ماجد الكندي: الزواج مبني على الشهرة والإعلان وإخفاؤه أمر مجانب للصواب

الآصرة الزوجية علاقة تتناغى فيها الأرواح وتسكن إليها النفس البشرية –
«وفـاء» يطرق باب التعدد ويدعو إلى الترابط الأسري –

قراءة : سالم الحسيني –

جواز تعدد الزوجات مقيد بارتفاع الخوف من عدم الاستطاعة إليه؛ لأنه رابطة شريفة بين رجل وامرأة تقتضيها الفطرة البشرية وتحتمها السكينة النفسية في الحياة، كما أنها علاقة تتناغى فيها الأرواح لتحقق السكينة التي هي مطلب كل حي.. وما يفعله البعض من الزواج بالثانية سرًا وإبقاء الأمر مكتومًا فهو منكر وجور لا يجوز للزوج أن يستمر فيه، حيث إن عقد الزواج مبني على الشهرة والإعلان لما يترتب عليه من حقوق وواجبات، فضلًا عن أن الشرع يسعى لأن يبارك المجتمع كله العلاقة الطيبة في حدود العفة والطهر بين الجنسين، أما إخفاء الزواج وستره لأجل خوف الأولى فمجانب لتحقيق تلك الحكم.. ذلك ما أوضحه الدكتور ماجد بن محمد الكندي أمين فتوى بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية في كتابه: «وفاء».. دليلك الشرعي إلى فقه التعامل مع الزوجات» موضحًا: إن عدم العدل في القسمة بين الأزواج مخالف للشرع الحكيم. ودعا الكندي المرأة إلى استنفار قواها فيما يجمع ويؤلف إن اصبح الأمر حقيقة، وأن لا تضطر زوجها إلى الجور والظلم وإلا كانت آثمة داعية إلى فساد ومعصية، ولتسع إلى اكتساب قلب الزوج والتعامل معه بحكمة ولا تعرض نفسها وأسرتها للتندر والشتات حتى لا تقع في المعصية والإفساد، داعيًا في الوقت ذاته الرجال إلى العدالة في القسم والتسوية في التفرغ الزمني، مبينًا أن ذلك يورث المرأة الرضا وقرار العين.. وهنا قراءة مبسطة لهذا الكتاب الذي يحمل أفكارا نيرة ونصائح مهمة للذين سلكوا ذلكم الطريق والمقدمين عليه وأحكامًا فقهيةً متعلقةً بالتعدد.

أبان الدكتور ماجد في هذا الكتاب بعض الأحكام الشرعية، مسترشدا بالهدي النبوي الكريم في تعامله مع أزواجه، إذ هو القدوة لمعاشر المسلمين، فإنه صلى الله عليه وسلم توفي عن تسع نساء هن كنسائنا يعتريهن ما يعتري النساء من سخط ورضا، وكل واحدة منهن يوم تساء ويوم تسر، ويوم ترضى ويوم تسخط، يعنيها ما يعني النساء في كل زمان ومكان، وقد كان صلى الله عليه وسلم يتعامل معهن بصفه البشرية وممارسة الحياة الزوجية كباقي الأزواج، والوحي في ذلك كله يسدده فلا يقول إلا حقا ولا ينطق إلا صدقا.. (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) مبينا: في مقدمة الكتاب أن تصرف النبي صلى الله عليه وسلم في تعامله مع أزواجه هو اكمل التصرف وأفضله، وقد أمرنا بالتأسي به وأخذ التشريع منه دون سواه (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) ولم يزل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون بإحسان بعدهم يرجعون إلى أمهات المؤمنين في كثير من أحكام النساء، ومن أحكام الرجل مع أهله كما يقول العلامة الطاهر ابن عاشور. موضحا: أن العشرة الزوجية توجب على من جاز له التعدد أن يوفيها حقوقها بأن يكون عادلا، والعدل يطلب في التفرغ الزمني والسكنى والنفقة، وقد عرض لذلك ثلاثة أمور في ثلاثة مطالب: المطلب الأول: العدالة في التفرغ الزمني والثاني: العدالة في السكنى، والثالث: العدالة في النفقة، واختتم ذلك بأحكام فقهية متعلقة بالتعدد.

