«انتخابات الشورى».. وعي المواطن ركيزة أساسية لاختيار المرشحين

د. الطيب الصادق –

إعلان سلطنة عمان عن إجراء انتخابات مجلس الشورى لفترته التاسعة (2019 ـ 2023)، والمقرر لها 27 أكتوبر 2019 سيشكل مرحلة فاصلة في العمل البرلماني خصوصا بعد استحداث خاصية التسجيل الإلكتروني وتأكيد وزارة الداخلية بأن هذه الفترة ستشهد تعميم التصويت الإلكتروني في كافة مراكز الانتخاب، كما سيتم تدشين تطبيق التصويت عن بُعد للناخبين الموجودين خارج السلطنة على الهواتف الذكية والتي يستفيد منها عدد كبير من المواطنين داخل وخارج عُمان بجانب خدمة التسجيل الاعتيادي وكل هذا يأتي متزامنا مع حالة الترقب من المواطنين لهذا العرس الديمقراطي الذي يعتمد بالأساس علي الوعي الذي يعد الركيزة الرئيسية للاختيار السليم.

بلا شك أن سلطنة عمان حققت إنجازات كبيرة في مسيرة الممارسة الشورية على مدار الأربعة عقود الماضية وأصبح لدى المجتمع وعي كبير ومختلف تماما عن الماضي ومرت هذه المسيرة بمراحل مختلفة بدأت مطلع العقد الثاني من مسيرة النهضة المباركة التي قادها صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ــ حفظه الله ورعاه- مع تأسيس المجلس الاستشاري للدولة في عام ١٩٨١م وإنشاء مجلس الشورى في عام ١٩٩١م وكانت هذه الانطلاقة تمثل الشعلة الأولى التي أنارت الطريق لترسيخ دعائم الشورى الصحيحة في البلاد والتي تنبع من قيم الوطن وشريعته الإسلامية وتاريخه مع التطور والاستفادة من أساليب العصر وأدواته في إقامة نظام إداري سليم يكفل العدل والمساواة بين المواطنين ويعزز من الطمأنينة ويحافظ على النظام العام ويرعي في الوقت ذاته المصالح العليا للبلاد ويحقق الاستقرار والتنمية.
ومن المعروف أن المجلس الجديد بدأ عام ١٩٩١ بديلا عن المجلس الاستشاري القديم ــ الذي تم إنشاؤه في عام ١٩٨١- ووفقا للمراسيم السلطانية تم تشكيل المجلس الجديد من ٨٤ عضوا يمثلون جميع الولايات بالسلطنة من خلال انتخابات عامة تتم كل أربعة أعوام ويتم انتخاب اثنين من المرشحين في الولايات التي يصل عدد سكانها ٣٠ ألف نسمة أو أكثر وانتخاب مرشح واحد في الولايات التي يقل عدد سكانها عن ٣٠ ألف نسمة، كما تلي هذه المرحلة في الممارسة الشورية مرحلة أخرى في عام ١٩٩٦ عندما صدر مرسوم سلطاني ينص على تطوير التجربة البرلمانية العمانية وقضى بأن يكون المجلس التشريعي الأعلى في البلاد هو مجلس عمان المكون من مجلس الشورى ومجلس الدولة يقوم السلطان بتعيين أعضائه الـ ٥٧ من أصحاب الكفاءات والخبرة في البلاد في عدد كبير من المجالات المختلفة وبذلك يعمل المجلس بشقيه الانتخابي والتعيين على خدمة البلاد ونهضته ونستطيع أن نلتمس هذا التطور سواء على مستوى الصلاحيات بعد التعديلات التي أجراها السلطان قابوس بن سعيد في عام 2011 وإعطاء المجلس صلاحيات تشريعية ورقابية، أو على مستوى المشاركة السياسية وتزايد أعداد من لهم حق الانتخاب والذين وصلوا إلى 611 ألف ناخب، أو سواء على مستوى دوره في إعداد القوانين والتشريعات والتعاون مع مجلس الدولة، أو على مستوى تطور البرامج ونظام الانتخابات، حيث أصبح التصويت الإلكتروني متاحا في الانتخابات عن طريق شاشات اللمس ولذلك تعد انتخابات أعضاء مجلس الشورى للفترة التاسعة استكمالا للمسيرة التي انطلقت دون توقف منذ السبعينات إلى أن تطورت الآن لتصل السلطنة إلى نظام شورى قوي راهن عليه الشعب لتحقيق أهداف ومصالح البلاد العليا وتمثل هذه الانتخابات تجسيدا حيا للقيم والخصوصية في التسريع والممارسة الديمقراطية في العمل البرلماني لتوسيع عملية المشاركة السياسية والتي تضمن تحقيق التحديث والتطوير مع الاحتفاظ بالقيم والمبادئ التاريخية والموروث الثقافي الذي يتميز بالأصالة، وكانت السلطنة قد بدأت سلسلة الإجراءات التنظيمية استعدادا للفترة التاسعة منذ بدء القيد في السجل الانتخابي في نوفمبر 2018، واستقبال طلبات الترشح الإلكتروني في فبراير 2019 وصدور القرار الذي حدد قواعد ووسائل الدعاية الانتخابية واعتماد البرامج الإلكترونية التي سيتم استخدامها في الانتخابات وتحديد عدد ممثلي الولايات في تلك الفترة بزيادة عضو لولاية لوى ليصبح العدد 86 مقعدا.
وعلى المواطن أن يدرك أن المجلس يتمتع بالشخصية الاعتبارية، والاستقلال المالي والإداري، وتوسعت الصلاحيات التشريعية والرقابية له مما جعل المجلس يمثل المواطنين في القضايا الاقتصادية والاجتماعية، والنهوض بالحياة البرلمانية ويعقد المجلس أربع دورات اعتيادية سنويا خلال أشهر يناير ومارس ومايو وأكتوبر من كل عام ويجوز لرئيس المجلس أن يدعو إلى عقد دورة استثنائية إذا اقتضت الضرورة ذلك ووفقا للمادتين 28 و29 من نظام مجلسي الدولة والشورى الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 86/‏‏97، ويتمتع المجلس أيضا بصلاحيات عديدة وعلى جانب كبير من الأهمية تنمويا واجتماعيا حيث يقوم مجلس الشورى ــ بمساعدة الحكومة في كل ما يهم المجتمع العماني ويقدم لها ما يراه كفيلا بدعم مقوماته الأساسية ــ وقيمه الأصيلة، ويمكننا التأكيد بأن السلطنة سبقت الدول الخليجية في هذا المجال كما قررت السلطنة في أغسطس ١٩٩٤ فتح باب الترشح للمرأة وبذلك أصبحت السلطنة أول دولة خليجية تمنح المرأة حق المشاركة الانتخابية سواء بالتصويت أو بالترشح وهو ما يؤكد على أهميتها.

