نوافذ :يسألونك عن اليوم

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

كتب أحدهم يقول: «أغلى شيء تهديه لآخر، هو الوقت، فالوقت شيء لن يعوض» ولذلك قيل: «الوقت كالسيف؛ إن لم تقطعه قطعك» فالمسافة ما بيننا وبين الآخر هو كمية الزمن المهدرة؛ في أحيان كثيرة؛ دون أن نشعر، مع أن الوقت هو أثمن ما نملك كما قال صاحبنا، ولذلك تستغرب عندما تسمع من آخر يقول: «جئنا لنضيع الوقت قليلا» وهل هناك مساحة آمنة للوقت حتى يضيع، إنها مفارقة الفهم اللا واعي، في كثير من أنشطتنا اليومية، دون أن ندري، ويحدث هذا عند الجميع، عند ذلك الشخص الذي لم يتجاوز عقده الثاني، حيث نزق الشباب؛ غير المكترث بأي شيء، وعند ذلك الذي يتجاوز عمره العقد السادس؛ الذي خبر الحياة بكل تفاصيلها الدقيقة، ومع ذلك يقدم الوقت كأنه شيء من سقط المتاع، ولا يدري صاحبنا «المسكين» انه سوف يسأل عن «عمره فيما أفناه».
وهذه الصورة أعلاه ليست مطلقة على علاتها، فهناك من يقيس الوقت بمقياس الربح والخسارة، فلا يفرط في وقت يرى فيه تحقيق المصلحة الآنية، أو المتحققة بعد حين، ويدرك؛ باستيعاب كامل؛ أن تضييعه للوقت، هدر لمصالح كبيرة، ربما لا تتكرر، ولذلك يرى في الوقت أحد العناصر المهمة لاستمرار نجاحاته التي يعرفها جيدا، ولذلك يقال تجاوزا؛ في ذات المعنى: «للغياب سبعون سببا، وليس للحضور سوى ثلاثة أسباب: أما شوق أو مصلحة أو صدفة» فمسألة الحضور؛ وفق هذه الرؤية؛ تكون للوقت أهميته التي يعيها من قام بفعل الحضور، أما في حالة الغياب، فكما هو الفهم السائد: «الغائب؛ حجته معه» ولو أن الغياب أكبر وسط في هدر الوقت لدى آخرين، وكم تواعد معنا فلان من الناس لأن يأتي في الوقت الفلاني، ويمر الوقت وأخوه وكل أقاربه، وفلان هذا لم يأت، وتظل أنت بين رضا وقنوط، رضا وفق الفهم أعلاه، وقنوط وعصبية، لأن وقتك ذهب أدراج الرياح لخاطر هذا الذي لم يأت حتى هذه اللحظة، وتكون محظوظا جدا، لو وصلتك رسالة عبر هاتفك النقال من رقمه، يقول فيها: «آسف حدث عندي ظرف طارئ» وإلا عليك أن تتجرع سموم غضبك عليه.
هناك كثيرون يضحون بأوقاتهم، لإسعاد غيرهم، وفق فهم سائد؛ قد يكون مغلوطا في تنفيذه، وهو الذي يقول: «السعادة التي نضعها في جيوب الآخرين ستعود يوم لتخبئ في جيوبنا عندما نحزن» هو نوع من السلوى لا أكثر، فالآخرون عندما يتجاوزونك في الاهتمام بمصالحهم الخاصة، فذلك من الفطرة، وعليك ألا تحزن، وعد دائما كما يقال: «اعمل خيرا؛ وارمه في البحر» فليس هناك عقد يلزم الآخر الذي احتويته يوما بكل ما تملك من صدق، أن يكون لك عبدا مطيعا، ومن يتذكرك بعد حين، يكون ذلك نوعا من الذكرى لا أقل ولا أكثر، وكثير من الذكريات تعيدنا إلى مربعنا الأول عندما كنا بسطاء، ولذلك هي تؤلمنا، لأن البساطة؛ في حاضر كل منا الآن؛ غير موجودة، حيث تتلبسنا مجموعة العقد، وما أكثرها، وما أقبحها، ولكنها جزء من حياتنا ولا مفر من ذلك، حيث تتداخل في جميع جزئيات حياتنا اليومية، ولذلك قيل: «ثلاثة أشياء تسقط المرء: حب المال، والأنانية، وحب السيطرة؛ وثلاثة ترفعها: التضحية، والوفاء والفضيلة» وهذه المقولة تصنف ضمن أقوال الحالمين، الذين يضعون الموازين لما يجب أن يكون عليه واقع الحياة، بينما واقعها «يغرد خارج السرب» ومع كل ما يقال، يجب علينا؛ حقا؛ أن نكون أكثر قربا من ثيمة الصدق، فهي الوحيدة القادرة على تجلية المشهد من ترسبات أدران النفوس، فـ «الصدق مثل خيط المسبحة إذا انقطع تناثرت كل فضائل المرء». أليس كذلك؟