علاج فقدان الثقة

مصباح قطب –

متى بالضبط بدأت حالة عدم الرضا تتفشى في العالم وفي المجتمعات كلها ووسط كل الطبقات، ومهما كان مستوى المعيشة ، بل وتتفاقم بشدة كما نرى الآن ؟ هناك إجابات لا حصر لها من المفكرين الاقتصاديين والاجتماعيين الكبار ، وكتب ومراجع وبحوث بلا حصر، كلها تعالج هذه المسألة الشائكة ، وقد تزايدت محاولات الإجابة في الأعوام الأخيرة مع انفجار الشعبوية القومية وما تمثله من مخاوف ومخاطر على الديموقراطية وعلى الاقتصاد والرأسمالية ذاتها بل وعلى الدول بكليتها . لن أضيف إجابة جديدة ولكن سأنطلق مما عرضه « راغورام راجان» ، الأستاذ بجامعة شيكاغو، وكبير الاقتصاديين السابقين في صندوق النقد الدولي ، ورئيس البنك المركزي الهندي السابق ، في كتابه المثير « البعد الثالث» ، ويقصد به المجتمع وكيف أنه تم نسيانه في الحسابات الدولية الكبرى ، حيث يركز الساسة والاقتصاديون على بعدي الدولة والأسواق فقط ما أدى إلى شيوع الإحباط والقبح والفوضى والانهيار بحسب لغته هو.
في كتابه «البعد الثالث: كيف تخلت الأسواق والحكومات عن المجتمع»، يعتبر «راغورام راجان» أن نجاح الأنظمة الديمقراطية الرأسمالية في الفترة التي تلت ما بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية 1945 كان واضحا ومستقرا، لكن تراجع الإجماع عليها في الوقت الراهن، وظهرت الحركات الشعبوية كأحد أخطر ردود الأفعال حول إخفاق الرأسمالية وتدهور سمعتها لأسباب معروفة منها التباينات الشديدة في الدخل والثروة، الديون المفرطة ، الاحتكارات ، وإهمال البعد البيئي وشيوع الخوف من التهديد الذي يمثله في مجال فرص العمل ، لأغلبية من الناس ، التقدم التكنولوجي أو العلمي.
قال الخبير الهندي انه يعتبر العام 1970 م هو بداية سقوط الرأسمالية. وأرى انه قد يكون من الأنسب أن نحرك ذلك عاما واحدا إلى الأمام . لقد حدث في العالم التالي مباشرة أن قام الرئيس نيكسون بإلغاء قاعدة الذهب أي تحويل أي دولار مع أي فرد في أي مكان بالعالم إلى ذهب فورا بمعادلة معينة ، وفي تقديري فقد قوض هذا التصرف الثقة في العملات شيئا فشيئا وما زال يفعل فعله حتى هذه اللحظة ولذلك فإن العالم كله مشغول بكيفية خلق نظام نقدي جديد اكثر إنصافا من النظام الحالي الذي يهيمن عليه الدولار . إن قرار نيكسون هنا هو قرار دولة وحسابات أسواق وغابت عنه الحسابات المجتمعية والمستقبلية .
