أزمة الفكر العربيّ الحاضر: نظرة نقديّة

ماجـد صالح السامرّائي –

لم يمرّ الفكر العربيّ الحديث بأزمة، يُمكن وصفها بـ«التاريخيّة»، كالتي يمرّ بها اليوم، فهي «أزمة مُرَكَّبّة»، إذا حَسُنَ التعبير، ما يَفترض جديّة النّظر فيها، وجذريّة التفكير بمآلاتها. فالمُراجَعة النقديّة الصريحة وحدها التي يُمكن لها أن تُعيِّن طبيعة هذه الأزمة بما يتداعى إلينا منها من صراعات، إنْ على مستوى الثقافة، أو على مستوى الواقع، يُمكن وصفها بـ«اللّا – تاريخيّة».
وإذا ما عُدنا، في هذا، إلى ثقافتنا على عهد ما أطلقنا عليه «الثقافة النهضويّة الحديثة»، سنجد أنفسَنا في معركة منطلقها التفكير بالتأسيس لواقعٍ حضاريّ جديد، إن كانت قد بدأت في الماضي القريب فينبغي ألا تكون قد انتهتْ، بل ينبغي ألا تتوقّف، مع تجدُّد ما لها من أُطروحات تُحتِّمها التحدّيات التي نُواجه.
وهنا ينبغي تحديد المسألة بواقعها: ففي الوقت الذي سعت فيه هذه الثقافة، بعمادها التنويري، إلى امتلاك الحقيقة، والعمل على جعْلها واقِعا في المجتمع العربي، سعى الطرفُ الآخر (الغرب الأوروبي) إلى تفعيل إرادة الهَيمنة، واغتصاب ما للأُمّة وإنسانها من واقع هو في طور التشكُّل الحضاري، والعمل بالضدّ على تشكيل صورة العالَم وفاقا لما لمشروعه الاستعماري من وجوه، فكان أن نَقَض بـ«العولمة» ما كان لـ«الحداثة العربيّة» من أطوار التكوين، عاملاً على إشاعة أفكار، وتغليب مفهومات تستجيب لما يعمل على تشكيله من معانٍ ودلالات من شأنها أن تَصنع واقعا يستجيب لنفوذه.
وبهذا كان أن أغلق باباً كنّا فتحناه على التفكير العِلمي الحيّ الذي من شأنه أن يُحدث ثورة تطوّر فعلي، وفَتح باباً كنّا أغلقناه وحاصرنا خلفه ما كان شائعا من فكر تقليدي، وثقافة تُحرِّم التفكير العقلي، لتُغلق طريق التقدُّم والتطوّر أمام إنسان العصر والإنسان المُقبل، واضعا الأمّة وإنسانها في حال كينونة لا تاريخيّة تجد نفسها فيها/‏‏ معها عاجزة (أو مكفوفة القدرات) عن أن تُنجز تاريخها الثقافي والحضاري والإنساني الجديد الذي وَعَد به « مشروعها التنويري» منذ بدايات القرن العشرين، آخذا بفكرة بناء ثقافة عربيّة جديدة يُمكن أن يواجه بها إنسان العصر تحدّيات العصر، من تخلُّف وغربنة، وتكوين العقل العربي على أُسس نهضويّة تكون بأبعاد هذا العقل في ما يضع من أُسس نهضويّة يكون لهذا العقل بها/‏‏ ومعها مشروعه المستقبلي.
وقد انبعث جانب من هذا الفكر عن يقينٍ ثوريّ جديد عماده: بناء حياة فكريّة جديدة لها مفهومها الحيّ، وبالتالي منظورها النقدي للتاريخ، وحماية حريّة الفكر والتفكير في سياقات هذه الرؤية التاريخيّة.