ومن المؤكد أن وعي الناخبين سيكون الفيصل في حسم هذه الانتخابات واختيار الأصلح والأكفأ خصوصا أن الموطن أصبح أكثر اطلاعا وثقافة انتخابية ولديه وعي يجعله قادرا على التمييز بين المرشحين فضلا عن مروره بالتجارب المختلفة واطلاعه على البرامج الانتخابية لذلك يتحمل المواطنون مسؤولية كبيرة في اختيار من يمثله في مجلس الشورى، كما أنه أصبح الناخب على دراية كاملة بكافة جوانب العملية الانتخابية ودور المجلس ولذلك يجب على المرشحين أن يدركوا أن الناخب يمتلك هذا الوعي الذي يتطلب أن يقدم له برنامجا متكاملا ومقنعا موضحا به كافة الخدمات المقدمة بالتفصيل وما يُمكن أن يُسهم بترشحه في الارتقاء بالخدمات المقدمة للمواطنين وهو يعزز من ثقة الناخبين بالمرشحين لأن المواطن سيقوم بانتخاب المرشح والمرشحة على أساس الجدارة والكفاءة فيما يُحقِّق الصالح العام، بغض النظر عن أيّ اعتبارات شخصية.
وفي النهاية أتوقع أن تحظى الدورة التاسعة من انتخابات مجلس الشورى العماني بإقبال كبير خصوصا من جانب المرأة التي ازدادت عملية الوعي لديها وحصلت على كافة حقوقها الانتخابية، فضلا عن دور جمعيات المرأة في زيادة هذا الوعي والدور الإيجابي للإعلام في هذه الانتخابات كما أن السلطنة استفادت بالتكنولوجيا الحديثة وتوظيفها بالشكل الأمثل في هذه العملية الانتخابية يساهم في نجاحها بشكل كبير حيث إن انتخابات الفترة المقبلة حاملة التسجيل الإلكتروني لخوض العملية الانتخابية وهو ما يساعد على زيادة التفاعل معها من كافة شرائح المجتمع خصوصا الشباب والمرأة وهو ما يصب في النهاية في مصلحة المواطن والدولة في آن واحد ويكون نتاجا طبيعيا لاختيار الأنسب لعضوية المجلس.