الهوية الوطنية أمام تحديات العصر

تثير قضية الهوية وجدلها الكثير من الإشكاليات في العالم المعاصر ما بين محاولات الشعوب الحفاظ على تراثها وقيمها وفي الوقت نفسه الأثر الثقافي العالمي الذي يكاد يسيطر بقوة اليوم في ظل متغيرات الثورة التقنية الكبيرة التي غطت وجه الكرة الأرضية عبر الشبكات الافتراضية والإنترنت والحواسيب البرمجية، بحيث أن عملية الاستعداد النفسي عند الشعوب والتعايش مع الميراث أو الجديد باتت مسألة معقدة يصعب الوصول إلى نتائج واضحة بشأنها.
بيد أن ذلك لا يعني أن مسائل الهوية الوطنية قد انتهت أو أصبحت أثرا من الماضي، بل على العكس ففي ظل العولمة الكونية وابتداء من عام 2008 فيما يعرف بحقبة «ما بعد العولمة» أو «تفكيك العولمة» إثر أزمة العقارات في الولايات المتحدة، اتجه العالم إلى مراجعات ربما بدأت من المنحى الاقتصادي لكنها وصلت إلى كل المسارات الثقافية والفكرية والسياسية وغيرها، وترتبت عنها أحداث واضحة وملموسة في العالم بشكل عام، وفي المنطقة العربية رأينا أثر حقبة تفكيك العولمة فيما يعرف بالربيع العربي الذي فكك بنية الجيوسياسية التقليدية للعديد من البلدان العربية، في تحرك لم يعرف نتائجه النهائية إلى اللحظة.
هذا يقود إلى أن التساؤلات حول الهوية كالتي تثيرها الندوات والمؤتمرات وآخرها الملتقى الثقافي «الهوية الوطنية العمانية» الذي أقامه مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، تثير هذه الأنشطة الفكرية استفهامات حول التعامل المعاصر مع مثل هذه القضية التي باتت أشد تعقيدا في ظل الأوضاع والتحديات التي تمت الإشارة إليها سابقا، إذ أن الاستمرار في تعميق المعاني الوطنية يظل قائما لكنه يقف بمقابل العديد من الجسور والتحديات التي تشكلها جملة العوامل المتعلقة بالعصر الإنساني الجديد والتسارع الذي يشتغل به عالمنا اليوم في كل القطاعات تقريبا.
من الضروري هنا الإشارة إلى أن مسألة الهوية ذات بعدين، أول يتعلق بالتراث والتاريخ والماضي في محصلة المكتسبات التي منها ما يتعلق بالجانب الأخلاقي والتقاليد ومنها ما يتعلق بالإطار الحركي للتاريخ وأحداثه التي يجب أن يعاد فهمها وفق جدليات الوقائع وليس إطارها الخطي، ليمكن الاستفادة منها في دعم المستقبل بشكل إيجابي.
أما البعد الثاني فهو المعاصرة التي تقف في مقابل الأصالة، وهنا يكون الحديث عن القيم الإنسانية الجديدة وتجربة الحداثة الأوروبية والغربية عامة، التي اكتسحت العالم، وكيف بالإمكان الموازنة بين الطرفين، وهو ما نجحت السلطنة فيه بشكل ملموس من خلال مشروع النهضة العمانية الحديثة ذات الإطار الفلسفي والمعرفي الذي يقوم على هذا التوازن المرئي والمتجسد على كافة المستويات.
إن مشروع الدولة العمانية الحديثة التي بدأت في عام 1970 يشكل ملخصا رائعا لمفهوم الهوية الوطنية العمانية في أبرز تجلياتها الحديثة المتقاطعة مع صورة الزمن والعصر والتماهي مع معطيات الحضارة الإنسانية الجديدة، وهي ليست حضارة كاملة المعطيات إذ يجب الأخذ منها بما يناسب التجربة المحلية ويوافق القيم المتوارثة ونفي ما سواها في إطار غربلة موضوعية ومعرفية وأخلاقية.
وفي الخلاصة يبقى الرهان المركزي على الإنسان فهو مفتاح الهوية أيا كانت.. الذي يمنحها التأطير والانفتاح بالوعي الأصيل الذي يشرئب لمعانقة روح العصر بكل أريحية ولكن بوعي تام.