هذا فقدان ثقة على مستوى الدولة القائدة للنظام العالمي بعد الحرب الثانية وعلى المستوى الدولي كله ، لكن كيف فقد الناس الثقة في هذا النظام ووصلوا حاليا إلى ما يشبه الشك الكامل في كل ما هو عملة ورقية ومن هو سياسي أو رأسمالي ؟ ظني أن لحظة فقدان الثقة الأعمق ظهرت وتم زراعتها ورعايتها في الوقت الذي ظهرت فيه مارجريت تاتشر ببريطانيا ومعها الرئيس رونالد ريجان في أمريكا . تاتشر بالتحديد بدأت في انجلترا طريق التعليم الخاص والعلاج الطبي الخاص ، ومعهما خصخصة الأصول العامة بما جعل الأسواق سيدة الموقف على الشعب وليس العكس. صحيح تماما أن التعليم الخاص والعلاج الخاص في انجلترا نطاقهما ضيق إلى الآن لكن يبقى المعنى هو هو . لقد نظر الجمهور العام طوال الوقت إلى هاتين الخدمتين كأنهما واجب مقدس على الدولة النهوض بهما أو حتمية توجبها الطبيعة قبل أن يتكبدها أي نظام سياسي يميني أو يساري ، ومع بدء المساس بهذا المبدأ بدأت الثقة تتخلخل وعقلية الخوف تتفشى لأنه إذا كان الأعز قد أهين – وهما التعليم والصحة – فما الذي يضمن سلامة وحكمة التصرف في أمور أخرى؟

من مشاهداتي الشخصية كفرد عاش في قرية صغيرة شديدة الفقر بدلتا مصر أستطيع القول إن بدء عمل وحدات صحية في الريف على استحياء في العهد الليبرالي وبقوة مع العهد الناصري، ورغم محدودية حجم وكيف المعالجات الطبية، كان من أكبر محركات الرضا على الدولة بشكل فوق المسبوق ، خاصة وانه سبق تعميم الوحدات الصحية ناصريا ، بقليل بناء آلاف المدارس في القرى بعد أن كان من يطلب التعليم يسعى إليه عبر خوض مسافات تتجاوز 3 و 4 كيلو في كثير من الأوقات لبعد المدارس وكان ذلك أيضا نقلة عظمى في مستوى الرضاء والانتماء. وقد رأيت في القرى أن حس المواطنين بالناصرية وتفاعلهم مع جمال عبد الناصر كان يظهر بأوضح صورة في شكل الامتنان العميق الذي شعر به الفقراء تجاه تقديم خدمتي التعليم المجاني والعلاج المجاني. كانت الجماهير تشارك في الأحداث السياسية عبر تواصل مباشر مع عبد الناصر على طريقتها إذ لم يكن العمل من خلال التنظيم السياسي القائم وهو الاتحاد الاشتراكي العربي يشدها إلا فيما قل بل وكثيرا ما كان الناس يتجنبون أولئك النافذين في الحزب ويرونهم رجال سلطة لا رجال عمل شعبي تطوعي . وبقدر ما كانت القدرات العلاجية محدودة في المدن والقرى فقد جعلت مجانية العلاج ومجانية التعليم المواطنين يشعرون بأمل بلا حدود في المستقبل وعدم خوف من المقبل لم يعهدوه في حياتهم خاصة وأن الدولة اتبعت وقتها سياسة التوظيف الكامل للخريجين ( وعليها انتقادات قوية حتى الآن لكن عيوبها في ظني لم تظهر إلا بعد 1973) . فيما عدا هذا فقد كان
الناس ينظرون إلى الفقر أو أي مأساة تحل بهم وكانها قدر وأنها مشكلتهم ومشكلة أهلهم وجيرانهم وليس الدولة ، أو بمعنى آخر لم يحزنهم أو يستفزهم غياب الدولة عنهم في أحداث كتلك مهما كانت جسيمة. لم يكن أحد يشغل باله كثيرا بقضايا التوزيع والثروة والضرائب والقرار السياسي والأوليات والبدائل، وعندهم انه طالما أن التعليم والصحة مجانا فإن كل شيء يهون. لم يقدر أحد في الدوائر المركزية سواء دوائر الدولة أو أهل السوق والى الآن معنى أن يجلس ابن الغني وابن الفقير على مائدة واحدة بالفصل الدراسي ، أو أن يجلسا متجاورين في مستشفى عام، ولا اعتقد أن من الممكن في القريب العاجل أن تتم العودة إلى ذلك ، فقد تعقدت الأوضاع بإنشاء الكمبواندات التعليمية ( كالمدارس الدولية وغيرها ) والصحية ، الخاصة ، ولم يعد من السهل العودة إلى المربع الصحيح.
