التمور العمانية من التقليد إلى الصناعة

سالم بن سيف العبدلي –
samadshaan@yahoo.com –

ظلت النخلة ولسنين طويلة العمود الفقري للاقتصاد العماني مع الأسماك وبعض المنتجات الزراعية الأخرى مثل الليمون واللبان والأسماك المجففة، وذلك قبل أن يظهر النفط واستمر العماني محافظا عليها واعتبرها مثل ابنه حتى في أشد الأوقات جدبا لم يتخل عنها ولم يهملها لذا ظلت سامقة تعانق عنان السماء ، فهي كانت وما زالت حاضرة في مائدة كل العمانيين كما أنه استفاد من جذوعها في بناء مسكنه لذا ينبغي أن تنال الاهتمام الأكثر والعناية والرعاية خاصة خلال هذه الفترة على اعتبار أنها مورد مهم من موارد الأمن الغذائي للسلطنة.
قضية الأمن الغذائي من القضايا المهمة والحساسة التي لا تقل أهمية عن القضايا الأخرى السياسية والاقتصادية والاجتماعية وقديما قيل (من لا يملك قوته لا يملك قراره) وتكمن أهمية الأمن الغذائي في كونها تركز على توفير الغذاء الصحي السليم لأفراد المجتمع من أجل ضمان العيش الكريم للمواطن وبالتالي استمرار عجلة التنمية.
يحتل نخيل التمر 83.2% من المساحة الزراعية لمحاصيل الفاكهة ويبلغ عدد أشجار النخيل بالسلطنة وفقًا لبيانات وزارة الزراعة والثروة السمكية حوالي 8 ملايين نخلة تقريبا، وتمثل النخلة أهمية اقتصادية واجتماعية للمجتمع الريفي حيث إنها تضمن دخلا مناسبا لمنتجي التمور وتسهم مساهمة رئيسية في زيادة عائدات الموارد الزراعية المتاحة خاصة في ظل الظروف والتقلبات التي يتسم بها القطاع الزراعي وارتباطه بالمتغيرات الاقتصادية على مستوى العالم.
ومن هنا فإن الجهود تتسارع حاليا في السلطنة من أجل تأمين الغذاء وضمان توفره في كل الأوقات وكما هو معلوم فإن الأمن الغذائي يرتكز على ثلاثة عناصر رئيسية وهي الوفرة والمقدرة على الحصول عليه وأخيرا سلامته أي أنه ينبغي أن يكون الغذاء متوفرا في جميع الأوقات وتحت كل الظروف على أن يكون غذاء صحيا خاليا من كل الكيماويات والمبيدات والأوبئة وغيرها من السموم التي تؤثر على صحة الإنسان.
وكان لإنشاء الشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة وهي الذراع الاستثماري الحكومي في مجال الأمن الغذائي منذ قرابة الست سنوات الدور المهام في إنشاء مشروعات وطنية ذات بعد استراتيجي وتنموي حيث تم وضع حجر الأساس لسبعة مشروعات حيوية مهمة وعند بداية إنتاجها سوف يكون لها شأن كبير في تغيير الفكر الاستثماري في قطاع الأغدية حيث ستجعل السلطنة معتمدة على نفسها في توفير العديد من الاحتياجات الغذائية الهامة إضافة إلى أنها سوف توفر بيئة استثمارية جاذبة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي.
المشروعات المعلن عنها سوف ترفع من نسب الاكتفاء الذاتي من بعض السلع والمنتجات الغذائية وتوجد فرص عمل للشباب العماني وتنمي المناطق التي ستقام فيها ومن أبرز المشروعات التي بدأت فعلا على أرض الواقع مشروع شركة مزون للألبان ومشروع النماء للدواجن بولاية عبري ومشروع البشائر للحوم والمروج للألبان في محافظة ظفار ومشروع إنتاج الصويا في ولاية صحار.
وبلغ عدد النخيل في السلطنة وفق الإحصائية الأخيرة التي نشرتها الوزارة 7.6 مليون نخلة في الحيازات الزراعية، بالإضافة إلى 800 ألف نخلة في الحدائق المنزلية، وحوالي 200 ألف أخرى في الشوارع والمتنزهات العامة. علمًا بأن هذه الإحصاءات لا تشمل مشروع المليون نخلة.
وقعت الشركة العمانية لإنتاج وتعبئة التمور وهي إحدى الشركات التابعة للشركة العمانية للاستثمار الغذائي القابضة الأسبوع الماضي اتفاقية الأعمال الاستشارية الهندسية الرئيسية لأعمال التصميم والإشراف لإنشاء مصنع لإنتاج وتعبئة التمور بمنطقة الرميس بولاية بركاء ومراكز لتجميع التمور يصل عددها إلى 6 مراكز في كل من نزوى وعبري وجعلان بني بوحسن وإبراء وصحم والرستاق وقد تم اختيار هذه المواقع بعناية تامة حيث إنه حسب الإحصائيات الرسمية فإن ست محافظات من الإحدى عشرة محافظة في السلطنة تنتج حوالي 95% من التمور وأغلب هذا الإنتاج يتركز في الولايات المذكورة أو الولايات القريبة منها وبالتالي سوف يتمكن المواطن بكل سهولة ويسر من توريد إنتاجه إلى هذه المراكز أو إلى المصنع مباشرة.
ونجزم بأن إنشاء هذه الشركة سوف يكون بداية لقيام صناعات حقيقية تعتمد على التمور خاصة إذا ما علمنا بأنه حتى الآن لا توجد لدينا صناعات متطورة قائمة على التمور رغم الجهود التي تبذل من هنا وهناك وإنما توجد وحدات صغيرة ومتوسطة تحاول تطوير إنتاجها في ظل منافسة شرسة من قبل التمور المستوردة، وقد يتخوف البعض من وجود شركة كبيرة تهتم بالتمور خاصة صغار المنتجين إلا أنه وحسب تصريحات المسؤولين بالشركة فإن هذه الشركة سوف تكون عونا لهم بحيث توفر لهم التمور الخام بالإضافة إلى مساعدة المزارعين الذين يعانون من مشكلة تسويق إنتاجهم حيث إن الشركة سوف تقوم بشراء التمور بجميع أنواعها.