الكولونياليّة – مشروع اغتيال

قرأنا الواقع العربي الحديث، أوّل ما قرأناه، بفكرٍ تنويري، وبرؤية قائمة على التأسيس للجديد. ولكن ما لبثت «الأصوليّة المحنّطة» أن امتدّت إليها وحاصرتها.
وقرأنا تراثنا برؤية عقليّة مُنفتحة بما حملت من «مشروع مستقبلي» لم يلبث «الغرب الكولونيالي» أن امتدّ إليها بقوّتين: القوّة الرافضة لكلّ أُطروحة بديل، والآخذة نفسها بالانضمام إلى الماضي، والقوّة الأُخرى الآخذة (والعاملة على أن تجمع الواقع معها) بالمشروع الغربي الكولونيالي.
وقرأنا هذا الواقع العربي برؤية قوميّة لم تفصل الثقافة العربيّة عن وجودها التاريخي (التراثي التنويري)، بل عملت على قراءتها برؤية مجدِّدة جوهراً، كاشفة عمّا فيه من مقوّمات التواصل والاستمرار. وعلى أساس من هذا انبنت الرؤية الحداثيّة العربيّة.
ثمّ قرأنا هذا الواقع برؤية ماركسيّة عملت على تحليل البُنى الاجتماعيّة والثقافيّة للمجتمع العربي، ولكن ليس من داخله، وإنّما بتسليط قوّة «الفكر الخارجي» عليه. ونظرت إلى العلاقات الإنسانيّة في هذا الواقع، فأخذتها بتقسيمها على «أساس طبقي» لم يُسفر عن نتائج مُقنِعة.. فانتكس وفشل.
ومنذ ثمانينيّات القرن العشرين، وربّما قبلها بسنوات قلائل، والمثقّف العربي يندفع باتّجاه قراءات أُخرى يُمكن تسميتها بـ«القراءات الامتثاليّة»، لما لأُصولها من منظورات قامت في مجتمعات أُخرى، واتَّخذ بعض المثقّفين الطريق إليها من خلال «النَسخ» و«الامتثال» لنظريّاتها من دون وعيٍ كافٍ بها. ومن خلال هذا/‏‏ وبه جرى تبنّي اتّجاهات/‏‏ توجّهات يُمكن وصفها بـ«اللّاتاريخيّة» دفعت بالثقافة، والمثقّف، إلى «واقع الفوضى»، وأشاعت فيها حالات النظرة العدميّة.. فهي بدل أن تدفع إلى حقيقة، وتقود إلى تقدّم، أشاعت الوَهْم.. وبدل أن تبلغ بالإنسان، عقلاً وفكراً وتوجّهات، إلى مصافّ الحريّة والمسؤوليّة التاريخيّة، دفعت به إلى الفوضى والعدميّة. ولم تُقدّم مثالاً حضاريّاً جديداً، ولا خلقت للثقافة بيئة إنسانيّة مُتفاعلة.. وجاء الكثير من مُعطياتها نتاج حالة أقرب إلى «وحدة التوحّد» التي وجد المثقّف نفسه يعيشها.