سكينة نفسية

وأكد الكندي من خلال المطلب الأول أن الزواج رابطة شريفة بين رجل وامرأة تقتضيها الفطرة البشرية وتحتمها السكينة النفسية في الحياة (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)، وقوله سبحانه: (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ) وهذه السكينة مطلب مشترك ينشده كلا الطرفين الرجل والمرأة، مؤكدا: أن الآصرة الزوجية ليست جسدية تقوم على قضاء وطر في ساعة نشوة فحسب بقدر ما أنها علاقة تتناغى فيها الأرواح لتحقق السكينة التي هي مطلب كل حي، وقد رأى جمع من أهل العلم أن الزوج ملزم بالتفرغ لزوجه ولا يصح له تركها وحيدة تصارع الزمان، إذ ليس بمغن لها توفير طعام تأكله وحدها دون أن تختلف عليه يداهما، ولا المسكن الذي يظلها منفردة دون أن يؤوي جسديهما معا، بل إنها فوق ذاك تطلب وجوده بذاته مفضيا بحنانه على أفراد أسرته ومديرا شؤونهم بحكمته الممتزجة بحزمه، لتتدفق أنهار الألفة والمحبة رقراقة بين جنبات الأسرة، فهجر المرأة وترك القسم لها مضارة أمر لا يجوز ديانة بل يتعارض ومقتضى عقد الزواج، مشيرا إلى انه يترخص في عدم التفرغ اليومي للزوج مع زوجه بالظروف التي لا محيص عنها كاكتساب المعيشة ونحوه من الضرورات التي تقتضيها الحياة على اختلاف أنماطها وجرت على قبولها الأعراف لكن ليسع الزوج أن لا يؤويه إلا بيته ليكون مع زوجه وأولاده، وعلى السياسة الشرعية مراعاة ذلك والأخذ بعين الاعتبار عند سن التشريعات والنظم أن لا تُقصي الإنسان بعيدا عن أهله ما وُجد إلى ذلك سبيل وان لم يكن بد من ذلك فلا يضطر إلى الغياب مدة طويلة عنهم حتى لا يقع فيما لا يرتضى من سلوك، فصلاح الأمم رهين صلاح الأسر.
وجاء في المطلب الثاني وهو: العدالة في السكنى أن المقصود بذلك هو التفرغ الزمني أي المساواة في توزيع الزمان على أزواجه إن كن اثنتين أو اكثر، فقد جاءت النصوص الشرعية تفيد الحرص على تحقيق العدل بينهن فقد ثبت عن السيدة عائشة انه صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد سفرا اقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، مبينا: أن العدل في إتاحة التفرغ الزمني للأزواج واجب يأثم الإنسان إن تركه، وذلك بإجماع علماء الشريعة إذ هو مقتضى العشرة بالمعروف التي أمر بها الكتاب العزيز (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) وأي عشرة ترضى بها زوجة لا تنال معها ما يناله غيرها من الأزواج من الرعاية والمبيت وهن سواء في الإدلاء برابطة الزوجية التي هي سبب هذه الرعاية ومبعثها. ثم إن الله تعالى شرط لجواز تعدد النساء العدل (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) موضحا: أن جواز التعدد مقيد بارتفاع خوف عدم العدل، ومنه يحرم التعدد عند خوف عدم العدل، وذلك يقضي ان يكون العدل بينهن واجبا شرعيا عند تعددهن. فالعدل قيمة إنسانية مطلقة لا ينفّس لإنسان أن يتجاوزها إلى الجور فقد أمر الله بالعدل (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)، لذا فمن لم يعدل في القسمة بين الأزواج فهو مخالف للأمر الشرعي مما يعني عصيانه لله تعالى. وفوق العصيان المأخوذ من الأدلة السابقة يقال إن هذا العصيان مرتبته أعلى من العصيان المجرد بل هو من كبائر الإثم وعظائم