قوارب المسرحيين في عمان بين أمواج الهزلية ومراسي الرسالة الهادفة

مع تعدد الفرق المسرحية وانتشار العروض في ربوع السلطنة –

استطلاع : عامر بن عبدالله الأنصاري –

تشهد السلطنة حراكًا متواصلًا في مسيرة المسرح، ولا تكاد تخلو ولاية من فرقة مسرحية ومهتمين بالمسرح ومحبين له، حتى صعد هذا الحراك المسرحي إلى خشبات المسارح الخليجية والعربية بل والعالمية، عائدين أبطاله بالإنجازات المشرفة التي تثبت أن الساحة المسرحية في السلطنة بخير وتبشر بمستقبل واعد، ورغم قلة المسارح والشكاوى المتواصلة من قلة دعم أبي الفنون.
وكثيرًا ما نسمع من المهتمين بالحراك المسرحي، أن المسرح مساهم في تحضر الشعوب من خلال بث الرسائل الهادفة وطرح الموضوعات الاجتماعية وغيرها من المبررات حول الاهتمام بالمسرح، إلا أن الجانب الترفيهي عمود أساسي من أهداف المسرح، فالترويح عن النفس والضحك والتسلية والاستمتاع ضرورة من ضروريات الحياة التي تساهم في كسر حاجز الجمود والخروج من مصاعب الحياة، رغم أن القواعد الأساسية للمسرح الكوميدي تختلف أو لا تتضح عند البعض، فنرى أعمالًا لا ترقى لأبسط معايير المسرح بحجة أن العمل كوميدي.
والسؤال الذي يطرح نفسه، أيهما يطغى على الآخر في جملة المسرحيات التي يقدمها أبناء السلطنة، وهل المسرحيات الهادفة وصلت بأهدافها إلى الجمهور، وهل المسرحيات الكوميدية الترفيهية هي الطاغية وتنال نصيبًا من حب الجمهور، وهل المسرحيات الكوميدية تتخللها رسائل إيجابية مبطنة، أم رمزيات يفهمها الناضجون لأحداث لا أخلاقية قد تدخل بالعمل إلى المحظور والممنوع والهزلية والابتذال؟
كل تلك الأسئلة وغيرها نطرحها على عدد من المسرحين والمهتمين بالمسرح، لنتعرف على إجاباتهم وآرائهم.

صناعة الكوميديا

بداية تحدثت لـ«عمان الثقافي» الفنانة القديرة سميرة الوهيبية، قائلة: «بالنسبة للمسرح، أرى أن السلطنة تشهد نشاطا في الحركة المسرحية، خاصة في الأعياد، فنرى الكثير من العروض المسرحية الكوميدية الجماهيرية تملأ المحافظات والولايات، ولكن لا أرى أن تلك الأعمال قد وصلت إلى مرحلة فيها نضج مسرحي، ولم تحظَ تلك العروض بدراسة كافية وممنهجة لتقديم عمل متكامل، عملٍ ذي أسس مسرحية تبنى عليها تلك العروض، ولا أتكلم فقط عن المسرح الكوميدي الجماهيري، يجب أن يكون أي عمل مسرحي عملًا مبنيًا على أسس مسرحية حقيقية، وما نشهده اليوم وللأسف في كثير من تلك المسرحيات أنها تعتمد على الارتجال وعلى كوميديا اللحظة والحركة غير الصحيحة، وهذه من أبسط الأمور المنتشرة، وقس على بقية الأمور».
وتابعت: «العمل الكوميدي الجماهيري إذا أردتُ أن أقدمه شخصيًا، فإنني سأعمل على تقديمه وفق خط مسرحي حقيقي، بداية من النص الذي يجب أن يكون ذا بناء حقيقي وصحيح، بحيث نُضحك الجمهور وفي نفس الوقت يحمل أهدافًا اجتماعيةً متعددةً ويعالج قضايا اجتماعية، ومن الأمور التي تساهم في إخراج عمل مسرحي بهذه الصورة وجود الدعم للمسرح، وللأسف أن غياب الدعم هو السبب في ظهور المسرح المبتذل، وهو السبب في إنشاء جيل يقحم نفسه بالمسرح وهو بعيد عنه بتاتا، المسرح يجب أن يربي الأجيال، ومن أهدافه الأساسية بناء مجتمع واع يخلو من المشكلات بشتى أنواعها».
ومما قالته لـ«عمان الثقافي»: «من خلال مروري على بعض المحافظات أرى أنها زاخرة بالمواهب الشابة وفي مجالات متعددة، الرسم، النحت، الديكور، التمثيل، والغناء وغيرها من المجالات، والمسرح أبو الفنون، كل هؤلاء لَبِنَاتٍ لبناء مسرح حقيقي، ولكن من يهتم بهم؟ عدم وجود الاهتمام والدعم سبب في تفريغ هذه الطاقات بطرق غير صحيحة، فلا نستغرب من ظهور المسرح المبتذل، لذلك يجب احتضان هذه المواهب وبناء قدراتها وصقلها وتوجيهها التوجيه الصحيح».
واختتمت الفنانة سميرة حديثها بقولها: «المسرح الجماهيري لا أرى أنه حقق أهدافه، رأيت عروضا مسرحية قليلة جدًا في السلطنة التي حققت أهدافها، وتم الصرف عليها بمجهودات الفرقة، غياب الدعم والرعاية هو سبب غياب الثقافة المسرحية وظهور جيل يعتقد أن المسرح الجماهيري هو ما يعتمد فقط على ضحك الجمهور، وهذا مفهوم غير صحيح، المسرح لا يعني كسب ضحكة رخيصة، إنما عمل محكم وراقٍ يساهم في بناء المجتمع».
حراك مسرحي

