«عمان للموسيقى التقليدية» يكشف تحديات الأصالة والتجديد في الموسيقى العربية

كتبت: خلود الفزارية –
أقام مركز عمان للموسيقى التقليدية التابع لمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بديوان البلاط السلطاني ضمن خطة النشاط الثقافي لهذا العام محاضرة بعنوان تحديات الأصالة والتجديد في الموسيقى العربية مساء أمس الأول قدمها الدكتور هياف ياسين المدير الأكاديمي لكلية الموسيقى وعلوم الموسيقى بالجامعة الانطوانية وكلية التربية.
وأوضح الدكتور هياف ياسين أن فكرة تطوير أو تجديد الموسيقى هي فكرة ملازمة للموسيقيين والباحثين الموسيقيين وبعض طلبة الموسيقى، لأن هناك هاجس نحو كيفية تطوير الموسيقى، إلا أن الموضوع يسبب جدلية بين الأصالة والمحافظة الثقافية وبين الانفتاح على حداثة قد ننغمس فيها وتبعدنا عن واقعنا الثقافي.
وبين ياسين كيفية توصيف العقل الموسيقي العربي لمصطلح التقليد، حيث يتساءل هل هو تقليد أم تقليدان إن كان يساوي التراث، مضيفا أن أغلبية أهل الضاد يرادفون مفهومي التقليد والتراث، وكأننا نعني تراثية صرفة وهو مفهوم غير كامل، فقد يتساوى التقليد بالتراث عندما تكون عملية استنساخية حرفية، ويمكن للتقليد أن يأخذ دلالة أوسع ويتعدى مفهوم التراث.
ويوضح أن الأداء الموسيقي عزفا وغناء يدخلان في تحديد صلب هذا الموضوع، سواء كانت الفرقة أو التخت أو حتى الموسيقي المنفرد ينظر في كيفية التعاطي مع هذا التقليد، وله خياران، إما أن يبقى في إطار صنمي يستنسخ بالتكرار أو أن يتعداه إلى منحى آخر، فتقديس النص الموسيقي واللحن الموسيقي والالتزام بحرفيته الأدائية لكونه «نصا مقدسا» يؤكدان على على مفهوم مرادفة التقليد للتراث، وفي حال تجاوز المؤدي هذا النص، باتجاهه للروحية انطلاقا من النص مع إضافات طارئة حقيقة من الموسيقي أثناء الأداء تلغي هذه المرادفة، لتجعل النص بمثابة انطلاقة نحو توليد نصوص جديدة.
بعدها تطرق الدكتور هياف ياسين إلى أمثلة عن الأداء الموسيقي عزفا وغناء، بالتقليد للتراث نجده في التقاليد الموسيقية الشعبية من لبنان «قالب العتابا» بصوت المطرب يوسف تاج، أما حين يتخطى التراث فنجده في التقاليد الموسيقية الفنية الكلاسيكية للمطرب والطنبورجي اللبناني محيي الدين بعيون. ويضيف: أن النص المرجعي يسمح للمؤدي أن يغير فيه، فالتقاليد الموسيقية الفنية التي ترادف مفهوم الكلاسيكية، ويمكن الاستشهاد بذلك بـ«الهيتروفونيا» وهي الأداء التنويعي الذي يطرأ على نص واحد، فعندما ندرس الأطفال نصا مرجعيا يأخذونه بطريقة حرفية ثم يقدمه الطفل بطريقته الخاصة. ويطلق على ذلك التنويع مرتجل طارئ وآني، وهي القدرة على بناء النص، وحتى في اللغة العربية يأخذ المعنى منحيين، فحين نردف كلمة قلد بمفعول به واحد كقولنا: قلد عمرو زيدا تأتي بمعنى كرر ما فعل، ولكن إذا تعداه في حال قلد عمرو زيدا قلادة، أصبح لديه معنى آخر، ويمكن القول أنه في التقليد الموسيقي هو إطار استنساخي حرفي أما في حال تعداه فيخرج من المسار المقصود.
وتابع ياسين: أن مقاربة الموسيقى على أنها لغة مسألة تطرح دائما بأن الموسيقى هي لغة عالمية، ولكن اللغة هي كفاية ومهارة بشرية موجودة عند الجنس البشري، عليها أن تتحقق هذه الكفاية وإلا لن تكون لغة، وحين تتحقق هذه الكفاية في إطار اجتماعي ثقافي فتتولد «اللسان»، والشكل الذي ينتج هو الكلام، الخاضع في قواعده لنحو ذلك اللسان.
بعدها تطرق المحاضر إلى صراع نظريتين وهما التلقيح الداخلي، والتلقيح الخارجي، مستذكرا المدارس في كل نظرية، مع تقديم مقارنة بين التخت الموسيقي وفرقة الأوركسترا، من حيث الآلات والنظام اللحني، والهيكليات وجانب التقليد، فضلا عن التقنيات والجماليات والنهج الذي تسيران عليه. وأشار الدكتور هياف ياسين على أن شكل التخت الموسيقي تبلور وبدأ عصر النهضة مع هذه التوليفة، وأن كل الموسيقات فيه مقامية، واللهجات حيث إن ثلاثة وستين من التراث اللبناني هو سيجا، فيتحرر من النص ويذهب إلى نصوص جديدة بتقنيات عالية بإطار تقليدي، مؤكدا على ضرورة اختيار النهج أو الاستراتيجية، حيث هناك تقنيات تذهب باتجاه الحداثة كاختيار الاستراتيجية المرجوة، ومعرفة المحاذير، وعدم التغافل عن عنصر التعليم للأجيال الشابة، مع وجوب تجنب التقوقع في التراث والغرق في الحداثة.
وفي ختام الأمسية قدم الضيف المحاضر هدية لمركز عمان للموسيقى التقليدية، وهي عبارة عن آلة الصنطور التي قام بابتكارها لطلاب المدارس، مطورا آلة الصنطور العربي الشهيرة، كما تخلل الأمسية وصلات من الموسيقى وكانت المحاضرة مصحوبة بالأغاني التراثية.