الشورى العمانية.. نماء وبناء ومستقبل

إميل أمين –

تنتظر السلطنة الأيام القادمة استحقاق الانتخابات التشريعية للفترة التاسعة لمجلس الشورى، والذي فيه تتجدد إرادة الناخبين، وتتعمق مسارات ومساقات الشورى في البلاد، كطرح أصيل من طروحات وشروحات المشاركة في صنع القرار، تلك التي مضت السلطنة في طريقها وفق نهج مدروس، يتفق مع البنية الإنسانية والعقدية، الفكرية والاقتصادية، الاجتماعية والسياسية للبلاد، منذ النهضة المباركة وإلى اليوم.

مسيرة الشورى التي رعاها صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه-، تجذرت في واقع الأمر في ثنايا المجتمع العماني منذ العقد الثاني من مسيرة النهضة المباركة، وبنوع خاص مع تأسيس المجلس الاستشاري للدولة في عام 1981، وإنشاء مجلس الشورى في عام 1991.
على عتبات هذه الانتخابات يمكننا القطع بأن تجربة الشورى العمانية خلال العقود الماضية، أظهرت نمطا متميزا تقدميا ضمن الأدوار التي تقوم بها تلك المجالس الشعبية حول العالم، وبنوع خاص إذا وجدت حالة توافق وانسجام في الرؤى بين الحاكم والمحكومين، توافق إرادات على رفعة البلاد وعلو شأنها، على البناء والنهضة، النماء والاستقرار، كما هو الحال في التجرية العمانية الرائدة.
والشاهد أن حكمة صاحب الجلالة أرست عمان الحديثة الناهضة والبازغة بين الأمم، وهي التي كانت وراء حكمة وفلسفة التدرج في البناء، وقد ثبتت صحة ونجاعة هذه الفلسفة، فالأنظمة كما الكائن البشري لها حياة تبدأ من المهد، ثم تنمو وتنطلق في الآفاق، أما أولئك الذين حلموا بالتغيير الديمقراطي المطلق مرة والى الأبد، ها هم يحصدون الزوابع. لم تكن تجربة الشورى العمانية طفرة أو قفزة عشوائية تستتبعها مرارات وحسرات وفوضى تحت مسمى الديمقراطية البواح، بل كانت تجربة متدرجة، تسعى لترسيخ مفاهيم الشورى التي كانت حاضرة في تاريخ عمان المجيد، وها قد حان الوقت لإزالة الغبار من عليها.
احد الأسئلة الجوهرية في هذه السطور: «هل بات الوعي المجتمعي العماني يدرك وبقوة وإرادة وتصميم أهمية المشاركة في مثل هذه الانتخابات؟
بحسب علماء الاجتماع فإن مصطلح الوعي المجتمعي يعني قدرة المواطن على التفاعل الإيجابي البناء والخلاق، والمصطلح كما تشير الموسوعات المعرفية يتكون من مركبين الوعي والاجتماع، أما الوعي فهو نتيجة للتفاعل بين انفسنا وعالمنا المادي المحيط بنا، فيما الاجتماع فهو السياقات المحيطة بالمواطنين، الجغرافية والزمانية، ولهذا يعرف الوعي الاجتماعي بانه مجموع الأفكار والنظريات والآراء والمشاعر الاجتماعية والعادات والتقاليد التي توجد لدى الناس، والتي تعكس واقعهم الموضوعي. يمكننا القطع بأن الوعي الاجتماعي العماني بأهمية انتخابات الشورى يدل على حالة تيقظ وإدراك لما يجب أن تكون عليه الأمور، الأمر الذي يمكن قراءته من خلال إعداد الذين سجلوا انفسهم تهيئة للتصويت، فخلال الأشهر التسعة الماضية شهد السجل الانتخابي تفاعلا وإقبالا جيدين في عملية تسجيل الناخبين في سائر ولايات السلطنة، في مؤشر على اهتمام المواطنين بانتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة، وكذلك لخاصية التسجيل الإلكتروني الذي تم استحداثه من قبل وزارة الداخلية لانتخابات هذه الفترة.