المعاصي على ما يفيده ظاهر حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط» لذلك كان من أهل العلم من اسقط شهادة من داوم على عدم العدل بين أزواجه في قسمه لهذه المعصية الكبيرة التي أتاها، ونصّ آخرون على انه يؤدب تعزيرا إن استمر على تفضيل بعضهن دون مسوغ شرعي، مبينا: أن العدالة في القسم والتسوية في التفرغ الزمني تورثان المرأة الرضا وقرار العين كما يفيد ذلك قوله تعالى: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آَتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ) ولهذا فان ليس مسقطا حق العدالة في التفرغ الزمني كون الزوج يخشى زوجته الأولى، وسطوتها فالمعصية لا تعالج بمعصية، ومن كان يعلم من حاله انه إن عدد فسيكون ممن يظلم الثانية حقها بسبب سطوة الأولى عليه وشدة بأسها فلا يحل له أن يعدد لأنه ممن يدخل في قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً).
وأشار إلى أن ما يفعله البعض من الزواج بالثانية سرا وإبقاء الأمر مكتوما فيكون من نتاج ذلك انه لا يكاد يأتي زوجته الثانية بشرع الله إلا لماما وكأنه يسرق الوقت ليكون معها وهي تتلظى من هذا الضعف الذي به أو الجور الذي يمارسه دون رضا منها فذلك منكر وجور لا يجوز للزوج أن يستمر فيه بل هو ممن يميل إلى إحداهما دون مسوغ شرعي فيكون في الوعيد الأخروي. والأصل في عقد الزواج انه مبني على الشهرة والإعلان عنه لما يترتب على ذلك من حقوق وواجبات تتعلق بالنسب والنفقة والتركة وغير ذلك، فضلا عن أن الشرع يسعى لأن يبارك المجتمع كله العلاقة الطيبة في حدود العفة والطهر بين الجنسين، أما إخفاء الزواج وستره لأجل خوف الأولى فمجانب لتحقيق الحكم السابقة كلها. كما انه لا يجوز للزوجة الأولى أن تضطر زوجها إلى الجور والظلم وإلا كانت آثمة داعية إلى فساد ومعصية، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)، وعن الحصين بن محصن أن عمة له أتت النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة ففرغت من حاجتها فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: أذات زوج أنت؟ قال: نعم، قال: كيف أنت له؟ قالت: ما آلوه إلا ما عجزت عنه، قال: فانظري أين أنت منه، فإنما هو جنتك ونارك.
وأوضح الكندي قائلا: إن اصبح الأمر حقيقة من الحقائق فلتستنفر المرأة قواها فيما يجمع ويؤلف، ولتسع إلى أن تنافس في الاستحواذ على قلب الزوج بدل الحمق والسخف الذي تقع في كثيرا من راجحات العقول فيفقدن معه الحكمة ويعرضن أنفسهن وأسرهن للتندر والشتات ويقعن في المعصية والإفساد نزولا عند رغبة شياطين الإنس والجن والنفس الأمارة بالسوء الذين يفرّقون ولا يجمعون، ويشعرونها أنها وقعت في الظلم الاجتماعي إذ لم تقصر في حق زوجها، وهؤلاء – وما اكثرهم – اذكرهم بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا، يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)، وقوله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) فليقولوا خيرا يجمع ويؤلف وإلا فليخرسوا ألسنتهم فإنه «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت». وحمل الكتاب أفكارا نيرة ونصائح مهمة للذين سلكوا ذلكم الطريق والمقدمين عليه وأحكاما فقهية متعلقة بالتعدد.