ثمة نقطة أخرى يلمسها العاملون في الميديا بشكل أخص وهي مظاهر وانعكاسات عناية الدولة بالأسواق دون النظر إلى المجتمع. نشارك يوميا كصحفيين في مؤتمرات تنظمها منظمات رجال وسيدات الأعمال ويحضرها وزراء ورؤساء هيئات معنية ورؤساء الحكومات أحيانا، ونرى كيف تسير فيها المناقشات. كثيرا ما كانت أسأل نفسي وأين هي مؤتمرات منظمات الفلاحين والعمال والصيادين والحرفيين والتجار الصغار التي يحضرها الوزراء الخ ؟ ويحدث كثيرا أن تتم مؤتمرات منظمات الأعمال على منوال واحد مع تغير الجمعيات فمثلا تناقش جمعية كذا مشاكل المستثمرين مع الضرائب وبحضور الوزير وبعدها بأيام تناقش جمعية كيت وهي مكونة من نفس نوعية رجال الأعمال ( كثيرا أيضا ما يكون رجل الأعمال الواحد في أكثر من منظمة ) وتناقش نفس الموضوع . وقد أدت الأوقات الطويلة التي يقضيها الوزراء في هذه الانشغالات – ولا أقلل من أهميتها – لو تمت بسياسة واضحة للحوار العام لتجويد السياسات والقرارات – ، أدت إلى أن أقترح وأكرر الاقتراح بأن يكون هناك وزير في صلب مجلس الوزراء مهمته الاتصال ويكن بدرجة نائب رئيس وزراء ومهمته الوحيدة أن يشارك في كل المؤتمرات والندوات وورش العمل المهمة وينقل إلى الوزير المختص أو مجلس الوزراء أو كليهما أهم النقاط التي أثيرت ومقترحات الحلول التي قدمها الحاضرون ويمكن له أن يضيف بعض الملاحظات ( فعلت ذلك في فترة عملي كمستشار لوزير المالية ). وهناك ما هو أبعد في علاقة السياسيين وأهل الأسواق بالمجتمع وقد فهمتها على نحو خاص وبالوضوح الواجب من الدكتور احمد جلال أستاذ الاقتصاد ووزير المالية المصري الأسبق ألا وهو أن القرار الاقتصادي يجب أن يندمج مع القرار الاجتماعي في نفس اللحظة، أي انه يرفض ما يسمى نظرية التساقط أي اتخاذ قرار اقتصادي خاص بالأسواق ورجال الأعمال ثم انتظار أن تسقط آثار النمو أو ذلك القرار على المواطنين لاحقا .
وعلى سبيل المثال لو كانت الدولة بصدد أن تقرر إقامة مصنع جديد لتجميع السيارات الكهربائية فعليها أن تفكر أولا في الموقع الأمثل من جهة ارتفاع الفقر فيه وضعف التنمية وزيادة البطالة جنبا إلى جنب مع عوامل أخرى بالطبع ، وأن تفكر في نوع الحوافز التي ستقدمها ويجب أن يكون في مقدمتها تحمل جانب من تكلفة التأمين الصحي والاجتماعي على العاملين لتشجيع المصنع على تقديم تلك الخدمة للعمالة من أهل الموقع الذين قلت انهم فقراء وبحاجة إلى خدمات كثيرة، وان تفكر أيضا في ترقية نوع التعليم الموجود في المكان لكي تقود الصناعة التي سيتم توطينها في الموقع إلى مزيد من التطور في المكان والبشر وهكذا.
القلق السائد في كل الأوساط في العالم والذعر المستديم من له مسببات كثيرة ، وهناك مقترحات للخروج منه بلا عدد أيضا كما أشرت ، بيد أن اعتقادي أن الثقة بين طبقات المجتمع وبين الدولة والمجتمع وبين الأخير وأهل الأسواق ستعود إلى وضع ما بعد الحرب العالمية الثانية ، بمراعاة ما قلته عن خدمتي التعليم والصحة والله المستعان .