وشاركنا الحديث المخرج المسرحي والدرامي يوسف البلوشي، وبدأ حديثه بقوله: «أولا نقول ولله الحمد أن هناك حراكًا مسرحيًا كبيرًا في السلطنة، وهو الحراك الأكبر من وجهة نظري مقارنة ببقية الفنون الأدبية الأخرى مثل الغناء والفنون الشعبية وغيرها؛ لأن المسرحيين ربما يعتمدون على ذاتهم التي تعشق المسرح، وينتجون أعمالهم وفق إمكانياتهم المتاحة ويعملون على البروفات في البيوت أو المدارس أو الساحات العامة في ظل قلة المسارح بالسلطنة، بعكس السينما والدراما المهضوم حقهما واللذين لا يستغنيان عن الدعم، فبدونه لا تقام الأعمال السينمائية والدرامية، وكذلك المسرح يحتاج إلى دعم ولكن المسرح يقوم على بعض الإمكانيات الأساسية، والمسرحيون يعملون من أجل إشباع شغفهم وتقديم أعمال تليق بالسلطنة على المستوى المحلي والدولي، وعلى سبيل المثال فرقة مسرح مزون، لا تمتلك مقرًا لها وتعمل وفق إمكانيات، وحقيقة في الفترة الأخيرة استأجرنا مزرعة لعمل البروفات، وبالتالي أقول إن المسرح العماني يمتلك إمكانيات وطاقات كبيرة ولكن بلا دعم، مقدمة حديثي هذا مدخل للموضوع الذي نتحدث عنه، وهو المسرح العماني بين الهزلية والرسالة الهادفة، طرح هذا الموضوع لم يأتِ اعتباطًا، إنما لوجود هذين النوعين من المسارح في عمان، وهناك من الأعمال المسرحية والتي يقود دفتها الشباب العماني أرى أنها لا ترتقي إلى أن تُقدم، إلا إسفافًا، ونكات مبطنة لا أخلاقية، ورمزيات سوقية، وإن كان كل ذلك في صورة غير مباشرة، إلا أن التلميح يكفي ليضع العمل في إطار الابتذال والإسفاف والرديئة، وبالمقابل هناك أعمال مشرفة وكثيرة وحققت جوائز على المستوى المحلي والخليجي والعربي بل وحتى العالمي، هذا التفاوت الشاسع يرجع إلى غياب المحكم وغياب التنظيم والتقنين، وزارة التراث والثقافة تبذل جهودًا كبيرةً في الارتقاء بالمسرح ورعايته وتنظيمه، ولكن للكثرة آثارًا إيجابيةً وأخرى سلبية، حيث أصبحت في كل المناطق وأغلب الأندية والجامعات والمدارس والفرق الأهلية وغيرها، أصبحت لكل هؤلاء فرق مسرحية، والجانب الإيجابي أن تعدد تلك الفرق دليل اهتمام بالحراك المسرحي، أما الجانب السلبي أن الكثرة تؤدي إلى غياب التنظيم، وغياب الرقابة، وغياب متابعة النصوص وإيجازها ومحاسبة الإخلال بها، لذلك سنجد أن هناك إسفافا وابتذالا وأعمالا مسرحية لا ترقى أن توصف بأنها أعمال مسرحية، تعتمد على فكاهة اللحظة والارتجال وغياب النص وغياب الهدف وغير ذلك، وهذا التأثير سلبي جدًا ويؤثر على سمعة الحراك المسرحي بالسلطنة، بعض الأعمال التي أحضرها يؤسفني أن أقول إنها خادشة للحياء، لذلك إن أردنا أن يكون الحراك المسرحي صحيحًا، ويسير وفق معايير ثابتة، علينا أولًا عدم التفريط في الطاقات الشابة المحبة للمسرح مهما كان تقديمهم السابق، والعمل على إنشاء مظلة واحدة تجمع كل محبي المسرح وتجمع شتات الفرق المسرحية الرسمية وغير الرسمية، وأن يكون هناك جدول ثابت وندوات وجلسات وورش لتعزيز ثقافة المسرح في السلطنة، وحتى لا نطرح مستقبلًا السؤال أين المسرح العماني بين الهزلية والرسالة الهادفة؟».
وتابع: «لا أعني بكلامي أنني ضد المسرح الكوميدي، بالعكس، فالمسرح الكوميدي من أصعب المدارس المسرحية والتي لها أهداف كثيرة منها الترفيه عن النفس، وهذا مطلب مهم، وكذلك النقد الساخر لظاهرة اجتماعية يراد منها معالجة بعض القضايا، وهناك رسائل إيجابية غير مباشرة تتسلل للمتلقي بروح مرحة، المسرح الكوميدي يختلف اختلافًا جذريًا عن المسرح المبتذل».
واختتم البلوشي متحدثًا عن الجمهور قائلا: «بعض تلك العروض التي بها من الإسفاف قد تشهد حضورًا جماهيريًا ليس بقليل، ولكن هذا ليس دليل نجاح، فالجمهور يبحث عن الضحك والترفيه، وقد يضحك من تلك المسرحيات المبتذلة، ولكن هل من الممكن أن يصطحب معه أهله مثلا، أو أبناءه، الجمهور من حقه اختيار المسرح الكوميدي، ولكن للمسرح الكوميدي وغيره محاذير وخطوطا حمراء، وهنا تكمن صعوبة العمل المسرحي وتظهر نتائج الاشتغال الحقيقي، من أداء الممثل، والنص المسرحي، والإخراج، والصوتيات، والسينوغرافيا بشكل عام، وأخيرًا أتمنى أن تكون هناك هيئة تجمع المسرح والدراما والسينما، الأجيال القادمة ستحاسبنا وتلومنا».

