نوافذ : الشّـمَـجْ..

أحمد بن سالم الفلاحي –
shialoom@gmail.com –

ينظر إلى علاقات النسب إلى أنها من أعقد العلاقات القائمة بين بني البشر، وهي وإن اختلفت ممارساتها بين شعب وآخر، خضوعا لقيم وعادات، وأعراف، إلا أنها لن تخرج عن مجموعة التعقيدات التي تعكسها الممارسة القائمة بين طرفي العلاقة، وهما أسرتا الزوجين، وذلك لأن كل طرف ينحاز إلى أحد الزوجين، فأسرة الزوج تنتصر دائما لابنها، مهما كانت الأسباب، وأسرة الزوجة تنتصر كذلك لابنتها، مهما كانت المبررات، وهذه الصورة موجودة في حالات الخلاف، وفي حالات الوفاق أيضا، فأسرة الزوج، يقولون دائما بيت فلان، وأولاد فلان، وتلغى؛ في المقابل الزوجة ككائن وجودي في هذه العلاقة، وكذلك الحال لأسرة الزوجة، بيت فلانة، وأولاد فلانة، ويلغى الزوج ككائن وجودي في هذه العلاقة، هذا بخلاف انقطاع العلاقة شبه نهائي بين أسرتي الزوجين، ويبقى الزوجان يلعبان لوحدهما في تنشيطها أو خفوتها، فالمواقف متصلبة إلى أبعد الحدود، حتى وإن تجذرت هذه العلاقة مع مرور الزمن، فإنه يتم تأجيج انفعالاتها عند أي نقطة خلاف، وكل «الحمولة الإنسانية» التي احتفل بها في بداية التأسيس تذهب أدراج الرياح.
ومن المستغرب في هذه العلاقة؛ أنه في بدايات التأسيس ترى ذلك الود التقارب المفعم بالود، وحتى إذا أخذت العلاقة دورتها المعتادة، وإلا ترى تلك المتاريس المنصوبة في الطريق الفاصلة بين بيتي الأسرتين «الأصل» وكل طرف يتحين الخطأ المرتكب من الطرف الآخر لتفعيل الخلاف، لا لتهدئته، بغض النظر عن حقيقة الخلاف الذي يقع، دون أدنى اعتبار لمجموعة المناخات الإنسانية التي صاحبت هذه السيرة؛ التي ينظر إليها؛ ولو من بعد، على أنها سيرة حسنة، ويجب أن تبقى حسنة. ونتيجة لذلك ألفت «أمثال» لا تذهب إلى التصالح، بقدر ما تذهب إلى تنغيص العلاقة بين الزوجين، ومن ذلك: «عند الخطبة اللسان رطبة» ففي هذه المرحلة؛ مرحلة الخطوبة، تصبح كل الطلبات مجابة، إلى حد بعيد، من قبل المتقدم لخطبة الفتاة، حيث إن هذا الخاطب وأسرته على استعداد لتلبية كل الطلبات التي تسعى إلى تحقيقها أسرة الفتاة دون أدنى معارضة، أما بعد أن تتم كل الاتفاقات حول موضوع الزواج، ويتم الزواج، ويتوغل الزوجات في عمق الحياة اليومية وبكل تداعياتها، لانعدام الحكمة عند كليهما، أو أحدهما، عندها تبدأ مجموعة الانتقادات تظهر على سطح العلاقة، عندها تظهر المواقف المتصلبة، ليس فقط عند هذين الكائنين القليلي الخبرة والتجربة، ولكن عند الـ «كبار» من أسرتيهما، حيث لا تنازل هنا، وقد يصل الأمر إلى عدم الرغبة في التصالح، ومن هنا يأتي التوجيه الرباني الكريم في قول الحق سبحانه وتعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها، إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما، إن الله كان عليما خبيرا) – النساء (35) – ومن الأمثال كذلك ما يضرب على طعم فاكهة السفرجل، وهي شجرة من الحمضيات، طعمها حلو مشوب بالمرارة بعد أكله، فيقال: «السفرجل كما الشمج» أي في الأول طيب، وفي الآخر غير ذلك، ويضاف إلى ذلك أيضا المثل: «الشمج ولا ولد العم»، ويذهب المثل؛ تجاوزا؛ إلى إن كانت هناك تضحية فالأولى أن يضحى بـ «الشمج» ولا بولد العم، فـ«الشمج» يمكن أن يتعوض عنه بآخر، أما ولد العم فلا، وهذه الصورة هي إحدى صور العنصرية القبلية أو الأسرية الممقوتة، في تجاذبات المفاهيم الاجتماعية السائدة.
جاء في معاجم اللغة أن كلمة «الشمج لها معان كثيرة من بينها؛ شمجت الدابة: أسرعت، وشمج في الأمر: استعجل، وشمج الشيء: خلطه بغيره» والمعنى الأخير هو الأقرب فيما تذهب إليه علاقات النسب، حيث تختلط الأنساب، والأسر، والقبائل، والبطون، والفروع، ومحصلة ذلك كله هو هذه اللحمة الاجتماعية التي أشار إليه قول الحق سبحانه وتعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير) – الحجرات (13).