجب استغراب أن يكون الجيش الإسرائيلي هو عماد الحياة السياسية بل والاقتصادية والعلمية، ولا أن يكون معظم الشعب الإسرائيلي بمن فيهم النساء قد انخرط في حياة الجندية إلى جانب حياته المدنية وهو جاهز لخوض الحرب في أي وقت (قوة الاحتياط). وإضافة لذلك فإن قيام الدولة العبرية كان على أيدي الجماعات الصهيونية المسلحة. وليس غريبا في هذا الإطار أن يكون ديدن الحكومات الإسرائيلية الإصرار على سياسة التوسع واحتلال الأرض وفرض الهيمنة الأمنية، فكل هذا وفقا لهذه الفلسفة من منطلق توفير أقصى درجات الأمن لإسرائيل، بحرمان الطرف الآخر من تمتعه بالأمن.
وأما الفلسفة الثانية فإنها ترى أن المسألة لا تنحصر بشكل مطلق في أن يكون الأمن جزءا لا يتجزأ من العقيدة السياسية للسياسيين الإسرائيليين، وإنما فيما إذا كان هناك تهديد حقيقي أم لا لوجود ومصالح الدولة العبرية والشعب اليهودي في المنطقة، أي العبرة بوجود مؤشرات على التهديد ومدى خطورة هذه المؤشرات. ولأن هذه الفلسفة تهتم بالتهديد أكثر مما تهتم بالأمن كجزء من العقيدة السياسية، فإنها تسمح بالمرونة في تحديد الموقف من مسألة الأمن وفقا لتطور الظروف خاصة عندما لا تكون في صالح إسرائيل. وبناء على هذه الفلسفة انطلقت مسيرة السلام منذ مؤتمر مدريد 1991، حيث جرى الاتفاق على أن تمتنع جميع الأطراف عن استخدام القوة لتحقيق الأمن وبدلا من ذلك فإن المفاوضات والبحث عن الحل السلمي هو الذي يوفر الأمن للجميع. هنا أصبح الأمن نتيجة وليس سببا في حل الصراع العربي الإسرائيلي. وتعزز هذا التوجه منذ القرار 242 لمجلس الأمن عقب حرب 1967 الذي تضمن اعترافا صريحا بإسرائيل من جانب الدول العربية التي وافقت عليه. وتأكد بشكل لا يقبل الجدل بصدور المبادرة العربية للسلام في مؤتمر بيروت 2002، وفيها يقرر العرب بمقايضة الأرض كمقابل السلام مع إسرائيل، وعليه فإن السلام هو الذي يوفر الأمن لإسرائيل ويفتح باب العلاقات الطبيعية بين الجانبين مستقبلا. وحتى طرح فكرة حل الدولتين يقوم على توفير أقصى ضمانات منع التهديدات الأمنية لإسرائيل، حيث يتضمن على سبيل المثال قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح.
وعلى مدى زمن ليس بالقصير تبنى رؤساء كثر لحكومات إسرائيل العمل بهذا التوجه، أي النظر لمسألة الأمن من منطلق حجم التهديد والقدرة على تجاوزه وليس من منطلق كونه عقيدة تقوم على أن أمن إسرائيل يعنى عدم أمن بقية الأطراف في الصراع وتحديدا الطرف الفلسطيني وعملت بها أيضا الأطراف العربية والسلطة الفلسطينية والأطراف الدولية التي انخرطت في عملية السلام وعلى رأسها الولايات المتحدة.
إلا أنه عمليا أو واقعيا، لم يكتب لهذه الفلسفة الثانية النجاح، ليس لأنها غير صحيحة، بل العكس هي بالفعل المقاربة الأفضل لحل خلافات العقدة الأمنية بين الجانبين العربي الفلسطيني والإسرائيلي، ولكن الفشل جاء من عوامل أخرى بعضها لم يؤخذ في الحسبان طوال السنوات الماضية قبل أن تتجمد تماما مسيرة السلام 2014، وبعضها يتعلق بالبيئة السياسية غير المواتية لهذه المسيرة. وأدى الإخفاق في هذا التوجه إلى إحياء الفلسفة الأولى من جانب إسرائيل ومن ثم تعامل الحكومة بقيادة نتانياهو (اليمين الإسرائيلي) بهذه الفلسفة التي يمكن وصفها بالإقصائية، مع الفلسطينيين وبقية الإطراف المعنية بمن فيهم الولايات المتحدة، الأمر الذي قاد مسيرة السلام بمجملها إلى طريق مسدود. لقد اتسعت مساحة التهديد لأمن الجميع، ليس إسرائيل وحدها بل الأطراف العربية والفلسطينية أيضا، ووصل التهديد إلى حد التلويح بالحرب هنا وهناك. واختلطت الأوراق مع تهديد مصالح الجميع، وذهب كل في طريق مع دقات طبول الحرب التي أصبح بالإمكان تورط مختلف الأطراف على غرة!. إسرائيل لم تلتزم وخاضت عدة حروب على غزة وفرضت عليها حصارا ممتدا منذ 2007 وردت المقاومة في غزة ولا تزال بقصف المستوطنات، ولم تستطع السلطة الفلسطينية منع المقاومة وهى تشهد تعسف سلطات الاحتلال واستمرار انتهاك المقدسات ومواصلة مشروعات التهويد. ولم تستطع هذه السلطة استعادة إدارتها للقطاع وتعثرت كثيرا كل محاولات المصالحة بين فتح وحماس. وخفت الصوت الأوروبي وانسحبت اللجنة الدولية الرباعية من الساحة تقريبا، بينما تراجعت الولايات المتحدة عن التزاماتها القديمة، وقررت أن تعمل بمشروع جديد يسمى صفقة القرن يلغى المسار منذ مؤتمر مدريد ويقترح مسارا مختلفا هو الحل الاقتصادي. ودخلت إيران على خط التطورات الساخنة في الشرق الأوسط خصوصا في سوريا والعراق الأمر الذي اعتبرته إسرائيل تهديدا لأمنها.
ليست هذه العوامل وحدها التي أحيت الفلسفة الإسرائيلية المتطرفة (نفي توفير الأمن للآخر)، وإنما كان من الواجب على الأطراف المعنية وقت شيوع مناخ التفاؤل بإمكانية تحقيق تسوية سلمية، أن تتوصل إلى اتفاقية شاملة لأمن الشرق الأوسط تتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي أساسا وليست بغرض التأسيس لحلف أمني مثلا. وربما كان ذلك ضروريا قبل أن تتوصل إلى تسوية سياسية تتعلق بحل الدولتين طالما مسألة الأمن بهذه الخطورة والأهمية. والمقصود بالشمول هو أن تنعقد بين الطرفين العربي والإسرائيلي وتؤيدها الأطراف الإقليمية المعنية وتضمنها الدول الكبرى في مجلس الأمن. والهدف من هذه الاتفاقية هو ضمان الأمن لكل طرف في المنطقة وليس إسرائيل وحدها. لقد ثبت بما لا يدع مجالا للشك أن إسرائيل لديها شعور قوى بالخوف من الحاضر والمستقبل وأنها تبالغ كثيرا في تدبير أمنها الذاتي على حساب أمن الآخرين، وثبت أيضا أن الأطراف العربية والفلسطينية، وكذلك الإقليمية المعنية وتحديدا إيران وتركيا، لديهم مخاوفهم المشروعة من السياسة الأمنية الإسرائيلية، والتوصل إلى اتفاقية شاملة يبدد المخاوف الأمنية المتبادلة، ويفتح الطريق مجددا إلى السلام المنشود للشرق الأوسط.