ما نقوله ليس مجرد قراءات مخملية، بل حقائق واقعية على الأرض العمانية الطيبة، فقد اكد عدد من أصحاب السعادة الولاة رؤساء لجان الانتخابات في الولايات أن الأرقام التي يتم رصدها في السجل الانتخابي هي أرقام إيجابية، وهي دلالة تشير إلى إقبال جيد ودليل على وعي وإدراك بأهمية هذا الاستحقاق الوطني، وتفاعل أبناء المجتمع رجالا ونساء مع هذه المرحلة التي تعد خطوة أساسية لابد منها لضمان ممارستهم حقهم الانتخابي يوم التصويت.
علامة استفهام ضرورية أخرى في هذا السياق: هل الوعي العام لدى الناخب العماني اليوم يقوده إلى إدراك مخاطر اللحظة الراهنة على صعيد الإقليم والعالم؟
الشاهد أن من ينظر بعين التدقيق والتحقيق إلى مآلات المنطقة والعالم، يدرك قدر سرعة وخطورة التغيرات والتطورات، ويدرك أيضا بما لا شك فيه، المخاطر المحدقة بالجميع، في ظل حالة عدم الاستقرار، والسيناريوهات العديدة المرشح بعضها للانفجار.
في هذا الإطار ومن جديد، تبقى مسألة قوة ومتانة وصلابة النسيج المجتمعي العماني، وتماسك أفراده ومؤسساته الوطنية والأهلية، على اختلاف الأسماء والوظائف، هي العاصم الحقيقي من العواصف والأنواء، وهي الدرع الواقي من الهجمات العولمية تلك التي اختصمت كثيرا جدا من ثبات الدولة الحديثة بمفهومها الويستفالي، أي استقلالها وذاتيتها، فلا احد يدافع عن الدولة إلا أبناءها، بإرادتهم وقوة رؤيتهم المعرفية لأوضاعهم وتطلعاتهم في عالم متغير ومتقلب جيواستراتيجيا وجيوبوليتيكيا.
يعن لنا أن نتساءل عن طبيعة الشورى العمانية، وهل هي مجرد نقل عن تجارب أخرى حول العالم أم أن لها صبغتها الخاصة، تلك التي تعطيها النكهة التي تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الإبداع والاتباع، فلا تضاد في المفاهيم المعرفية بالمرة، وإنما انساق يخلص منها المرء إلى ما يلاءم زمانه ومكانه.
الشاهد أن صاحب الجلالة السلطان قابوس، ومنذ بدايات النهضة المباركة، جذر في فكر مواطنيه ومحبيه فكر أن الحضارة لا تقوم بالاستعارة، وان دولة بقدر وحجم سلطنة عمان، عرفت في حقب تاريخية سابقة أمجادا حضارية، وخرجت برسالتها الإنسانية إلى ما وراء بحار عمان، فبلغت إفريقيا، وهناك روايات مؤكدة تؤكد أن البحارة العمانيين هم أول من عرف الطريق إلى سواحل أمريكا الشمالية، نقول إن دولة بقدر هذا الحجم الحضاري، لا يمكنها أن تستعير أية مشاهد أو تجارب من حضارات أخرى، ولهذا تم تأصيل كافة المشاريع العمانية لتكون في خاتمة المطاف نتاج طبيعي للتطور الاجتماعي الكبير الذي حدث في بيئة المجتمع العماني، التي تضم بداخلها مجموعة من التفاعلات الكبرى، كشفت عنها وسمت بها، وما هذه التفاعلات الكبرى في مجموعها إلا محصلة منطقية للتلاقي والتناغم الذي حدث بين شخصية القائد والطبيعة الحضارية معلنة للعمانيين بذلك ميلاد عمان الحديثة.
هل من علاقة بين الشورى وانتخاباتها وبين المستقبل وإبعاده الظاهرة والمستترة لا سيما في حاضرات أيامنا؟
يمكن القطع بأن الحاجة إلى نظام الشورى الذي اختاره الشعب العماني، باتت ركيزة أساسية ودعامة مركزية من دعامات صناعة مستقبل وطن عماني بازغ، يستند على ركائز استشرافية عديدة منها توسيع قاعدة المشاركة الشعبية والمجتمعية، ما يجعل الأهداف واضحة والآليات متاحة والبناء مستمر والعمل مستقر، من اجل الوصول في نهاية المشهد إلى تحقيق المصالح الاستراتيجية والكلية للوطن، من اجل النماء المستمر وبناء جبهة إنسانية عمانية حقيقية قادرة على القفز إلى العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين من دون خوف من التثاقف مع بقية المجتمعات، وبغير وجل أو خجل من التلاقي مع تجارب الأمم الديمقراطية الواعدة والصاعدة على حد سواء.
