باحثون يؤكدون على أهمية غرس الهوية في الناشئة بالإقناع لا بالإلزام

ضمن الجلسة الحوارية لملتقى الهوية الوطنية العمانية –

تغطية – شذى البلوشية –

انطلقت صباح أمس فعاليات ملتقى الهوية الوطنية العمانية، والذي ينظمه مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وسط حضور كبير من مختلف الجهات من الباحثين والدارسين والمهتمين بالهوية الوطنية وأثرها المادي والمعنوي على الفرد والمجتمع.
تناول الملتقى جلسة حوارية أدارها الإعلامي سالم بن عبدالله الرحبي، استضاف فيها كلا من الدكتور عبدالله بن خميس الكندي عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس، والدكتور صالح بن راشد بن علي المعمري مستشار سابق بمركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم بديوان البلاط السلطاني، والدكتور محمود بن سليمان بن عبدالله الريامي أستاذ مساعد لقسم اللغة العربية وآدابها «كلية الآداب والعلوم الاجتماعية» بجامعة السلطان قابوس، والدكتور خميس بن ناصر بن سالم الفهدي مدير دائرة المطبوعات بالمراسم السلطانية.
تضمنت الجلسة الحوارية مجموعة من النقاط البارزة والمهمة في الهوية الوطنية، وتناول كل مشارك محورا، أثرى من خلاله الحضور بالمعلومات الغنية، انطلاقا بأهمية غرس الهوية الوطنية في الناشئة وصولا إلى انتشار الهوية لدى الفرد والمجتمع في مختلف جوانب الحياة، وارتباطها بوسائل التواصل الاجتماعي ودورها في تعزيزها.
انطلق حديث الدكتور عبدالله الكندي حول المؤسسات التعليمية ودورها في تعزيز القيم الوطنية، مركزا في حديثه حول ضرورة معرفة أن العملية التعليمية ليست مقتصرة على الكتاب أو المنهج، بل تتعداه إلى أكثر من ذلك، فالمنهج ليس إلا عنصرا واحدا فقط من عناصر غرس الهوية لدى الطالب، فالأمر متعلق أيضا بتطبيق الهوية والالتزام بها من قبل المعلم أو المحاضر، وضرورة تقديم الهوية خلال تدريسه، كما هو الحال بالنسبة للإدارات أيضا، وقال: «إن التأهيل المعرفي يعتبر بأهمية التأهيل الوظيفي».
وانتقل الحديث في الجلسة الحوارية إلى الدكتور صالح المعمري الذي ركز على أهمية غرس مفهوم الهوية الوطنية من خلال التربية فقال: «يجب ألا يكون غرس الهوية الوطنية محصورا على المؤسسات التعليمية، بل إن الأساس هو الأسرة والأداء الأكبر يجب أن يكون منها، وعليها أن تضع البذرة الأولى عن الهوية لدى الناشئة، حتى إذا خرج الابن للمؤسسة التعليمية الأولى يجد الأساس الذي يكمله تعليم المؤسسة التعليمية، لا أن يصطدم بها، وكذلك الحال لو خرج للمجتمع العام، قد يتصادم مع المجتمع إن لم يكن هناك أي أساس واضح منطلق من الأسرة».
وطرح المحاور سالم الرحبي سؤاله للدكتور محمود الريامي حول كيفية مساهمة الأسرة في غرس الهوية الوطنية لدى الطفل لا سيما مع ظهور المتغيرات الخارجية وظهور الإنترنت؟ فأجاب الريامي بقوله: «أي أسرة لا يمكن أن تقطع طفلها أو ناشئها عن العالم الخارجي، ولكن على الأسرة أن تجد بديلا آخر إن لم يكن جذريا فعلى الأقل يكون مصاحبا» وضرب على ذلك مثالا وهو أن يجد الطفل والده يتحدث عن نماذج وطنية يمكن أن تغرس في نفس الطفل ويركز على القيم الوطنية».
وفي جانب آخر حول الهوية انطلق الحوار إلى الجانب التقني الحديث، فتحدث الدكتور خميس الفهدي عن العلاقة بين الهوية الوطنية ووسائل التواصل الاجتماعي ودورها في تعزيز قيم الهوية الوطنية، مؤكدا في حديثه على تميز الهوية الوطنية العمانية التي بات لها سيط وانتشار واسع بين الشعوب، وهذا متشكل من خلال اهتمام السلطنة بالتراث والجانب المعنوي الذي يشكل جزءا من الهوية الوطنية.