السؤال طريق لامتلاك الحقيقة

من هنا ينبغي إثارة أسئلة من شأنها تيسير العودة بنا، مثقّفين وثقافة، إلى امتلاك الحقيقة في بُعدَيها: الموضوعي والتاريخي، بما يفتح الأُفق لتجلّيات جديدة. وفي هذا نذهب إلى أنّه لا بدَّ من حركة نهضويّة جديدة تأخذ نفسها بمبادئ التنوير، مُستعيدةً الدَّور الطليعي للفكر الثوري، جذريّ الرؤية والمنظور، وللمفكّر الذي يأخذ نفسه، ثقافة وأُطروحات، بهذا الفكر في ما له من أُصول معرفيّة، نستعيد معها اللّحظة الرّاهنة، ومُستقبلها، من «الأيدي القذرة» التي تمثّلها «تجمّعات» و«تخالُطات» لا تاريخيّة، وإنهاء دَورها التفتيتي. فنحن اليوم نعيش التفكُّك بأجلى مَظاهره الاجتماعيّة والثقافيّة، ونمرّ بحالات انحطاط اجتماعي يضعنا في سياق تبعيّات سياسيّة وثقافيّة، ويشيع التخلّف بأشكالٍ وصور مُستعادَة ممّا سبق أن عاشته الأمّةُ في الماضي من عصور انحطاط، إن لم نقلْ إنّ الحاضر تجاوزه شأواً.
وأمام هذا/‏‏ وفي مُواجهته يُثار أكثر من سؤال:
– فهل من دَور واضح اليوم للفكر القومي العربي يُمكن أن يُلبّي نداء التاريخ فيُخرج الأُمّة من واقع صراعاتها الداخليّة ويَضعها على طريق إنجاز ثورة وطنيّة بآفاق قوميّة، وبرؤية حضاريّة للمستقبل؟
– وهل من دَور بقي لـ«اليسار العربي» يُمكن أن ينهض به ويُعيد صوغ مَساره على أُسس وطنيّة واضحة، وبرؤية ديمقراطيّة ثوريّة انطلاقاً من/‏‏ وبناءً على ما تحتّمه الحالة الرّاهنة من ضرورات؟
– وهل تحمل «الكولونياليّة الجديدة» حلولاً غير مشروطة بالتبعيّة للمركز الذي يجمعها متمثّلاً بـ«الرأسماليّة الجديدة»؟
اللّاتاريخيّة تُجدِّد نفسها إنّ الواقع العربي يتحدّد اليوم، أكثر ما يتحدّد، ببُعدَين: طائفي قائم على المذهبيّة، وإثنيّ بجذوره العنصريّةـ وكلاهما يأخذ نفسه بمَنطقٍ مُنافٍ لمَنطق التاريخ الحضاري:
– فالطائفيّة المذهبيّة صيغة لا تاريخيّة، ترمي إلى تحديد «واقع زماني» ببُعد سياسيّ – كولونياليّ الروح والتوجّهات، يخرج بكلٍّ من الإنسان والواقع من التاريخ بمفهومه/‏‏ بُعده الممثِّل لاستمراريّة التطوّر، مُجمِّداً كلّ ما للإنسان من حركة مستقبليّة تتمّ على مستوى آخر غير مستوى الجمود والتخلّف والارتداد الأعمى إلى الماضي.
– وأمّا الإثنيّة، فتقوم هي الأخرى- وإن بطرائقها العنصريّة- على تفتيت «التاريخ ذاتاً وهويّة»، وتفكيك ما له من زمان – مكان، نافية نفسها في محيط الانعزال الذي لا يتّسع لما هو مستقبلي أشمل.
إلّا أنّ هذا الواقع، على تعقيداته، ينبغي ألّا يتوقّف بنا عند حدوده هذه، بل ينبغي أن نُعيّن ما نحتاجه اليوم، ويلزمنا تاريخيّاً، في بناء نظريّة قوميّة مُتكاملة قائمة على رؤية ثوريّة – نقديّة بتوجّهات جذريّة، رافضة المسلّمات أيّاً كان مصدرها، ومتبنيّة معرفة تاريخيّة بمنطقٍ قومي جامِع، آخذةً نفسها بمفهوم التطوّر التاريخي ذي المعنى.
إنّ عملنا الرّاهن والمستقبلي ينبغي أن يقوم على حقيقتَين/‏‏ قاعدتَين تاريخيّتَين يتمّ الجمع بينهما على أساس الهدف والقضيّة، وهُما:
– تبنّي النظريّة الثوريّة الحديثة القائمة على تفكيك الوجود الاستعماري على الأرض العربيّة.
– بناء واقع اجتماعي جديد قائم على فكرة مركزيّة تتمثّل بالوجود القومي – التاريخي للأمّة فضلاً عن هذا، نحتاج اليوم فكراً تنويريّاً بآفاقٍ عربيّة جديدة، وليس بواقع الاستعادة والتكرار، مُدرِكين أنّ ما كنّا حسبناه، في الماضي القريب، «زمناً حضاريّاً» – وكان في غير جانب منه كذلك- أنهته «عَودة الاستعمار».
وعلى مستوى الثقافة، نحتاج اليوم إلى ثقافة السؤال والابتكار، وإلى فكر احتجاج على السائد. فـ«الحداثة الجديدة»، التي ينبغي أن تكون بجوهرها العربي، «حداثة تثوير» للمجتمع، وزعْزعة لبُناه التقليديّة، اجتماعيّة وثقافيّة وفكريّة ـ هذا إذا أردنا أن يكون لنا دَور نلعبه في التاريخ، الحاضر والمستقبلي.
نحن اليوم، وينبغي أن نُدرك هذا، نعيش حالة انكفاء على الذّات، وثقافة زمننا الرّاهن ثقافة تقليديّة كان لثورة العصر، يوم بدأت قبل اليوم، أن وضعَتْها/‏‏ ونَظرتْ إليها نظرتها إلى ما يقع في عداد «الثقافات البائدة».
إنّ «الثقافة البديل»، التي ينبغي أن نسعى، عملاً، على بلْورتها جوهراً، ثقافة قائمة بما لها من فتوحات معرفيّة، تَقرأ/‏‏ ونقرأ بها ومن خلالها ما ينبغي أن نكون عليه من وجود ثقافي – حضاري جديد مُقترِن بالهويّة العربيّة.

• كاتب وناقد من العراق – ينشر المقال بالاتفاق مع مؤسسة الفكر العربي