وتر : كائن متشرّط ومتورّط

شريفة بنت علي التوبية –

ترى كيف تُقرأ الكُتب، كيف من يعشق هذه الكائنات أن يقترب منها؟ ربما يبدو السؤال ساذجًا ليقول لي أحدهم أن الكتب تُقرأ بطريقة واحدة، وهو أن تتناول كتابًا وتبدأ بتصفحه، وقد تخطّ على بعض سطوره، لتعود إليها في وقت لاحق، ولكن كيف بمن به مس من عشق لهذه الكائنات، أن يتصفحها بلا أي خصوصية تجمع بين العاشق والمعشوق؟
في علاقتي الطويلة بالكُتب، اكتشفت أن الكُتب لا تشبه بعضها، فكل كتاب هو دُنيا بحد ذاته، ولا تقرأ الكُتب لعيون كتّابها بل لذاتها إلا في حالات خاصة، كما أن هناك كُتب لا تُنسى، بل تسكن قارئها، وكُتب لا تُقرأ مرةً واحدةً بل مرتين وثلاثًا وربما أكثر، وكُتب لا تُقرأ دفعة واحدة بل تتناولها كما تتناول قطعة حلوى شهية، تحرص على تناولها قطعة قطعة، تتذوقها حتى تمتلأ بها كل حواسك، تأخذ منها وتحتفظ بما تبقى منها لتعود إليها في وقت لاحق، وبعض الكُتب مغرية وجاذبة وآسرة، تنجذب إليها، فلا تستطيع أن ترفع عينك عنها، كتب تقدم لك من الإغراءات وعوامل الجذب ما يجعلك أسيرًا لها، فلا تسمح لك بتركها إلا وأنت في صفحة غلافها الأخير؛ لأن كاتبها دس فيها من السحر ما يجعلك أشبه بالمسحور وأنت تسير في عوالمها، حالمًا مبتعدًا بها ومعها عن عالمك الحقيقي، وحينما تستيقظ تكون لديك حالة رفض لواقعك المتأزم، وتكون قد أصبت بتصلب في فقرات الرقبة وانحناء في الظهر وزغللة في العينين، فتحتاج إلى جلسة علاج طبيعي لمخيلتك وجسدك، فتلعن الرواية وكاتبها وبائعها، وأنت تجد نفسك مجبرًا على العودة إلى واقع غريب عنك، وعالم مهزوم لا يشبه عالمك الخيالي المنتصر. وهناك كُتب تملى عليك شروطها لتفهم الحياة من وجهة نظر كاتبها شئت ذلك أم أبيت، تربطك بالواقع، تقنعك بالحجة وراء الحجة كي تصدّقها، تنسف كل ما كنت تفكر وتؤمن به، وهنا عليك أن تكون حذرًا حتى (لا تسرقك السكينة) كما يقال، وعليك أن تعيد تشغيل عقلك بطريقة صحيحة حتى لا تتورط، ومثل هذه الكتب أيضًا لا تقرأ دفعة واحدة ولا على نفس واحد؛ لأنها قاطعة للنفس، ككتب الفلسفة والنقد. وقد لا يدرك السطور السابقة سوى من يعيش مثل هذه العلاقة، التي أصبح بفضلها كائن حسّاس، لا يشبه الكائن الذي كان عليه من قبل، إنه كائن متشرّط ومتورط، ولا يمكن له أن يقبل بأي فكرة شاردة وواردة.