عروض متذبذبة

بينما قال الفنان المسرحي والدرامي رامي المشيخي: «في بداية الأمر العروض الكوميدية الجماهيرية في السلطنة تشهد تذبذبًا ملحوظًا في السنوات القليلة الماضية، وعلى الجانب الآخر نرى العروض التراجيدية أو النخبوية تتطور بشكل أفضل بكثير، وتحقق أرقامًا مميزةً على المستوى الخليجي والإقليمي، وقد يكون هذا التفاوت بسبب المشتغلين على تلك العروض، ففي العروض الكوميدية نجد أن الاشتغال عليها يبدأ بنص متواضع جدًا، يعتمد مخرج العرض فيه على أداء وإضافات الممثلين، وقد يتفوق في هذا فقط إذا كانت مدة الإعداد كافية لذلك، ولكن أن تعتمد على الممثلين ويكون الإعداد أقل من شهر فأنت لن تصل بعرضك للبعيد ولن يلامس الجمهور إلا في بعض القفشات المباشرة».
وأضاف: «النص المسرحي الكوميدي الحقيقي هو ما نفتقده في الحقيقة، في الماضي كنّا نضحك من قراءتنا للنص فقط، ناهيك عن بداية البروفات وتطورها وصولًا للعرض، أما الآن تقرأ النص ثلاث وأربع مرات تبحث عن نكتة أو موقف كوميدي فلا تجد».
واسترسل المشيخي بقوله: «أيضًا هناك مشكلة فيما يتعلق بصنع النجوم واستمراريتهم كنجوم شباك، فمن غير الطبيعي أن تعتمد على موسم مسرحي واحد فقط لتحافظ على جمهورك، فيجب على الفنان ومن يهتم بشؤونه سواء فرقة مسرحية أو غيره أن تجد له الأعمال المسرحية وغيرها ليبقى متواصلاً مع جمهوره، أما الحديث عن قلة الدعم فهي ليست العائق ولطالما كان المسرح الفن الوحيد الذي يحظى بأقل دعم ومع ذلك نجده يتسيّد المشهد الفني دائمًا».

آفاق التفكير

ووجهنا السؤال إلى المخرج المسرحي جلال اللواتي، وأجاب بقوله: «لعلي أرجع إلى عمق تساؤلك لأناقش حيثية مهمة جدًا، وهي: هل الغرض من المسرح إطلاق رسائل معينة وقيم وثوابت؟ وجوابي بأن المسرح فن جدلي يطرح أفكارًا وجدليات ويفتح آفاقًا للتفكير في قضايا مختلفة، أي أن المسرح وسيلة لطرح الأفكار الجدلية، وليس لطرح القيم والرسائل المبطنة والمخفية، ومن هذا المنطلق يجب أن تشمل العروض المسرحية على أفكار تمس الناس وتتأثر بها وتفكر فيها بل تفتح آفاقا للتفكير، أما ما لم يشمل ذلك من عروض هي لا تنتمي للمسرح في نظري ربما أحيلها للاستعراض أو الترفيه entertainment وهو شكل مشوه للمسرح، أما العروض العمانية فمثلها مثل كل العروض في الوطن العربي تتراوح بين المسرح والاستعراض والترفيه، المسرح من ناحية أخرى فن جماهيري لا يكتمل إلا بالجمهور، ولذلك فإن تقبل الجمهور للعرض المسرحي أمر مهم جدًا والتقبل لا يكون بالرضا فقط بل بالغضب أو السخط والممانعة أو بالتفكير، العرض الناجح في نظري هو الذي ينجح في كسب هذا التفاعل من الجمهور».