وتحدث الدكتور محمود الريامي حول الخصائص التي يجب أن تتوافر في رسل الهوية عبر صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، والتي يأتي أهمها الوعي الاجتماعي بالهوية، ويأتي بعدها التمثل ثم يليه النشر. وحول خصائص الهوية العمانية قال الريامي: «إن الهوية العمانية تشكلت منذ مئات السنين، والعمانيون هم عرب حتى قبل ظهور الإسلام، وهو ما أسس لهم قاعدة للهوية العمانية منذ أمد بعيد، والشواهد الحضارية في أكثر من مكان أحد دلائل الهوية الوطنية العمانية، كما أن الهوية ليست مقتصرة على الأشكال المادية بل تتعداه إلى الأشكال المعنوية في الجوانب الثقافية والعلمية.
ووجه المحاور سؤاله للدكتور صالح المعمري الذي يستفهم فيه حول أثر التركيز على الهوية الوطنية بتراثها وحضارتها وعاداتها على الجيل الحالي، وهل يعتبر هذا تقييدا لحريته بينما يسعى هذا الجيل إلى فتح آفاق حرة بعيدة عن هذه القيم؟ فأجاب المعمري بقوله: «إن حاجة المجتمع أعمق وأكبر من حاجة الفرد في تعميق الهوية، وعلى المجتمع أن يعزز نفسه بالقيم»، واستحضر الدكتور مثالا على ذلك من خلال ما وجده قبل عدة سنوات في أحد مناهج التعليم في السلطنة، وهو احتواء الكتاب على 14 نصا أدبيا منها 9 نصوص لأدباء مصريين، فكيف للطالب أن يعتز بهويته من خلال منهج دراسته، وهو لا يجد أثر للهوية الوطنية بين دفتي كتابه الدراسي؟
ومع حديث الدكتور خميس الفهدي حول خطر وسائل التواصل الاجتماعي في العصر الحالي، وأن استخدامها يرتكز على مبادئ وقيم الشخص نفسه، إلا أن الدكتور عبدالله الكندي قدم ردا على هذا الحديث بقوله: «وسائل التواصل الاجتماعي ليست مؤامرة، وإنما هي فرصة يجب النظر إلى كيفية توظيفها، والحذر عند التعامل معها، ويجب توظيف العقل والتعليم فيها، والبدء في تقديم دعوات لإنتاج محتوى وتطويره، وهكذا يمكن أن نرفع مقدار المنتج العربي في شبكات التواصل الاجتماعي، ونغير المسار لدى الأبناء من مرحلة المتابعة إلى مرحلة الإنتاج».
وجوابا لمداخلات أحد الحضور حول تنكر الأبناء بعد مرحلة التعليم الأساسي التي تم تأسيس مفاهيم الهوية الوطنية فيها لمدة 12 عاما، قال الدكتور عبدالله الكندي: «هناك فعلا من يتنكر لبعض القيم ومكونات الهوية الوطنية، ولكن يبدو لي أن المشكلة ليست فيهم، وإن السبب يعود -من وجهة نظري- إلى أن التعليم للبعض كان إلزاميا، والتقيد بذلك أيضا هو إلزامي، ولم يكن اقتناعا، فالمقتنع لا يمكن أن يتغير»، وأضاف حول إجابة الحضور أيضا بأن الهوية ليست تعصبا، فالهوية تأتي أعلاها الهوية الوطنية ثم تأتي الأنواع الأخرى من الهوية، وهي كلها اقتناع وقيم يمكن أن تغرس حبا لا إكراها، أما الماضي فهو فقط منطلق الهوية ولكن الهوية ليست ماضوية، وإنما هي أعمق وأكبر.
وتداول المشاركون مجموعة ثرية من المداخلات التي وضحت توجهات فكرية جديدة حول الهوية الوطنية التي نهل من خلالها الحضور شيئا وإن كان وجيزا في جوانب القيمة العميقة للهوية الوطنية في المجتمعات، ولا سيما العمانية التي كان تركيز الملتقى حولها.
تجدر الإشارة إلى أن الملتقى يهدف إلى تدعيم وتعزيز ركائز الهوية الوطنية عبر هذه الملتقيات الثقافية وغيرها حفاظًا منه على الهوية الوطنية العمانية وحماية المورث الفكري، والتاريخي، ويعمل على تقوية وتمتين الترابط والقيم بين أفراد الوطن وتكاتفهم والتفافهم حول مجموعة المفاهيم المرتبطة بالهوية الوطنية في كل محفل.