أجمل ما في الشورى العمانية في واقع الأمر أنها رؤية تبادلية، بين دولة تصون الحريات، وشعب يقدر قيمة وجسامة بل ومسؤولية مثل هذه الحريات، فالمواطن الذي يمضي إلى صناديق الاقتراع ليختار بحرية بكاملة وبضمير نقي وصالح مرشحه الذي سيتحدث على لسانه، يدرك أن هذه الحرية هي التي ستقود لاحقا مرشحه ليكون أمينا على شأن البلاد والعباد، ما يعني أن هناك ثمة عملية تبادلية مفترضة وتأسيسا منهجيا من المهم أن يبدأ بالتمحيص والتركيز على العناصر الإيجابية التي تخدم تجربة المستقبل قبل كل شيء آخر، بالبحث عن العقول التي تتقاطع مع المعرفة الإنسانية وتؤمن بدور الوعي الجديد في صناعة الغد الأفضل. لماذا يبدو مجلس الشورى في هذه الآونة حاجة واجبة الوجود كما تقول جماعة الفلاسفة؟ يمكن القطع بان المجتمعات المتقدمة في حاجة دائمة إلى حراك مجتمعي يستوعب التطورات الأممية، فهناك على سبيل المثال قضايا اجتماعية تظهر على السطح من وقت إلى آخر ومن بينها قضايا الشباب ومسألة إيجاد فرص عمل للشباب، إلى جانب قضايا الثقافة والإعلام، الأمر الذي يحتاج بالفعل إلى تعظيم الحوار المجتمعي، ذاك الذي ينشد الفائدة الكبرى لجموع المواطنين في الحال والاستقبال، الأمر الذي يجعل انتخابات الفترة التاسعة مخزونا للقيم في التشريع والممارسة لتحقيق قيم التحديث عبر مراحل متتالية مع الحفاظ على الخصوصية التاريخية والاجتماعية للواقع العماني والأخذ بأسلوب التطور التدريجي البعيد عن النظريات والثقافات والأطروحات التي لا تتناسب مع الثقافة الشورية العمانية.
من يحق له الترشح لتمثيل العمانيين في مثل هذا المجلس الموقر؟ حكما نحن لا نتحدث عن الأمور الإجرائية الاعتيادية مثل حسن السير والسلوك، المعرفة والقدرة على التدبير، الخلو من أية معوقات قانونية، إلى آخر تلك الشروط، بل نتحدث عن المحددات الرئيسية لعضو الشورى العماني، والتي تستوجب وعيا بالذات وإدراكا بالمسؤوليات، وهذه منظومة قائمة بذاتها فبدون أن يعرف العضو المقبل على المشاركة في المجلس ذاته وما يتوافر لديه من إمكانيات، ناهيك عن معرفته التامة بالمسؤوليات الملقاة على عاتقه، والإنجازات التي يتحتم عليه إدراكها لصالح أبناء وطنه، تضحى مهمته فاشلة مسبقا.
والثابت انه لابد لمن يريد أن يقبل على عضوية المجلس أن يكون صاحب مبادرات ذاتية، لا ينتظر أن تأتي إليه المشاكل والمعضلات من الشعب لحلها، بل يستبق هو برؤية مستقبلية قراءة الواقع ويدا بيد، مع أبناء الوطن يستطيع أن يحدد ملامح ومعالم الطريق الجديد والجيد للعمانيين، فنائب وعضو الشورى لا بد له أن يؤمن وعن حق أن طرح القضايا في حقيقته يبدأ من الذات وليس من الآخرين.
ما الذي يتبقى في هذه السطور؟
المؤكد هناك أمر حيوي منوط بالمثقفين والمفكرين وكذلك بوسائل الإعلام التقليدية منها أو الحديثة، فالجميع مدعو لأن يلعب دورا تثقيفيا وتوعويا بين أبناء الوطن من اجل ضمان مشاركة مجتمعية واسعة، تقود إلى خيارات صواب لخدمة الوطن في حاله، ورسم معالم مستقبله السعيد، فالوطن مودات وشراكة أحلام امس واليوم وغدا.